رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الطبقة العاملة المصرية رهينة الوهمين

فى خضم معارك عظام تبقى أكبر القوى الاجتماعية فى مصر فى الركن، تتابع ما يدور بصمت ودون تعليق.

إنها الطبقة العاملة المصرية التى تعرضت وتتعرض لعمل منظم يبدو تلقائيا ولكن به قدر كبير من الترتيب والدأب. الطبقة العاملة المصرية ذات المناعة الغريزية ضد الإسلاميين والمطالبة بالقليل يتم استبعادها وتفتيتها تحت شعارات حرية التعبير لصالح رجال الاعمال والليبراليين فهم المعبر الحقيقى عنهم.

إن حقوق العمال قبل 1952 لم تكن تتعدى العمل الخيرى للنبلاء من بعض باشاوات العصر الملكى. والعمل الخيرى هو نوع من العطف الذى يدل على كرم النبيل لا على حق المضطهد. ولقد عادت مصر لتحيا فى ظل الترويج لتلك الأوهام منذ عام 1970 مع تعمق مشروع الخصخصة فيها. فهل عمال مصر، وهم صانعو الثروة وشحم المكن كما يقال، ذوو حقوق لا يحصلون عليها فى إطار ترتيبات المجتمع؟ ترتيبات تعنى فى النهاية أن استغلالا متباين الدرجات يقع عليهم أم أن الأمر كله مسألة قدرية وأنهم فى احتياج لشفقة نطلق عليها اسما بليغا هو العدالة الاجتماعية.

وتحتفل الطبقة العاملة المصرية ومعها فلاحو مصر بالأول من مايو كعيد للعمال. وقد تراجعت أهمية عيد العمال كاحتفال عالمى فى العقود الأربعة الأخيرة مع ازدياد شراسة أصحاب المصالح حول العالم يروجون بأن الربح وتعظيمه هو ما يحرك عجلة التاريخ، حتى لو سقط تحت عجلاته الملايين من الرجال والنساء من عمال المناجم، وتكلست صدورهم فى مصانع القطن والنسيج أو بترت أطرافهم أمام الآلات السريعة حادة الأطراف فى المصانع، لم يكن أمام ملايين العمال عبر التاريخ إلا وحدتهم وعنادهم مطالبين باليسير من القروش أمام شراسة المكن وأصحابه أو حق التعويض أمام المستقبل المنتهك فى الحوادث. وهكذا فقد كان شعار (يا عمال العالم اتحدوا) تعبيرا سياسيا دقيقا ولم يكن محض مصادفة. فهو تعبير عن حتم وحدة من يبيعون قوة عملهم فى سوق لا يعرف أى رحمة.

شعار (وحدة التنظيم النقابى) كان إذن هدفا معلنا للطبقة العاملة فى كل مكان، وكان أيضا محل هجوم دائم من خصوم الطبقة العاملة. فتفتيت الحركة العمالية والنقابية عملية مورست بأعلى درجات الاحتراف عبر التاريخ تماما كما موررست محاولات السيطرة على التنظيم النقابى الموحد ومصادرته. تعرض اتحاد عمال مصر لتاريخ طويل من الاستئناس والمصادرة بلا شك. ولكن على كل مهتم بالشأن أن يتساءل: هل كان من الممكن الإصرار على وحدة التنظيم النقابى المصرى؟ هل كان من الممكن أن يكون مبدأ التنظيم النقابى الموحد قاعدة انطلاق لوجود حقيقى سياسى ونقابى للطبقة العاملة المصرية فى الأعوام القادمة؟ هل هذا تحديدا هو ما يتم تلافيه بدهاء شديد رغما عن حسن نوايا البعض؟ ويتابع المرء لذلك باندهاش مسلسل النقابات المستقلة التى تحمل بفخر اسم (الحرة) شبيهة باتحاد العمال الأمريكى الحر، ذاك هو الذى يدور الهستدروت الإسرائيلى فى فلكه.

يتساءل المرء عن التدبير والإعداد الفكرى والسياسى لهذه الظاهرة، بل عن الريبة والخشية التى كان يتوقعها البعض، عن ماذا كان يمكن أن يحدث لو تحول اتحاد عمال مصر من اتحاد عمال مستأنس الى قوة عملاقة حقيقية فى الظروف الراهنة، وكيف كان سيكون صوته أمام قضية «الخمسين فى المائة عمال وفلاحين» ففى مصر يوجد 10 ملايين عامل فى القطاع الخاص لا ينتمون الى أى تنظيم نقابى، بينما يضم اتحاد عمال مصر وحده ثلاثة ملايين ونصف مليون عامل. تسلل الى الدستور مبدأ الحرية النقابية كمبدأ حمال للوجوه يحمل فى طياته حتم التفتيت للحد الأدنى لأى مقدار من عوامل قوة المضطهدين وهو وحدة الطبقة العاملة ذاتها.

قضية وحدة التنظيم النقابى لم تلق أى اهتمام أو بحث جدى حقيقى ووصم كل من وقف ضد تفتيت التنظيم النقابى بأنه فلول. ففى الوقت الذى تخوض مصر فيه بحرا من الأزمات الاجتماعية، وفى الوقت الذى تصل فيه حرية التعبير مداها يأخذ مسار الحركة النقابية مسار التفتت والتشظى تحت شعار الحرية والتعددية بأسلوب لا يختلف كثيرا عن الجمعيات الممولة خارجيا. هذا التفتيت للحركة النقابية والعمالية هو نشاط منظم ويديره فهناك اليوم 10 اتحادات عمال فى المغرب وثلاثة فى تونس و6 فى فلسطين تتبادل الاتهامات. فى الوقت الذى ازدهرت فى البلاد تعبيرات غامضة لاشخاص كالأشباح مثل (الثوار) و (الشباب) اضيف الى الغموض غموضا متعمدا يزيد من انقسام المجتمع. وهكذا تحول صراع الطبقة العاملة ضد الاستغلال لصراع وسط صفوف الطبقة العاملة ذاتها. صراع يصب فى نهاية الامر لأصحاب مشروع الفوضى الخلاقة.

الطبقة العاملة المصرية صارت أسيرة لوهمين تم الترويج لهما بحرفية الأول: هو أن النقابات المستقلة هى ضمان لاستقلالية الحركة النقابية، والثانى أنه لم يكن هناك من مسار فى خضم يناير الا تفتيت الاتحاد العام لعمال مصر. وهمان تم الترويج لهما بنفس طويل وبدأب خشية أن تظهر الطبقة العاملة المصرية كقوى سياسية عملاقة فى ظرف ثورى مشتعل. الطبقة العاملة المصرية اذا توحدت فإن انحيازها حتمى للنضال الوطنى وهذا ما تسعى قوى دولية للحيلولة دون حدوثه فالطبقة العاملة تستطيع أن تطيح بفقاعات المزايدين بحسم قاطع اذا تلمست حتم الانحياز الاجتماعى للمعادين للاستعمار والمدافعين عن السيادة الوطنية.


لمزيد من مقالات د‏.‏ حازم الرفاعي

رابط دائم: