رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بورفؤاد: أدب معركة الحياة

يؤكد أصحاب الاتجاه التاريخى من النقاد أن الرواية فى مصر والعالم العربى هى أكثر الأجناس طوال العقود الأخيرة تعبيرًا عن المرحلة التاريخية بموضوعاتها ومضامينها ورؤاها الاجتماعية.وكانت الحرب الموضوع الأول للأدب فى العالم،وظلت الأعمال الأدبيةتستلهم الحروب وأثرها على الحياة الاجتماعية على مدار التاريخ. وفى مصر ارتبط ميلاد الرواية بالقضايا الوطنية كما يشير الباحث السيد نجم فى دراساته عن أدب المقاومة. وبدت فى الأعمال الروائية الأولى فى القرن العشرين ظلال لأثر الحرب العالمية الأولى على الحياة فى مصر ونمو الحركة الوطنية، ثم جاء أثر الحرب العالمية الثانية أكثر وضوحًا فى الرواية واستمر فى روايات لاحقة أبرزها «لا أحد ينام فى الاسكندرية» لابراهيم عبدالمجيد. وتناولت أعمال روائية أثر المعارك التى خاضتها مصر فى مواجهة العدوان الإسرائيلى فى 1956 و1967 ثم حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 سواء بتصوير الصراع الاجتماعى وأثر الحرب على حياة المصريين كما يتجلى فى «الحرب فى بر مصر» ليوسف القعيد أو بتناول المعارك بشكل مباشر كما هى الحال فى أعمال فؤاد حجازي.

تنتمى رواية جمال حسان «بورفؤاد، وقائع سنوات الجمر» (والعنوان مستوحى من فيلم شهير للأخضر حامينا عن سنوات المقاومة فى الجزائر) إلى أدب الحرب أو بالأحرى أدب المعارك، وهى الروايةالأخيرة للكاتبة التى صدر لها أربع روايات وأربع مجموعات قصصية. والرواية تلقى الضوء على بقعة من الأرض المصرية وقعت فيها عملية بطولية لقوات الصاعقة أبحرت خلالها السرية من جمرك بورفؤاد فى السادس من أكتوبر 1973 فى مهمة محددة خلف خطوط العدوالاسرائيلى وانتهت باستعادة شهدائها. ويتركز الضوء على المهمة السرية فى الإطار الأوسع لحرب الاستنزاف بعملياتها وبطولاتها وشهدائها. قائد العملية «يسري» كان مصممًأ على الالتحاق بالجيش رغم إخفاقه فى امتحان القبول الأول والتحاقه بالجامعة لكنه يعاود الكرة بعد خطة تدريب يومية تسانده فيها أمه رغم أنه ولدها الوحيد، وهو المقاتل الوحيد فى سريته الذى شارك فى حرب الاستنزاف التى تشبهها الكاتبة الطبيبة «بالتطعيم للمعركة ينصهر فيها المقاتل بخبرة الحرب».

اعتمد الجانب التسجيلى للرواية لغة تقريرية مباشرة من سجلات الحرب عن الوقائع المتعلقة بالدفاع، تلتها حرب الاستنزاف التى انتهت بوقف العمليات العسكرية فى أغسطس 1970 بعد مبادرة روجرز، ثم الاستعداد للعبور فى أكتوبر 1973. وتصف الرواية يوميات المعارك على الجبهة والنقلة التى حدثت فى تطوير المستوى العسكرى والتدريبى للجيش لمواجهة أحدث أسلحة العدو. ويركز الجزء الأكبر على عملية لسرية يقودها بطل الرواية بعد سنوات من الإعداد. ورغم أن القصة حقيقية كما أشارت المؤلفة، استطاعت أن تمزج الأحداث بالخيال مصورة مشاعر الجنود وتضامنهم وصراعهم من أجل البقاء وتجنب الأسر.

هناك إشارات سريعة وسط وقائع حرب الاستنزاف عن الحالة النفسية للمقاتلين، فالجنود يغضبون بعد استشهاد قائد الأركان عبد المنعم رياض ويريدون الثأر، ولا يتركون السلاح حتى عند النوم. وهم يحاولون متابعة الحياة فى ظروف شاقة ويقضون أيامًا قليلة مع أهلهم وربما تتحرك مشاعرهم تجاه الجنس الآخر فى انشغال أو محاولةارتباط، لكن همهم الأول كان التدريب والقتال لاسترداد الأرض. وحينما يحين وقت معركة التحرير يتقدمون فى جسارة مستعدين للاستشهاد فى سبيل الوطن. وحينما يسقط أفراد من السرية قتلى على أيدى قوات العدو يحاولون دفنهم ثم يصرون على استعادة الرفات أيام التفاوض التى تلت الحرب بشهور. لا يقتصر الاهتمام بالمكان ومركزيته فى الرواية على الجغرافيا، بل يمتد ليشمل البشر، فأهالى مدينتى بورفؤاد وبورسعيد بقوا كما هم يمارسون حياتهم فى صورة طبيعية قبل التهجير مع استمرار القصف الاسرائيلى واستهدافه المدنيين واقتصار الوجود على من يقوم بالأعمال الضرورية والعناصر اللازمة لاستمرار الحياة فى المدينة. وتصف الرواية العلاقة بين العسكريين والمدنيين الذين تدفقت مشاعرهم المتعاطفة معهم. وتصور أحوال الناس فى مصر وموقفهم من الحرب وتوقهم لتحريرالأرض، فهم مدركون لضرورة التقشف والتضحية، والتلاحم المتين بين كل طوائف المجتمع، والناس كلها على قلب رجل واحد وكل فرد يشعر بأنه جزء من الكل. وبينما كانت الجبهة الداخلية متأججة بالغضب لتحرير سيناء، سارت الحياة اليومية سيرها المعتاد، ثرية بالمسرحيات والأفلام والحفلات وكان هناك إنتاج ثقافى وفني؛ والإبداع فى كل صوره دليل على حيوية المجتمع وقدرة الشعب على عيش الحياة بالكامل. وتلاحمت الحياة الخاصة مع الهم العام ومسؤولياته وتعاظم الإحساس بأن مصر تقود حركة عظمى للتحرر من الاستعمار والتبعية، وترابط الهدف وتفاصيل إنجازه فى هاجس شمولى فى تكامل الأشياء طوال حرب الاستنزاف وفترة التمهيد لحرب أكتوبر.

صدرت دراسة للكاتبة بعنوان «التفاؤل والطاقة الخلاقة فى أيام التحرير» عام 2012 رأت فيها أن ما حدث فى 25 يناير 2011 وما تلاه من أيام يعكس قوة التفاؤل ولغز المصريين البهيج فى حالة نادرة من نشوة الذوبان فى الكل، صاغوها فى صورة علاقات إنسانية رفيعة المستوى تبعد عن الخاص المحدود إلى العام الأرحب. وربما تستحضر «بورفؤاد، وقائع سنوات الجمر» حالة أخرى من الذوبان فى الكل أثناء الفترة التاريخية التى سجلتها الرواية. وقد تكون دعوة للوعى الجمعى المصرى لاستكشاف الطاقات الكامنة والنهوض إلى مستقبل أفضل.


لمزيد من مقالات ابراهيم فتحى

رابط دائم: