رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حـق الأرض وثعـالب الفاشـــية!

قالت المريضة للطبيب الشاب: لقد تأخرت أكثر من ساعتين عن الموعد الذى حددته لى بنفسك، بينما يسبق أستاذك د. (أبو شادى الروبى) مواعيده وعندما أحضر أجده بانتظارى!، فرد عليها الطبيب الشاب مازحا بأدب جم: كيف تقاريننى به؟ إنه رجل علامة، تعلم فى انجلترا وتطبع بطبعهم، لكنى لم أغادر مصر، فلما تستغربين تصرفاتى؟، فضحك الجميع على لطفه، وربما يكون فيما بعد قد غادر مصر ليتعلم آداب المهنة، قبل تقنياتها، خاصة إنه كان مؤهلا لمستقبل بارز فى الطب، أو يقف متظاهرا على باب النقابة! فكان ذلك الموقف من سنوات طويلة عندما كان يعالج والدى عند د. (أبو شادى) رحمهما الله، ورحم مصر من فوضى التفكير والسلوك والكلام، ومن حق يراد به باطل!

مفهوما الحرية والاستقلال أصبحا على كل لسان هنا، بينما تحقيقهما على أرض الواقع ليس بالسهولة التى يتناولهما الناس، فالحرية حق لكل مواطن فى التعبير والتفكير والممارسة السياسية والعدالة الاجتماعية، ولكن عندما تستخدم الحرية لتقسيم المجتمعات وإثارة المشاعر الطائفية والنعرات الدينية والمذهبية والعرقية والعشائرية والمناطقية، فهى تتحول من معنى الحرية الذى يقوى المجتمع ، إلى أداة تخريب لم تسمح بها البلاد التى أرست قواعد الديمقراطية، وسنت القوانين الرادعة ضد من يستغل الحرية ليبث الكراهية والعداء بين فئات المجتمع، وأشهر الأمثلة قوانين معاداة السامية، بعد أن أخذت كراهية اليهود بعدا عنصريا غير مسبوق على أيدى العنصرية النازية بألمانيا، ولا تكف الدول التى تحترم الحرية عن إصدار قوانين فعالة ضد جميع أشكال التمييز، بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين، لتتماشى مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، إن خطر التمييز وما يحدثه من فرقة اجتماعية تهدد الدولة والمجتمع، تتعرض له جميع الدول المتخلفة وكذلك المتقدمة، ولكن الوعى بخطورته يتم التحسب له بوضع أدوات الردع المناسبة.

ونحن الآن نمر بمرحلة حرجة بعد ثورات فوضوية، تداخلت فيها عوامل داخلية وخارجية، يجب التصدى لكل محاولات إثارة النعرات الفاشية وتحويل التصرفات الفردية إلى مشكلات اجتماعية، تقسم المجتمع، وتهدد مناعته الداخلية، والأعداء تتربص بالكيان الوطنى من كل جانب، مما يتطلب من الجميع التصدى لمن يرفع لواء الحرية لينشر أشكالا من الفاشية الصغيرة، فى مجتمع لم تترسخ فيه ثقافة الحرية والديمقراطية كتفكير علمي، وسياسة رشيدة، وتجارب وتقاليد داعمة للوحدة الوطنية، لا للتهييج والإثارة، فما أكثر من يريدون الجنازات ليشبعوا فيها لطما!

وكما تقضى الفاشية على معنى الحرية، فهى كذلك تقضى على معنى الاستقلال الوطنى، فهو يعنى الحفاظ على مصالح الدولة الوطنية من الأطماع التوسعية إقليمية أو إمبراطورية، بينما تجير الفاشية الصغيرة بأيديولوجيتها المضادة للتاريخ وللعلم، المصالح الوطنية لمصالح خارجية، كما تفعل جماعات عربية فاشية ضد أوطانها لصالح إيران أو تركيا أو القوى الاستعمارية الكبري! مثل الأوضاع فى لبنان والعراق واليمن!

مكافحة الفاشية أساس إعادة ترتيب الكيان الوطنى، وفق مفاهيم العصر الإنسانية، والتجربة التاريخية بينت خطورة الفاشية بكل أنواعها الدينية والعرقية والعنصرية، وكذلك الطائفية، فكل الفاشيات تستند إلى أفكار تبدو متكاملة ونهائية تختزل الواقع، وتنتقى الحقائق والأحداث، لتتناسب مع نسق المعتقدات المسبقة، لتقدم وعيا زائفا بالظواهر الاجتماعية المعقدة، ومازال واقعنا الذى يعج بالأيديولوجيات، التى تؤدى فى تصاعدها إلى الفاشية، ينذر بأخطار الصدامات الاجتماعية بين الفاشيات الصغيرة دينية وعنصرية وعشائرية وجهوية ومهنية وحتى فى كرة القدم!

حكماء الوطن هم الثروة الحقيقية لكل جماعة وطنية تعيش على أرض واحدة فعليهم أن يقوموا بدورهم بالتوعية أولا بحق الأرض، التى نعيش عليها فكل الأفراد مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات، وكل الفئات الاجتماعية تحتاج لبعضها البعض، ليس هناك تمييز فى أهمية إحداها على الأخرى، وكرامة كل عقيدة وفكره ومهنة، تستمدها من درجة الإنسانية التى تحققها، بالتعايش والتعاون والتبادل الاجتماعي، وارتبطت مهنة الطب بالحكمة أصل السعادة، فهى مرتبطة بالمعرفة المتجددة المنفتحة، التى تقبل التطور والتغير، ولا تقف عند أفكار مسبقة ميتة، لاتغنى ولا تسمن من جوع، ولا تؤدى إلا للعنف والكراهية، وتراكم الأحقاد غير المبررة، ولا يستفيد منها إلا الثعالب الفاشية، التى تبحث عن مجد شخصى زائف، والتى تمتليء بها مزابل التاريخ، على النخب الواعية من معدن د. أبو شادى أن تقوم بدورها التاريخى لترشيد المجتمع. فى كل مجال وليس الطب فقط!

لقد ذقنا خطورة ضياع الوطن، حيث لا قيمة إنسانية تتحقق من حرية أو كرامة أو أمان، فعلينا جميعا أن نعطى الأرض التى نعيش عليها حقها، بحل مشكلاتنا بالحوار والتفاهم، فلا قيمة لحرية بلا وطن ولا لعقيدة دون إنسانية، ولا مهنة دون مجتمع!

لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: