رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هل يستمع أحد إلى النداء ؟

نذكر الآن والذكرى تنفع المؤمنين -أنه فى أواسط العام 2013 كنا كتبنا مقالاُ فى «الأهرام» بعنوان :«لا غالب ولا مغلوب»، و دعونا فيه أهل النظام الحاكم (من «جماعة الإخوان المسلمين» فى ذلك الوقت) إلى -ما معناه- إبداء القدر الكافى من المرونة وتقديم تنازلات ضرورية لقوى (المعارضة) آنئذ والالتقاء معها فى منتصف الطريق، وفق الصيغة التقليدية للسياسة والحكم فى لبنان الشقيق: (لا غالب ولا مغلوب).

كانت «قوى المعارضة» إذْ ذاك تتمثل فيما سمى (الجبهة الوطنية للإنقاذ) وقد تشكل منها فيما بعد(تحالف الثلاثين من يونيو) الذى جسد نوعاً من الظهير السياسى لعملية مجابهة مشروع «أخْونة الدولة»، بالقيادة المستدعاة شعبياً فى شخص رئيس الجمهورية الحالي.

ولقد انهار «تحالف الثلاثين من يونيو» لأسباب تعود الى الجانبين الممهدين للوضع الجديد المنبثق فى 3/7/2013 : «القوى السياسية» من ناحية، و «أركان الوضع الجديد» من ناحية أخري. ولكن تلك القوى السياسية تتحمل القسط الأكبر من (المسئولية) عن حدوث هذه النتيجة المأساوية، بفعل ما أبدته من (رعونة) إذا صح لنا استخدام هذا التعبير القاسي، وفى ذلك حديث طويل.

واليوم تبدو بعض «القوى السياسية» سادرة فى نهجها (الكارثي)، سواء من خلال العمل غير المباشر فى أروقة بعض النقابات المهنية بذرائع متنوعة، أو من خلال العمل المباشر عبر بعض التكوينات الثقافية والسياسية، وعبر الجزء الأكبر من وسائل الاعلام، في: الصحف الورقية والإلكترونية والقنوات الفضائية ومواقع (اللا تواصل) الاجتماعى !

و اليوم يسعى البعض من القوى السياسة معها شريحة من «شباب ثورة يناير»- الى محاولة تكرار غير حصيف لتجربة إسقاط «حكم الإخوان المسلمين»، عبر التعبئة الواسعة، بأدوات السياسة والإعلام، وبينما كان إسقاط حكم ( الجماعة) مستحقاُ، بغرض مواجهة مشروع «أخونة الدولة»، كما أشرنا، فإن محاولة إسقاط-أو زعزعة- النظام الحالي، المتمحور حول رئيس الجمهورية، عن طريق استخدام الأسلوب نفسه، عملاً غير حكيم ، بل هو متهور تهوراً شديداُ،

ذلك أن تتبع أخطاء النظام الوليد، وتجسيم نواقصه وثغراته فى أعين فئة الشباب والجمهور المجتمعى العريض، دون استدعاء السياق التاريخى العام للوضع القائم، وكذا الإساءة المتكررة إلى شخص وممارسات الرئيس، إنما هو عمل يمكن أن يؤدى لا قدر الله- الى تهيئة بيئة حاضنة لمحاولة تقويض نظام حكم استدعاه الشعب، بصور مختلفة، وأنجز ما استطاعه بجهد جهيد فى وقت محدود عصيب.

ورغم أننا لا نعرف كيف يمكن إسقاط نظام الحكم الحالي، فى غيبة أهم الشروط الضرورية لذلك المشروع الكريه، وفى مقدمتها «النقمة الشعبية الواسعة» بالإضافة الى موقف القوات المسلحة بالذات؛ فإن من المهم أن ننبه إلى أن ذلك (الإسقاط) إن وقع لا قدر الله فإنه سوف تتلوه بالتأكيد توابع زلزالية كبرى فى مقدمتها إضعاف جهاز الدولة الإدارى والأمنى إضعافاً شديدا على الأقل ، بل و (إصابة الدولة بالشلل ) وما هو أكثر بكثير، مما يمكن أن يقع فى المدييْن القصير والمتوسط، بل وفى المدى البعيد.

ولو افترضنا جدلاً، وهو أمر بعيد المنال، أن مشروع الإسقاط، فى حال حدوثه، والذى لن يتم إلا عقب هبّة فوضوية لاتبقى ولا تذر، يمكن أن يتم بطريقة (سلمية) - ولا نعرف كيف؟ - ولو افترضنا أيضا أن بعض القوى السياسية والشابة الراغبة حاليا فى الإسقاط، أو (الاستبدال)، نجحت مؤقتا فى إقامة صيغة سياسية معينة من خلال تقاسم أدوات السلطة والقوة والنفوذ فيما بينها، فإن الأمر لن يزيد حيئنذ عن كونه تنازعاً لا نهائياً على السيطرة بين تلك الأطراف المشتة فاقدة الرؤية والرؤية المستقبلية المشتركة، دون وجود «عقل مركزي» لإدارة الحياة السياسية. وهذا هو شلل الدولة عينه، مما يدخل المجتع المصرى فى دائرة «عدم الاستقرار» المزمن.

أما أن جمهور الشعب سوف ينأى بنفسه عن المحصلة المفترضة لمثل ذلك المشروع الموهوم المبتسر، وأن الأوضاع الاقتصادية والأمنية والعسكرية سوف تشهد تدهورا حادا وسريعا، فى حال حدوثه المستبعد على أى حال. وماذا يمكن أن نتوقع من بعض القوى السياسية والفئة الشابة الملتحقة بها، والتى تفتقد الى السند المجتمعى الحقيقى والجذور السياسية الشعبية؟ وماذا نتوقع من قوى تعوزها القدرات الثورية فكريا وتنظيميا وقياديا من أجل بناء مشروع وطنى اجتماعى حقيقي، ومن أجل إدارة الدولة بصورة فعالة، ومن ثم السير بسفينة البلاد ( المنكوبة حيئنذ!) فى وسط إقليمى ودولى مضطرب ؟

وسيقولون إننا ندعو إلى تأييد مجانى للقيادة السياسية والمنظومة القائمة ومؤسساتها الوليدة، وليس هذا مانقول، وإنما ندعو إلى استصحاب حسن النية، وكذلك النظرة العلمية إلى تاريخنا القريب.

إننا لن نظل أسرى على الدوام لذكريات «اللاشعور السياسي» وخيالاته الكابوسية المفزعة، ذلك الذى يحمل البعض منا على الاكتفاء بالنظر الدائم إلى الخلف بغضب! إلى ماقبل يناير 2011، وكأنه قدر مقدور علينا أن نتصور إعادة إنتاج نظام تسلطى آخر عند كل منعطف!! لقد تغير «دفتر الأحوال» فى مصر بصفة جذرية، بعد ثورة يناير، ولم يعد الخطر الماثل هو استعادة تسلطية النظام المباركي، وهو أمر متعذر، بل ومستحيل تاريخيا، وإن اتخذه البعض (فزّاعة) من نوع جديد لممارسة لون من (الإرهاب الفكري)- إذا صح هذا التعبير- تجاه المخالفين فى الرأى ممن يجدون فرصة سانحة لمساندة القيادة السياسية الراهنة بصورة عامة و مساعدتها على تصويب مسارها ومعالجة أخطائها بالحسني، والعمل الدءوب من أجل التوافق معها على (رؤية) مشتركة، وهو أمر ممكن جدا، بل وسهل المنال، لو خلصت النوايا من أجل ذلك حقا لدى الجانبين.

وكما كنا دعونا منذ ثلاث سنوات الى «التوافق الوطني»، ثم دعونا بعد «الثلاثين من يونيو» إلى نوع من «الجبهة الوطنية المتحدة»، وإن لم يستمع إلى النداء الطرف المنوط به ذلك، فإننا نكرر الدعوة للطرف المعنى اليوم، فى ظرف أشد حرجاً، من أجل تأكيد بناء التراضى المجتمعى الفعال. ولكن هل يستمع أحد منهم، هذه المرة، إلى النداء؟ هذا ما نرجوه حقا.

لمزيد من مقالات د.محمد عبد الشفيع عيسى

رابط دائم: