رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أطلقوا سراح المستقبل!

يفسر هيجل مفارقة العبودية والسيادة فى التاريخ الإنسانى بتلك اللحظة الفارقة التى عجز فيها إنسان عن مقارعة آخر، رفع السيف فى وجهه فلم يجد فى نفسه القدرة أو الشجاعة على مواجهته، حيث أصبحت العبودية للسيد بديلا عن الموت بالسيف، وأصبح الوجود بيولوجيا صرفا، فأن تكون موجودا يعنى أن تكون حيا وفقط، قبل أن تولد حساسية جديدة تمنح للوجود الإنسانى بعدا أخلاقيا وجوهرا سيكولوجيا، فأن تكون موجودا يعنى أن تكون حرا ومحترما، ما أفضى إلى ميلاد ثنائية حديثة وهي: الحرية ـ الموت، بديلا عن الثنائية الموروثة: الحرية ـ العبودية.

تعنى تلك الثنائية أن غير الحر إنسان ميت، لا يموت قتلا أو انتحارا، بل نفسيا وأخلاقيا، فالموت هنا ذو مغزى ثقافى / حضاري، يتعلق بالقدرة على التحقق الكيفي، حيث الأحرار فقط يتقدمون التاريخ ويقودون حركة سيره، وغيرهم يقبعون فى آخر الصفوف، عالة عليه، وعلى الآخرين، يعيشون ولكن كالموتي، تقهرهم ثلاثية الفقر والجهل المرض، وتقيدهم أغلال الاستبداد.

والمؤسف أن ما يجرى اليوم فى مصر، بعد ثورتين أريقت فيهما دماء ذكية، وأُزهقت أرواح طاهرة، لا يبعد كثيرا عن استعادة تلك الثنائية البائدة التى تختزل الوجود فى مجرد الحياة وتفصله عن الحرية، فبعض القائمين على أمر المصرى الآن يعايرونه بالأمن ويطالبونه أن يحمد الله على أنه لم يصبح لاجئا بعد مثل بعض جيرانه، فأمنه مقابل حريته وعليه أن يختار أيهما، فى مبادلة قاصرة لا تليق بعصرنا، ولا بمجتمعنا الذى عرف التمدين منذ القرنين، وأنجز ثلاث ثورات تحررية عبر أقل من القرن؛ ذلك أن الحرية لا يمكن أن تكون طرفا نقيضا للأمن فى معادلة سياسية صحيحة، بل هى الثمرة الطبيعية للأمن، إن لم يتحقق هو ماتت هى تحت سنابك قانون الغاب وروح البداوة الهمجية. أما إذا وجد هو من دونها فلا قيمة له، إذ لا فارق جوهريا بين أن يقتلك اللص، أو ينقذك منه الشرطي، فارضا عليك الحياة فى كهف خشية أن يختطفك لص آخر، ففى كهف الخوف يتساوى الوجود مع العدم، وتتماهى الحياة مع الموت.

ومن ثم يتعين علينا طرح بعض الأسئلة المرة: لماذا ثرنا؟.. وما الذى حصدنا؟ وإلى أين نسير؟. إذا كان الأمن وحده حلمنا فقد كان متحققا قبل 25 يناير أكثر منه الآن، فلنعتذر للرئيس الأسبق إذن ونعيده إلى موقعه. أما إذا كانت الحرية هى غايتنا، فليس الطريق الذى نسير فيه هو الأكثر استقامة فى التوجه صوبها، حيث باتت عدد من نخبة 25 يناير خلف القضبان، ودخلت نخبة 30 يونيو إلى دائرة الشك وفلك الاغتراب، بعدما جفت منابع السياسة، وتراجعت قيمة التعددية، فلم يبق على المائدة سوى الأكثر زيفا فيها، من تجار الإعلام، أرباب التكفير السياسي، والإقصاء الوطني.

ثمة تقليد حميد طالما مارسته مصر عبر العهود الثلاثة لجمهورية يوليو، وهو الحرص على تدشين بدايات جديدة من موقع التسامح الوطني، على الرغم مما كان يصيب كل عهد منها على مر الطريق وصولا إلى نهايته الدرامية. فمثلا، بدأت ثورة يوليو بإطلاق سراح الوطنيين الذين اعتقلهم القلم السياسي، المعادل الملكى لجهاز أمن الدولة فى العصر الجمهوري، حتى ولو كان الرئيس عبد الناصر أعاد اعتقال ما يفوق هؤلاء عددا فى مراحل تالية، ولأسباب مختلفة. كما بدأ الرئيس أنور السادات حكمه بإطلاق سراح السجناء السياسيين، واقتلاع مراكز القوي، قبل أن يعود فى خريف الغضب 1981م، ليعتقل كل رموز الطيف السياسى من اليمين إلى اليسار وما بينهما وصولا إلى نهايته الدرامية وموته الدامي. أما الرئيس المخلوع حسنى مبارك فبدأ عهده على الطريقة الساداتية، بإطلاق آلاف المعتقلين، من شتى التوجهات السياسية، والأطياف الفكرية، غير أن حكمه الطويل لم ينته إلا وقد جمعت زنازينه أضعاف من أطلقهم. وقد سار الرئيس الإخواني، محمد مرسي، على الطريق نفسه جزئيا، فبدأ حكمه بإصدار عفو رئاسى عن معظم السجناء الإسلاميين! دون غيرهم، وهو أمر يتسق وتكوينه النفسي، المصبوغ بالوعى الطائفى لا الوطني.

على العكس لم يبدأ المشير السيسى حكمه بالعفو عن جميع السجناء السياسيين كرؤساء جمهورية يوليو، ولا عن سجناء التيار المدنى الأقرب إليه ايديولوجيا، على طريقة محمد مرسى فى الإفراج عن سجناء التيار الديني، وكأن الرئيس يرغب فى تكريس نوع من القطيعة مع بدايات العهود السابقة، كى يأمن نهاياتها، فهل يبدو هذا الموقف صحيحا؟.

يبدو صحيحا إذا كان البحث عن زمن سياسى جديد يتجاوز أزمنة الاستبداد القديم، سواء تلك التى تآكلت شرعيتها بالتدريج، أو التى سقطت شرعيتها بالضربة القاضية، فالجديد الذى نريده لمصر هو أن تكون أكثر تفتحا وتحررا على الدوام فى النهايات كما فى البدايات، أن يقل عدد السجون ويزيد عدد المدارس والمصانع والصحف، فإذا ما كان رجاؤنا باقيا فى أن يختلف عصرنا مع العهود السابقة، فالأمل أن يكون الاختلاف فى النهايات المأزومة والدرامية، وليس فى البدايات المنفتحة والمتسامحة. وهنا يصير واجبا إطلاق سراح السجناء السياسيين الذين حوكموا بالبنود القاسية لقانون التظاهر، وخصوصا شباب التيار المدنى الذى تصدر 25 يناير، وشارك بعضه فى 30 يونيو، قبل أن يبدى افتراقا عن جبهتها العريضة اعتراضا على سياسات معينة، لعله من سنن التعددية وضرورات الحرية. وإذا كان قانون التظاهر قد صدر فى وقت عصيب من عمر مصر، تصديا لأزمات حادة ومعقدة، فقد زال معظمها الآن، وصار واجبا إطلاق سراح مصر من قيود الخوف، خصوصا وقد أنجزت المحطات الثلاث لخريطة الطريق، فأصدرت دستورا محترما، وانتخبت قائدا وطنيا لحمايته، ثم برلمانا شعبيا وإن اختلفنا على تشكيلته، ومن ثم يحسن مراجعة هذا القانون وإخضاعه لمنطق الدستور، من خلال مجلس النواب، فلا يبدو التعديل خضوعا للضغوط الخارجية، بل نتاجا لقريحة نواب الأمة المصرية، فالمؤكد أن إعلان الرئيس لقرار العفو، مع إعلان المجلس نيته فى مراجعة القانون، أمران كفيلان بتدشين عصر جديد، تنطلق فيه روح مصر، وطاقات شبابها، فيما تتبدد هواجس القهر وسحب اليأس المحلقة فوق رؤوسنا.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: