رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

لغز عكاشة والعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية

لغز النائب السابق توفيق عكاشة يتزامن مع مرور 38 عاما على إبرام معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية.

فى الواقع كل من الحدثين يرتبط ـ ظاهريا على الأقل ـ بوجود عنصر الدهشة فى عالم السياسة.. ارتفع نجم توفيق عكاشة كالشهاب المارق من الإعلام إلى دخوله مجلس النواب، بل حتى طموحه أن يكون رئيسه، ثم فجأة يهوى هذا النجم المندفع بسرعة البرق، بل نكتشف الكثير من الفضائح، بما فيها تهمة تزوير درجة الدكتوراه ـ لماذا لم يتم كشف وانكشاف هذه الفضائح قبل ذلك، وكيف يتم السماح لمواطن الترشح للمنصب التشريعى الرفيع دون التأكد من مصداقية الوثائق المقدمة، فى وقت «يدوخ» فيه المواطن من النظر فى وثائقه لتجديد رخصة سيارته أو الحصول على معاشه الشهري! بالتأكيد سنسمع الكثير عن عكاشة فى الأيام المقبلة، ولعل المعلومات تكون كاملة وصادقة عن هذا اللغز، بما فيها بالطبع مقابلته الغريبة مع السفير الإسرائيلي: سياقها، كيفية ترتيبها، وبالذات الموضوعات التى تم التطرق إليها.

المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية بدأت أيضا بحدث مفاجيء: خطاب الرئيس السادات فى مجلس الشعب فى نوفمبر سنة 1977 حيث أطلق القنبلة: مستعد أن أذهب إلى آخر الدنيا ـ بما فيها الكنيست الإسرائيلى لتحقيق السلام! كان ياسر عرفات ـ رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ـ بين الحضور، وأكد لى الكثيرون أنه قام بالتصفيق، لأنه اعتقد أن السادات لا يقصد ما أعلنه حرفيا، ولكنها محاولة منه لتضييق الخناق دبلوماسيا على إسرائيل، وفى حوار مع السفير الأمريكى حينئذ ـ هيرمان أيلتس ـ والذى كان وثيق الاتصال والتواصل مع السادات، أكد لى فى مقابلة فى بوسطن بالقرب من جامعة هارفارد، أنه هو نفسه لم يصدق حرفيا ما قاله السادات. كان معنا فى هذا الحوار فى سنة 1980 الدبلوماسى المخضرم تحسين بشير. بل ذهب أيلتس أبعد من ذلك وقال للسادات بالحرف الواحد: إذا كانت «زلة لسان» slip of the tongue، فانه مستعد فورا للاتصال بواشنطن وحتى بالرئيس جيمى كارتر لتدارك الأمر، ولكن السادات أكد له أنه يعنى حرفيا ما يقول، وهذا صحيح مائة فى المائة.

بل تتبعى لهذا الموضوع بالبحث والدراسة بعد ذلك أظهر لى بما لا يدع مجالا للشك أن إعلانا للاستعداد للزيارة بدا مدهشا، ولكنه فى الواقع كان محل تخطيط وبه محطات مهمة: التواصل مع تشاوسيسكو، الرئيس الرومانى السابق، وزيارة السادات لرومانيا فور انتهاء زيارة مناحيم بيجين لهذا البلد، التواصل أيضا مع شاه إيران الذى كانت علاقاته وثيقة بإسرائيل ويدير التنسيق المباشر بين السافاك ـ جهاز المخابرات الإيرانى والموساد الإسرائيلي، ثم اللقاء السرى فى المغرب فى أغسطس سنة 1977 بين حسن التهامى نائب رئيس الوزراء السابق والقريب من السادات ـ وموشى ديان، وزير الخارجية الإسرائيلي.

ذهب إذن السادات إلى إسرائيل فى نوفمبر سنة 1977، وكان هذا حدثا عالميا وإعلاميا بجميع المقاييس. فلم يحدث فى العالم العربى أو غيره أن يقوم رئيس دولة ـ قانونيا فى حالة حرب ـ بزيارة عاصمة خصمه اللدود وبالرغم من عنصر الدهشة هذه والصخب الإعلامى العالمي، لم يحصل السادات على ما يريد من جراء هذه الزيارة، وهناك الكثير مما يمكن القول فيه وتحليله، ولكن مساحة المقال الصحفى لا تسمح. المهم من أجل دفع الأمور إلى الأمام، قامت واشنطن بتنظيم المؤتمر الثلاثى بين مصر، إسرائيل والولايات المتحدة فى منتجع كامب ديفيد فى سبتمبر سنة 1978، والذى استمر لمدة 13 يوما كفيلم مثير لا نعرف مصير الشد والجذب بين السادات، مناحيم بيجين وجيمى كارتر، وعما إذا كان هذا المؤتمر سيكلل فعلا بالنجاح، ولكن أنهى هذا المؤتمر أعماله، وبالرغم من استقالة وزير خارجية مصر حينئذ محمد إبراهيم كامل، وهو وزير الخارجية الثانى الذى يستقيل احتجاجا على إدارة العلاقات المصرية مع إسرائيل، إلا أن مؤتمر كامب ديفيد نشر وثيقة اتفاقه، التى أصبحت أساس معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية منذ 38 عاما هذا الشهر، والتى حققت جلاء القوات الإسرائيلية عن سيناء.

هاج العالم العربى ضد هذه المعاهدة، بل تم تعليق عضوية مصر مؤقتا فى الجامعة العربية وانتقلت الجامعة نفسها إلى تونس قبل أن تعود إلى القاهرة عقب اغتيال السادات ووصول مبارك للحكم. ولكن معظم الشعب المصرى لم يتصالح مع هذه المعاهدة، لأن وعد تسوية قضية الشعب الفلسطينى واقامة دولته على أرضه لم تتحقق، ووقف معظم هذا الشعب فى وجه التطبيع بأية صورة من الصور، بل إن حتى بطرس غالى نفسه أطلق على العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية عقب التوقيع على المعاهدة تسمية «السلام البارد» الذى استمر لسنوات.

الشواهد فى الحاضر تدل على أن العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية هى فى وضع مختلف، خاصة فيما يتعلق بتخفيف القيود التى وضعتها المعاهدة على حجم ونوعية القوات المصرية فى سيناء وحتى التبادل المعلوماتى حتى تتمكن القوات المصرية من مواجهة العناصر الإرهابية فى شبه الجزيرة.

لغز توفيق عكاشة ـ وخاصة رد الفعل العنيف لمقابلته مع السفير الإسرائيلى تدل على أنه ما لم يتم تسوية قضية الشعب الفلسطينى فإن معظم جماهير الشعب المصرى لا تتصالح ولا تقبل التطبيع مع إسرائيل، معاهدة سلام أم لا. لماذا إذن قام عكاشة بهذه الخطوة التى أسرعت بتدميره؟

لمزيد من مقالات د‏.‏بهجت قرني

رابط دائم: