رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

شــرح المشـروح فى إعـلام لايسـمن من جــوع!!

كان انفجارا مدويا ذلك الذى استهدف مقر الأمن الوطنى فى شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية فجر يوم خميس، وكان طبيعيا أن تتناقله جميع وكالات الأنباء ومن ثم الشاشات والمواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعى فى حينه!

ذهبت إلى عملى بالجريدة صبيحة يوم الجمعة الذى تلى الانفجار، وبحكم طبيعة مهنتى كان لابد أن أطالع ماتيسر من جرائد كى أتمكن من مزاولة المهام الموكلة إلى بطول يوم تتلاطم فيه الأحداث بطبيعتها، ولقد هالنى أن قرأت فى صدر الصفحة الأولى خبرا يشير إلى تفجير مبنى أمن الدولة بشبرا الخيمة!! وكان أول سؤال تبادر إلى ذهنى هو : (تاني) ؟!

لحظات، وبدأت استوعب الموقف، وارتسمت على وجهى ابتسامة صامتة بلهاء جاهدت فى أن أخفيها، من بعد أن أدركت موضع الخلل: فالخبر حين وقع لم تستطع الجرائد نشره فى حينه؛ ذلك لأنه وقع فى توقيت تعدى زمن الطبعة الثالثة للجريدة التى تتجاوز منتصف الليل قليلا، ومن ثم خرجت جريدة يوم الخميس خالية من أى إشارة للحدث الذى وقع فجرا، فلما استعدت الجريدة بطول يوم الخميس للصدور حاملة تاريخ اليوم الذى يليه ــ أى الجمعة ــ كان لابد من الإشارة إلى ذلك الحدث الجلل، فكان النشر الذى أوحى إلى بتكرار الانفجار نفسه فى المكان نفسه!

إنها مشكلة عصر بأكمله نحياه يحمل ملامح سقوط حواجز زمنية انعكست بالتالى على المشهد الإعلامى على غير ما اعتاده الناس من ذى قبل، ملامح سريعة الإيقاع ما عادت الأدوات التقليدية قادرة على اللحاق بها؛ فصحيح أن الأحداث بالأمس القريب كانت تتدفق على ذات النحو، إلا أن تكنولوجيا الإعلام حينئذ كانت تحول دون تعريف الناس بما حدث إلا فى التوقيت الذى يتماشى مع آلية خروجها فى متناول المتلقي،فكانت الناس مضطرة للانتظار حتى صباح اليوم التالى لاقتناء الجريدة كى يتسنى لها معرفة ماذا حدث بالأمس؛ ثم تطور الأمر برهة ،فكانت الناس مضطرة لانتظار نشرة أخبار السادسة أو التاسعة على شاشة القناة التليفزيونية (المتاحة) لمعرفة ماذا حدث خلال اليوم نفسه! فلما وقع التغيير الكبير، وسقط معه حاجز الزمن، أصبح فى مقدور الناس أن تعرف ماذا حدث بعد دقائق معدودة من زمن وقوع الحدث ،كبر أو صغر، عبر الوسائل الإعلامية الحديثة، فما الحاجة إذن إلى انتظار موعد صدور الجريدة أو بث نشرة الأخبار (إياها)؟ لم يعد لذلك معنى اللهم إلا إذا كانت هذه الوسائل التقليدية ستأتى بجديد.. وهذا هو مربط الفرس!

فبرغم لحاقنا تكنولوجيا على الصعيد الظاهرى بأدوات الإعلام المتاحة فى عصرنا كاملة متكاملة متمثلة فى عدد (مهول) من المواقع الإخباربة والشاشات الفضائية والجرائد،إلا أن خللا شديدا راح يعتلى أداءنا الإعلامى على صعيدين اثنين: الأول، هو فقر محتوى التناول إلى حد شرح المشروح؛ كأن تخرج الجرائد لتروى للناس (بحماسة تحسد عليها) ماعلمه الناس وعايشوه قلبا وقالبا لحظة حدوثه سواء على الطبيعة أو من خلال الوسائل التكنولوجية الحديثة دون زيادة أو نقصان، متصورين أن الناس مازالت تعيش فى الأيام الخوالى التى كانت تنتظر فيها موعد صدور الجرائد بشغف لمعرفة ماذا حدث؛ أو أن تجد من يخرج عليك ليلا على شاشة التلفاز ليبث حدثا جللا كخطاب الرئيس مثلا ــ والذى تابعه الناس عن بكرة أبيهم لامحالة وقت حدوثه أو استجلبوه على اليوتيوب مثلا بعد انتهائه بقليل ــ فيزيد صاحبنا على ذلك ما يتصوره طفرة إعلامية نوعية بأن يشرع على لسانه فى سرد محتوى المقطع الذى سيبثه حرفيا بعد ذلك على لسان الرئيس نفسه، فإذا بك أمام تكرار غير مبرر فاقد لعنصر التشويق للحدث نفسه!

أما الصعيد الثانى لخلل الأداء الإعلامى من وجهة نظرنا فيتمثل فى السقوط المروع فى براثن الحيص بيص أمام توالى الأحداث أو وقوع حدث مهم بعينه يراد تسليط الضوء عليه، بحيث أنك لاتخرج بجملة مفيدة واحدة تعينك على فهم ما تسعى الوسيلة الإعلامية إلى توصيله؛ فصحيح أنك أمام زخم معلوماتى إخبارى شديد الوطيس على الصعيد الظاهرى يصل إلى حد اللقاء مع ضيف أو ضيفين متزامنا مع عرض المشهد التسجيلى للحدث، متزامنين مع أخبار متلاحقة تجرى على الشريط الإخبارى (News Bar)، ثم مداخلات تليفونية، ثم لامانع من ظهور شريحة على الشاشة تحمل مقتطفات من تصريحات الضيف أو المتصل، ثم لامانع من أن تزاحمها شريحة أخرى تحمل خبرا عاجلا ورد لتوه... هيصة أشبه بـ (فرح العمدة) إذا أردت دقة التوصيف!! فلما تستجمع أنت قواك العقلية أمام هذا الهزل، ربما تكتشف فى النهاية أن محصلة ذلك كله هو أنك لا تفهم شيئا على الإطلاق فى غياب جرعة متماسكة البنيان من شأنها أن تروى عطشك المعرفى بأى حال من الأحوال إذا ما انتويت الفهم!!

يطلع عليك الصباح، فتجد الجرائد تعيد عليك ما عشته وتجرعت تفاصيله بالأمس بالتمام والكمال.. وهكذا دواليك!!

نحن إذن بين فكى كماشة؛ فك صحافة ورقية تحيا خارج الزمن تنكر عليك أنك تعرف البديهيات إلا فيما ندر، وفك إعلام مرئى يسكب فوق رأسك كل شيء بلا هوادة بدون إيقاع ملموس يمكنك من تتبع خيوط ما قد حدث، تاركا الأمر لقوانين الصدفة (السعيدة) التى قد تقودك إلى برنامج هنا أو فقرة هناك لعلك تفهم! والنتيجة؟

النتيجة أننا ليس لدينا ممر إعلامى آمن يمكننا من توظيف الإعلام على النحو المنشود من فكرة وجوده فى حياتنا أصلا أو توصيل أى رسالة مهمة وبخاصة (فى أوقات الخطر) فإذا بالناس فريسة سهلة لشائعات شبكات التواصل الاجتماعى باعتبارها أصبحت الإعلام البديل والوحيد.. وما أدراك ماهى (نار حامية) !!.

لمزيد من مقالات أشرف عـبد المنعم

رابط دائم: