رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

زمن هيكل.. عبور الأجيال والطبقات

الكتابة عن الأستاذ هيكل بعد اسبوعين حافلين بالمراثى والوداع تشترط لكى تنجو من التكرار ووقع الحافر على الحافر كما قال البلاغيون العرب القدماء أحد أمرين أو كليهما، الأول استقراء الرجل الظاهرة وليس قراءته افقيا، والثانى اضافة بُعد معلوماتى من خلال علاقة شخصية ولا أظن أن هناك كاتبا او مثقفا عربيا ليست له قصة مع الأستاذ، سواء من خلال القراءة المجردة عن بُعد او الاقتراب، وأخيرا من خلال ثنائية الاختلاف والائتلا ف لأن الاستاذ اشكالى بامتياز، وحين بلغ الثمانين لم يقل كما قال زهير بن ابى سلمى إنه سئم تكاليف الحياة والكتابة معا، وحين قرر الانصراف عن الكتابة استعاض عنها بالكلام من خلال الحلقات المتلفزة المتعاقبة .

بعد قراره الشهير وهو الانصراف عن الكتابة كان قد نشر العديد من المقالات المطولة فى مجلة وجهات نظر المصرية، وأثارت يومئذ أصداء واسعة فى مختلف انحاء الوطن العربي، وعشية الانصراف اقترح عليّ الصديق ايمن الصياد أن اشاركه فى قراءة نقدية هى كما قلت اقرب الى الاستقراء لتلك المقالات وبالفعل عكفت اسابيع على إعادة قراءتها ونُشر ما كتبته عنها بالاشتراك مع الصديق الصياد فى المجلة التى كان يرأس تحريرها، وحين التقيناه بعد صدور العدد، أيمن الصياد وغسان طهبوب وأنا، بدأ حديثه بسؤالى عما أعنيه بعبارة العابر للطبقات، وكنت قد استخدمتها مرّتين، مرّة فى قراءتى لما كتب، والأخرى فى اهدائى له عددا من كتبى ومنها الاستشراق والوعى السالب، قال افهم عبور الاجيال، لكن ماذا عن عبور الطبقات، فأجبته ان من يقرأونه بدءا من أشهر عنوان صحفى فى العالم العربى والمقترن بالجمعة من كل اسبوع وهو بصراحة حتى آخر ما كتب فى وجهات نظر، هم شيوخ وشباب ورجال أعمال وناشطون، وحزبيون ومستقلون، واغنياء وفقراء، وذكرت له حادثة لم يعلق عليها بالكلام بل بإيماءة ذكية ورشيقة من عينيه، قلت له دخلت ذات يوم على قريب لى وهو رجل أعمال معروف، وكان يمسك بعدسة مكبرة اضافة الى نظارته الطبية ويقرأ مقالته فى وجهات نظر، وحين سألته عن سبب الجهد الذى يبذله فى القراءة قال إنه لم ينقطع عن متابعة الطائرة منذ اقلاعها قبل اكثر من ستين عاما، وتشاء المصادفة فى اليوم ذاته ان يحاورنى سائق سيارة أجرة حول ما كتب الأستاذ وبالتحديد عن الملك الراحل الحسين، ولكى لا استطرد فى إستذكار مواقف ذات بُعد إنسانى سأتوقف عند مسألتين بالتحديد، كان حوارى مع الاستاذ حولهما معرفيا خالصا .

الأولي، الموقف من المؤرخين اليهود الجدد وكانت المناسبة أننى التقيته فى مكتبه بالقاهرة بعد يومين فقط من صدور تصريحات لابراهام بورغ الرئيس الاسبق للكنيست الاسرائيلى والتى أدان فيها دولته جذريا، وتعرّض لفتاوى من الحاخامات منها ما يحرمه من الدفن فى أرض الميعاد، قلت للاستاذ ان موقفى من بورغ وسواه مركّب، وتصدق عليه عبارة جين اوستن عن الحب والكراهية عندما يختلطان، فما أخشاه هو أن يؤدى تزايد الكُتّاب اليهود من أصحاب الاطروحات المضادة للصهيونية الى نقل الصهيونية من الميتافيزيقا الى التاريخ وعندئذ تصبح جدلية، وقد يعرّضنى كعربى هذا الوضع الى الطرد من التاريخ بعد الطرد من الجغرافيا ، أستوقفته الملاحظة وطلب منى توضيح ما اعنيه بتفصيل اكثر، ثم صمت قليلا وقال : إن الصهيونية باعتبارها غيبية وذات بُعد افقى واحد لن تكون جدلية ذات يوم وما سوف يحدث هو انها ستأكل نفسها وبقى السؤال معلّقا بانتظار حوار آخر .

المسألة الثانية تتعلّق بالقضية الفلسطينية التى كان الأستاذ من أبرز شهودها والمساهمين فى مجمل دينامياتها، فقد سمعت منه مآخذ على السلطة الوطنية وعلى اتفاقية اوسلو منها ما يلتقى فيه حول موقف الراحل ادوارد سعيد من الاتفاقية وكان يرتبط مع سعيد بصداقة ذات حفيف أحسست به عندما استمعنا معا لآخر محاضرة القاها الراحل سعيد فى الجامعة الامريكية بالقاهرة قبل رحيله .

ما استوقفنى بقوة واعترف بأنه آثار دهشتى هو أن الأستاذ كان يتمنى لو انه قدّم شابا فلسطينيا اسمه جورج حبش الى الرئيس عبد الناصر، وذكر بعض الأسباب، وروى حادثة قد تفاجيء البعض هى انه كان عائدا من لندن الى القاهرة عندما التقى وفدا فلسطينيا فى الطائرة ذاتها، وكان يجلس كالعادة فى الدرجة الاولي، وحين سأله احدهم عن موقفه من شأن سياسى قال له ان لدى سؤالا آخر، هو هل تسمح ظروف الفلسطينيين وهل لديهم من فائض الرفاهية ما يبرر ركوب الوفد فى الدرجة الأولى ؟ وبرر اختياره للدرجة الاولى انه يدفع ثمن البطاقة من جهده ومن ماله الخاص وليس على حساب جهة أخرى ، وبالطبع كان لكلامه بُعد رمزي، فالمسألة ليست ثمن تذاكر طائرة، بل هى سلوك ورسالة .

ومما سمعته من الأستاذ وبصوت يرشح منه الحزن، هو ما فقده من مقتنيات شخصية نادرة، منها خمس رسائل كتبها اينشتاين بخط يده الى امرأة كان يحبها ! ولا يمكن الكلام عن الأستاذ بمعزل عن توأمه الذى عاش فى الزمن ذاته هو العالم الراحل د . جمال حمدان، فالاثنان أدركا مبكرا وكل واحد بطريقته ضريبة عبقرية المكان، وعروبة مصر القدرية التى تشكل العمود الفقرى للأمن القومى العربي، وقد عاش الرجلان الزمن العبقرى ذاته، بما له وما عليه وقرعا الجرس ذاته الذى حاول البعض حجب رنينه دون جدوى . والرجل الذى أكتفى بلقب واحد على إمتداد عمره هو الصحفى او الجورنالجي، كان فى الحقيقة جديرا بالعديد من الالقاب، فهو باحث وأديب ومؤرخ ومحلل استراتيجي، إضافة الى كونه شاهدا، ولو كانت لغته صحفية خالصة ونثره وظيفيا ومتقشفا لما كانت له تلك الجاذبية الآسرة، لهذا كان قريبا الى روائيين وشعراء منهم الصديقان الراحلان محمود درويش وجمال الغيطانى وكذلك الروائى يوسف القعيد الذى نتمنى له العمر المديد، وأحيانا اتصور بأن لدى الاستاذ هيكل موهبة سردية تتخطى السقف المهنى لحرفة الصحفي، لهذا فهو حين يكتب او يتحدث يضع المعلومة حتى لو كانت سياسية خالصة فى سياق شائق .

زمن هيكل هو زمن عربى ومصرى ممهور بدراما يندر تكرارها فى التاريخ، فهو زمن انتصارات وهزائم، ومدّ قومى وجزر واحلام وكوابيس، اما اقتران اسمه باسم الزعيم الراحل عبد الناصر فهو ليس على طريقة المتنبى وسيف الدولة، فهو لم يحلم بولاية ولم يقل ما قاله ابو الطيب ان فؤاده من الملوك ولسانه من الشعراء، ولم يكن مجرد صدى او ظل بل شارك وحاور وحذّر عندما اقتضى الامر، واعلن الولاء لمصر وليس لعبد الناصر وحده، وظلّ فى ربيعه الناصرى وخريفه الساداتى وفيّا لمهنته اولا، كشاهد لولاه لبقى الكثير من المسكوت عنه عربيا طيّ الأدراج والكتمان !

أخيرا فإن الكتابة عنه فى بيته وبعد أسبوعين من وداعه ولا اقول رحيله لأن قبور أمثاله كما قال ادجار الن بو حافلة بالعائدين تتيح للصلصال ان يبرد قليلا كى يغرز النحّات كما الكاتب اصابعه فيه، ومن يفيضون عن مساحة قبورهم من أمثاله لهم فى كل عمل انجزوه قيامة !!

لمزيد من مقالات خيرى منصور

رابط دائم: