رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الموت أولا .. الموت أخيرا

لا أعرف إن كانت هذه الظاهرة مصرية خالصة. أم أنها موجودة فى كل مكان من الدنيا. ألا وهى الانتظار حتى يموت الإنسان ثم تبدأ الكتابة والكلام الكثير عن مزاياه. كلما عبرت هذه الظاهرة عن نفسها. أفكر فى التوقف أمامها. والكتابة عنها.

ولكن فى كل مرة. أوقف نفسى عن الكتابة. أقول إن النفس ربما كانت أمارة بالسوء. أتساءل: هل استكثر على راحل أن نكرمه بما يليق؟!.

وأنظر لنية الكتابة عمن ماتوا على أنها تنوب عنا بالقيام بكل المطلوب تجاههم. كانوا يقولون فى قريتنا إن الغربال الجديد له شدَّة. ونحن نتعامل مع الموت هكذا. يبدأ الاهتمام به كبيراً كأنه يصل الأرض بالسماء. ثم يتراجع الاهتمام إلى أن يأتى النسيان أخيراً. نجيب محفوظ هو من صك التعبير الذى أصبح قاعدة فى التعامل مع كل ما يمر بنا فى الحياة من بشر أو أحداث أو وقائع. كتبه فى مفتتح روايته: أولاد حارتنا. عندما قال: ولكن آفة حارتنا النسيان. وأقول: ولكن آفة مصرنا النسيان.

عندما ذهبت للعزاء فى يونان لبيب رزق (27/10/1933 ـ 14/1/2008). تساءلت زوجته السيدة: أديل. لماذا كل هذه الكتابة عنه بعد رحيله؟ أقل القليل من هذا لو كتب عنه فى حياته. لقاوم الموت. واستمر فى الحياة. وبسبب ظروف العزاء لم أقل لها إن أهم ما تركته الحضارة المصرية القديمة. قبور. بما فى ذلك الأهرامات. ربما كان الجانب الإيجابى ـ الوحيد ـ فى هذه الظاهرة. الرغبة المصرية القديمة فى مقاومة النسيان. والبحث عن حلم الخلود المستحيل.

عدت أفكر فى القضية القديمة. هل نحتفى بمن مات لإحساسنا أن الموت خطفه؟ مع أننا ما زلنا نعيش ونحيا. وضع فى حفرة صغيرة وأغلقت عليه. فى حين أننا نأكل ونشرب ونسمع ونرى ونتعامل مع كل مسرات الحياة. كل حسب إمكاناته. والمتاح له. أم أن النفس البشرية تشعر أن من مات أخلى لنا مكانه. قدم لنا أعز ما لديه. وهو حياته. ترك لنا مساحة من الفراغ يمكن أن نتوهم الحركة فيها. ربما المسألة أكثر من محيرة.

تكرر نفس الأمر مع الروائى خيرى عبد الجواد. الذى توفى يوم الثلاثاء 24 يناير 2008 عن سبعة وأربعين عاماً. حيث ولد فى 24/7/1960 فكم عانى فى حياته من الإهمال؟ ولم يحظ ما كتبه بأقل قدر من الاهتمام. مع أنه أصدر عشرة من الأعمال القصصية والروائية. منها: حكايات الديب رماح 1987. حرب أطاليا. العاشق والمعشوق. كتاب التوهمات 1992. يومية هروب. إضافة لتحقيقه لسيرة الظاهر بيبرس. وتوصله لسيرة شعبية نادرة للفيلسوف ابن سيناء.

شاركنا جميعاً فى هذه الظاهرة بامتياز. ولا أستثنى نفسى من المشاركة فى جريمة الصمت والتجاهل تجاه الكاتب فى حياته. أعترف إنه عندما أعطاني. روايته الجديدة: كيد النساء. وكان سعيداً بنشرها بدار الآداب فى بيروت. وقال لى بخجل: رأيك يهمني. ولكنه مضى من عالمنا دون أن يسمع رأيي. قلت لنفسى للزمن بقية. أو مسيرى أقرأ الرواية وأكتب عنها أو أكلمه بشأنها. ولكن الموت سبق القراءة وسبق الرأى وسبق ما كان يهتم أن يسمعه.

قال لى المرحوم خيرى إنه عرف طريقه عندما قرأ رواية جمال الغيطاني: الزينى بركات. ثم أسعده زمانه بالعمل معه فى سلسلة تراثية بالثقافة الجماهيرية. وسلسلة عن أدب الحرب فى هيئة الكتاب. اهتمامه بالتراث تعدى استلهامه فى الكتابة. أصبح مرجعاً لنا جميعاً. عند البحث عن نص تراثى قادم. أو مفقود. نتصل به. نطلبه منه. يوافيك به قبل الموعد الذى حدده بأيام. يحمل صورة جميلة. استنسخها من النص الذى تبحث عنه. وقام بهذا الدور عربياً بقدر إمكاناته التى أتيحت له فى حياته القصيرة.

كان ينطبق عليه التعبير الشعبي: ابن موت. ولأنه كان بدون عمل. حاول تأسيس دار للنشر. بدعم ومساندة من القاص المصرى الذى يعيش فى أسوان يوسف فاخوري. نشرت هذه الدار بعض الكتب القليلة . ثم توقف المشروع لضيق ذات اليد. لم يبق منها سوى مكتب فى شارع جوهر بالدقي. رجانى أكثر من مرة أن أزوره فيه. ولم تسمح لى ظروف الحياة ومشاغلها بتلبية الدعوة.

ثم داهمته مجموعة من الأمراض. آخر مرة رأيته. لم يبق واضحاً فى وجهه سوى عينيه. تومضان بقوة. دخل أحد مستشفيات القاهرة بالدقي. ولإيمانى بأن الموت لا يحتاج لسبب. يكفى أنه الموت. لم أسأل عن ظروف الوفاة. ولكنهم قالوا لى إنه تناول جرعة دواء خطأ أدخلته فى غيبوبة. ثم مات. قال لى يومها بعض الأدباء الأشقاء العرب الذين كانوا فى مصر إنهم عرفوا بخبر موته من المغرب. من مختبر السرديات. وضع له على النت نعياً كتبه الناقد والباحث المعروف. شعيب حليفى.

كان ضمن النعى شهادة كتبها خيرى عن نفسه وعن حياته. عندما أقام مختبر السرديات ندوة بالدار البيضاء. يوم الخامس من ديسمبر سنة 2006 كان عنوانها: المتخيل السردى عند خيرى عبد الجواد بعد رحيله عن الدنيا. خصصت له جريدة أخبار الأدب. جريدة جمال الغيطانى وقتها صفحتين. وجريدة الحياة منحته صفحة. وكل هذا جميل ولا بأس به. ولكنى أعود إلى المربع رقم واحد. وأقول أين كنا نحن؟ وأين كانت أقلامنا وحبرها الذى تبخر منه الصدق عندما كان يمشى بيننا؟ ومهما قال أى أديب إنه لا يسعى لأن يكتب عنه أحد. لا تصدقه. لأن كلمة قد تُميت الإنسان. وتذكروا ما جرى لصلاح عبد الصبور.

وكلمة يمكن أن تحمل قدراً هائلاً من الأمل لإنسان. ربما أطالت عمره نسمة هواء. مات خيرى عبد الجواد. ولم تقم دار نشر بطبع مؤلفاته فى مكان واحد ومن جهة واحدة؟ خيرى عبد الجواد الذى مات فى شرخ شبابه مجرد حالة واحدة من آلاف الحالات التى تحدث كل يوم. ولديَّ قائمة طويلة. أطول من الهم على القلب بأدباء لوحوا لنا بمناديل الوداع ورحلوا. لم يتركوا سوى الحسرة فى قلوبنا. الحسرة العابرة. نحاول نسيانها قبل أن تملأ حياتنا بحزن إيجابى قد يدفعنا للقيام بواجباتنا تجاههم.

لمزيد من مقالات يوسف القعيد

رابط دائم: