رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كل هـــذا الكلام عن المســـــاواة!

أتساءل أحيانا عن سر كل هذا الحماس الشديد لمبدأ المساواة، فما هو الرائع بالضبط فى تحقيق المساواة الكاملة بين الناس؟

يصدر كتاب منذ عامين لاقتصادى فرنسى بعنوان «رأس المال فى القرن الحادى والعشرين»، فيهتز له العالم لأنه قدم إحصاءات تدل على زيادة درجة اللامساواة فى توزيع الدخل والثروة، فى كثير من دول العالم، خلال القرنين الماضيين، فما هى يا ترى الدرجة المطلوبة من المساواة فى الدخل والثروة التى يريد المؤلف أو نريد نحن أن تسود العالم؟

ألا يجب علينا الاعتراف بأن حياتنا تفقد الكثير من جاذبيتها لو سادت فيها المساواة التامة؟ ألا يقوم بعض من أقوى المشاعر الإنسانية على نوع أو آخر من المساواة؟ كالطموح الى الأفضل، والرغبة فى الترقى أو الشهرة، أو الى تحقيق المزيد من المال أو السلطة؟ ألا يعتمد كل من هذه المشاعر على رغبة فى التفوق أى فى اللامساواة؟

هل نفضل أن تسود الموسيقى الرتيبة (التى نصفها بالبدائية) والتى يتكرر فيها نفس الصوت بنفس الطول ونفس القوة أو الضعف، دون أى تغيير، أى تتساوى فيها النغمات والمسافات فيما بينها؟ أم نفضل عليها موسيقى أقل رتابة ومليئة بالمفاجآت أى باللامساواة؟ وهل نحب أيضا أن يعامل الطفل الصغير أباه أو أمه نفس المعاملة التى يعاملانه بها؟ هل المساواة مطلوبة هنا أيضا؟ وما هو يا ترى سر تلك الحماسة المنقطعة النظير التى نتابع بها المباريات الرياضية، فنتلهف على انتصار فريق على آخر؟ هل هى لهفة على تحقيق المساواة أم اللامساواة؟

هل نتصور أن فلاسفة اليونان كان من الممكن أن ينتجوا أعمالهم الفلسفية العظيمة لو لم يسد فى وقتهم نظام الرق (وهو نظام كانوا يؤيدونه ويعتبرونه نظاما طبيعيا)؟ وهل كان يمكن للفراعنة أن يبنوا الأهرامات لولا خضوع آلاف المصريين لنظام السخرة؟ هل كنا نتوقع أن موسيقيا عظيما مثل موزارت كان يمكن أن ينتج روائعه الموسيقية، لولا ما كان يطمع فيه من رضا وسخاء الملوك والأمراء؟ أو أن يكتب تولستوى رواياته الرائعة، لولا ما كان يتمتع به من فراغ، بسبب ما كان يحيط به من أقنان وخدم وحشم؟ وإلا فلماذا يا ترى لم يظهر له مثيل فى روسيا السوفيتية الأكثر مساواة؟

أعوذ بالله من أن يكون هدفى تحبيذ نظام الرق أو الإقطاع أو السخرة أو ما شابهها، ولكنى فقط أتساءل عما اذا كانت المساواة التامة يمكن أن تعتبر هدفا صالحا، أو تستحق كل هذا الحماس؟ نعم، لابد من الاعتراف بأن الناس متساوون (أو متقاربون جدا) فى الحاجة الى ضروريات الحياة، خاصة اذا تساووا فى السن وفى البيئة الطبيعية، كالحاجة الى الغذاء والكساء والمأوى، ومن ثم الى العلاج أيضا، وقد نضيف التعليم اذا قبلنا مقولة طه حسين أنه كالماء والهواء، أما فيما عدا هذا من مطالب الناس، فيصعب القول بتشابههم، ومن ثم يصعب تبرير الدعوة الى المساواة بشأنها، والعدل على كل حال لا يعنى دائما المساواة، بل كثيرا ما يعنى اللامساواة فى المعاملة.

نشرت إحدى المجلات مؤخرا احصائية تقول، إن 1% من سكان العالم يملكون وحدهم من الثروة ما يملكه الـ 99% الباقون، فلماذا بالضبط ننزعج انزعاجا شديدا من مثل هذه الأرقام؟ هل نشعر بالرضا لو أصبح كل 10% من سكان العالم يملكون 10% من ثروة العالم، لا أكثر ولا أقل، وكل 1% يملكون 1% منها؟ هل هذه الدرجة من المساواة هى التوزيع الأمثل للثروة فى نظرنا؟ فإن لم تكن، فما هى الدرجة المثلى؟

لابد أن نلاحظ أن هذا الحماس لمبدأ المساواة ظاهرة حديثة جدا فى التاريخ الإنساني، كما يظهر حتى من الأمثلة القليلة التى ذكرتها، لم تكن المساواة شيئا مرغوبا فيه فى الحضارة الفرعونية، ولا فى اليونان القديمة، ولا فى أوروبا فى العصور الوسطي، ولا فى الحضارة الإسلامية، ولا فى عصر النهضة الأوروبي، وإنما بدأ هذا الحماس للمساواة فيما يسمى بعصر التنوير فى أوروبا فى القرن الثامن عشر، فهل حدث يا ترى فى ذلك العصر، شيء جديد، لم يكن معروفا أو مألوفا من قبل، جعل الناس أكثر استعدادا لقبول مبدأ المساواة، ومن ثم شاعت الفكرة، وأحدثت ضجة بالغة بمجرد أن دعا إليها بعض المفكرين أو المصلحين السياسيين؟ لابد أن يكون قد حدث شيء كهذا، ومع ذلك فلابد أن نلاحظ أيضا أنه، على الرغم من كل ما أحدثته الدعوة الى المساواة من ضجيج (بما فى ذلك بعض الثورات الكبري)، وكل ما كتب فى المطالبة بها والدفاع عنها، كان تحقيقها فى الواقع نادرا جدا، كان الكلام عنها أكثر بكثير من تطبيقها فى الواقع (وهذا هو بالطبع ما كان يقصده جورج أورويل من الشعار الذى رفعه الثوريون فى روايته «مزرعة الحيوانات».. «كل الحيوانات متساوية ولكن بعضها أكثر تساويا من غيرها»!).

أما أن المساواة لم تتحقق إلا نادرا، فقد نجد تفسيرا له فيما بدأنا به هذا المقال، ولكن السؤال الأصعب هو عن سبب ظهور الدعوة الى المساواة فى القرن الثامن عشر، وانتشارها منذ ذلك الحين، بل وعدم استعدادنا للتخلى عنها أو إبداء بعض الشكوك حولها، برغم كل ما تتعرض له من فشل بعد آخر.

قد يساعدنا فى تفسير ذلك ما نلاحظه من اقتران اشتداد الدعوة الى المساواة بالنمو السريع فى الطبقة الوسطى فى أوروبا فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع نمو المشتغلين بالتجارة والصناعة والتعليم والمهن الحرة، ممن كان لهم من المطالب السياسية والاجتماعية ما يقف النظام الإقطاعى حائلا دون تحقيقها، كانت المساواة المطلوبة إذن مطلبا من جانب الطبقة الوسطى الجديدة، أو التى اشتد ساعدها، رفعته ضد السادة الاقطاعيين ومن يساندهم أو يمثلهم من ملوك وأمراء وكبار رجال الكنيسة، كان التعبير عن المساواة أشمل بكثير من الغرض الحقيقى منه، إذ شملت الدعوة الى المساواة عامة الشعب، ولكنهم حرموا من الحصول عليها لدى أول بادرة تدل على احتمال حصولهم عليها بالفعل.

لهذا لم تتحقق شعارات الثورة الفرنسية (الحرية والمساواة والإخاء) فى الواقع، واستمر النظام السياسى والاجتماعى فى فرنسا وغيرها من دول أوروبا، يتسم باللامساواة، فيما عدا ما تحقق من قضاء على سيطرة وتميز الاقطاعيين.

شيء مماثل يمكن أن يقال عن الثورة الاشتراكية فى روسيا فى أوائل القرن العشرين، إذ رفعت بدورها شعار المساواة، ولكن كان السبب الحقيقى لنجاحها هو حاجة روسيا للحاق بالغرب الرأسمالي، وكان هذا يتطلب درجة من تدخل الدولة أكثر مما تطلبته التجارب الأولى فى الثورة الصناعية التى تحققت فى الغرب، تحقق هذا الغرض المطلوب (فى ظل رفع شعار المساواة)، دون أن تتحقق المساواة الكاملة الموعودة، وذلك لنفس الأسباب التى أشرنا إليها فيما تقدم، والتى تتلخص فى أنه لا أحد يريد المساواة الكاملة فى حقيقة الأمر.

لمزيد من مقالات د. جلال أمين

رابط دائم: