رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ما لا يمكن شراؤه بالنقود

من أقوال الاقتصاديين الطريفة، إنه اذا كان من الأشياء المكروهة أن يخضع شخص للاستغلال من جانب شخص آخر، فإن هناك شيئا واحدا فقط أسوأ من ذلك، وهو ألا يجد الشخص من هو مستعد لاستغلاله على الإطلاق!

بعبارة أخرى، من السيئ بالطبع أن يدفع لك شخص أقل من القيمة الحقيقية لعملك، ولكن الأسوأ منه ألا تجد شخصا يريد أن يشترى قوة عملك أصلا، أى أن تظل متبطلا.

هذا القول يعبر عن جزء لا يستهان به من الحقيقة، وهو أن البطالة قد تكون أسوأ من الخضوع للاستغلال، ولكن خطر لى أنه ربما كان هناك شيء ثالث هو أصل البلاء الكامن فى هاتين الحالتين، وهو أن يكون المرء مضطرا فى الأصل لبيع قوة عمله لغيره، من أجل الحصول على قوته وقوت عياله، سواء تعرض للاستغلال فى عملية البيع هذه أو لم يتعرض له، على أساس أن العمل الإنسانى يجب ألا يتحول الى سلعة تباع وتشترى.

إن شيئا كهذا هو ما قاله المفكرون الاشتراكيون على مر العصور، على اختلاف مواقفهم الفكرية الأخري، قاله الاشتراكى السويسرى سيسموندي، عندما رأى أن أفضل نظام هو نظام المشروعات الاقتصادية الصغيرة، لأنها لا تتطلب من رأس المال أو أدوات الإنتاج أكثر مما يستطيع العامل نفسه تملكه، ومن ثم يشتغل العمال لحسابهم ولا يضطرون لبيع عملهم لأحد، وقاله الاشتراكيون التعاونيون (مثل أوين البريطانى وفورييه الفرنسى)، الذين رأوا أن أفضل نظام هو ذلك الذى تكون فيه ملكية المشروع للعمال أنفسهم، أى أن يصبحوا هم أصحاب رأس المال وقوة العمل فى الوقت نفسه، بينما دعا الماركسيون الى أن تتملك الدولة نفسها وسائل الإنتاج، ومن ثم يصبح العمال أنفسهم هم الملاك باعتبار أن الدولة تمثلهم وقد استمر الاعتقاد بضرورة ملكية الدولة للمشروعات الإنتاجية، لدى كثير من الاشتراكيين التالين لماركس، مع الإصرار على أن تكون الدولة «ديمقراطية»، أى أن تمثل العمال تمثيلا حقيقيا.

منذ نحو سبعين عاما، ذهب كاتب نمساوى الأصل ثم أصبح أستاذا فى جامعتى أكسفورد ولندن، هو (كارل بولانى Karl Polanyi) مذهبا مماثلا فى رفض اعتبار العمل الإنسانى سلعة تباع وتشتري، فنشر كتابا حاز شهرة واسعة بعنوان «التحول العظيم» (The Great Transformation) وكان ما يقصده بالتحول العظيم هو ما حدث لقوة العمل قبل نحو قرنين من الزمان، إذ تحولت الى سلعة تباع وتشتري، وهو ما اعتبره بولانى تطورا مأساويا، كما رأى فيه (كما يدل العنوان الفرعى لكتابه) «جذور النظام السياسى والاقتصادى الذى نعيش فيه اليوم» (أو وقت ظهور كتابه فى سنة 1944)، ومن الممكن أيضا أن نرى نحن فيه جذور النظام الذى نعيشه اليوم، بعد أن كاد يتحول كل شيء قى حياتنا الى سلعة تباع وتشتري.

يقر بولانى بأن البيع والشراء (وظاهرة السوق) ظاهرة قديمة بالطبع، لكنها ظلت آلاف السنين تتم بغرض إشباع الحاجات وليس بهدف الربح، كان التبادل يتم أساسا لتمكين المرء من الحصول على سلعة يحتاج إليها أكثر من السلعة التى يبيعها، وكانت النقود تقوم أيضا بهذه المهمة: تسهيل التبادل من أجل إشباع الحاجات، ثم حدث شيء مهم فى أواخر العصور الوسطي، عندما ظهر (أو كثرت أمثلة) الإنتاج من أجل الربح، واستخدام النقود لا لإشباع الحاجات، بل للحصول على كمية أكبر من النقود، ومع ذلك ظل كل هذا ظاهرة نادرة حتى النصف الأخير من القرن الثامن عشر، عندما ظهر نظام المصنع الكبير، وقامت الثورة الصناعية، وهو ما يعتبره بولانى بداية «نظام السوق» (وهو غير ظاهرة السوق القديمة التى كان يتم فيها التبادل من أجل إشباع الحاجات)، إذ أصبح الهدف من التبادل الآن هو تحقيق الربح، هذا هو ما يعتبره بولانى تحولا مأساويا، أدى الى ما نعانيه الآن من شرور اقتصادية واجتماعية وسياسية.

يرمز بولانى لهذا التحول العظيم بما طرأ من تغير فى نظرتنا الى ثلاثة أشياء رئيسية فى حياتنا: العمل، والأرض، والنقود، كان العمل ينظر إليه قبل هذا التحول على أنه نشاط يقوم به الإنسان لإشباع حاجاته هو وأسرته، ويعبر به عن نفسه، ويتعاون من خلاله مع غيره، ويستمد منه الرضا عن نفسه وعن حياته، فإذا بهذا العمل الإنسانى يتحول الى سلعة تباع وتشتري، فيصبح مصدرا للدخل لمن يقوم به وللربح لمن يشتريه، وينظر إليه على أنه «مشقة» أو «نفقة» من نفقات الإنتاج، يفضل تخفيضها الى أقل قدر ممكن.

وأما الأرض، فهى ليست فى الأصل إلا البيئة الطبيعية التى يتكيف معها الفرد وتسهم فى تشكيل شخصية المجتمع التى يعيش فيها، فإذا بها، مع هذا التحول العظيم، تتحول هى أيضا الى «عنصر من عناصر الإنتاج»، تستخدم من أجل تعظيم الأرباح، ويسمح بالاعتداء عليها وتحويلها الى طرق ومبان كلما كان هذا ضروريا لزيادة الربح.

وأما النقود فتحولت من أداة لتسهيل التبادل، الى (رأس مال) لتوليد الأرباح.

من الشيق أيضا، ما يقوله بولانى عن الاستعمار، أى قيام دولة قوية باحتلال أرض دولة أو أمة أضعف منها، من أجل تسخير موارد الأمة الضعيفة لمصلحتها، لقد جرى تصوير الضرر الأساسى من الاستعمار على أنه قيام دولة قوية «باستغلال» دولة أخري، ولكن الحقيقة فى نظر بولانى أن الضرر الحقيقى أفدح من هذا بكثير، إن الاستعمار، فضلا عما يتضمنه من استغلال، يقوم أيضا بتفكيك أواصر المجتمع الذى جرى غزوه، ويوجه ضربة قاصمة لعلاقات اجتماعية كانت تقوم على التراحم، ولمجتمع كان الاقتصاد يلعب فيه دورا تابعا للعادات والتقاليد الاجتماعية، فإذا بهذه العادات والتقاليد تتحول الى خادمة للاقتصاد، وتفسح القيم الاجتماعية مكانها لهدف واحد هو تحقيق الربح.

كتب بولانى كل هذا منذ نحو سبعين عاما، فما الذى يمكن أن يقال الآن؟ لقد ظهر منذ سنوات قليلة (2012) كتاب لأستاذ أمريكى فى جامعة هارفارد (مايكل ساندل M.J. Sandel) بعنوان (ما لا يمكن شراؤه بالنقود) (What MoneyCan,t Buy)، فإذا قرأت الكتاب سوف تتبين أن المؤلف يبحث عن شيء لازال خارج نطاق البيع والشراء، فلا يكاد يجده.


لمزيد من مقالات د‏.‏ جلال أمين

رابط دائم: