رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صناعة «الوحش» فى انتخابات أمريكا

مشهد الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأمريكية يحدث ارتباكا داخليا وخارجيا، فالمجتمع الذى خرج من كهف العنصرية برئيس أسود بعد عقود من النضال المدنى يختبر نفسه مجددا فى فشل السياسيين التقليديين من الحزبين الجمهورى والديمقراطى ويقدم نسخاً متشددة للوطنية المتطرفة على يد ثلاثة مرشحين جمهوريين يدهشون العالم بكلام قاس عن المهاجرين والأقليات لم يعتده العالم من بلد نختلف على سياسته الخارجية ولكننا لا نختلف على قدرته على استيعاب البشر من كل الأجناس والأعراق وصناعته «بوتقة انصهار» كانت مضرباً للأمثال وحلما راود الكثيرين للهجرة إليه..

لغز صعود دونالد ترامب أبرز المرشحين الجمهوريين لم يأخذ العالم الخارجى فقط بالمفاجأة، بل يمثل حالة غير مسبوقة عند الأمريكيين أنفسهم وبخاصة فى دوائر مراكز الأبحاث التى لم تتوقع صموده فى السباق الانتخابى واجتيازه مراحله الأولى وفجأة تحول إلى ظاهرة كشفت عن تناقضات حدة تحت جلد المجتمع الأمريكى من بينها حالة الغضب والسخط من السياسة التقليدية والمؤسسات العتيقة التى رسخت فكرة تداول السلطة والانتخابات بين نخب يساندها ممولون ومتبرعون كبار وجاءت الخيبة فى مشروع التغيير الذى بشر به باراك أوباما لتعمق الإحساس بأن سطوة «المؤسسة» السياسية التقليدية لا تنتج سوى وجوه بعينها. على إيقاع الغضب الشعبى صعد نجم ثلاثة فى أقصى اليمين دونالد ترامب وتيد كروز ومارك روبيو (الأبرز فى صفوف الجمهوريين) ومن أقصى اليسار الأمريكى بيرنى ساندرز) السناتور الاشتراكى فى السباق الديمقراطي( يبشرون بمعادلة جديدة للقوة الأمريكية تقوم على تأكيد زعامة الولايات المتحدة بعد فشل السياسة الخارجية لأوباما وتجرؤ دول كبرى أخرى مثل الصين وروسيا على مكانتها العالمية، ويرون أن حلفاء بلادهم عليهم أن يدفعوا مقابل الحماية الأمريكية لهم ويلوحون لدول الخليج العربى بضرورة أن يتحملوا فاتورة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية اداعش«، وحسب الظروف يكيفون مسألة التدخل البرى الأمريكى فى مناطق الصراعات، خاصة فى حالة سوريا، وفقاً لتطورات التحركات الروسية على الأرض ودرجة خطورة الجماعات الإرهابية التى ضربت عمق أوروبا ويخشى الأمريكيون من وصولها إلى أراضيهم، فجاءت التصريحات حول وقف الهجرة ودخول المسلمين مبالغا فيها وتحمل مناخ أزمة فى الثقة بشأن انفتاح المجتمع على الغرباء.

فى السنوات السبع الماضية، دأبت قيادات الحزب الجمهورى على تغذية لغة الرفض والعداء الصريح لسياسات أوباما وتساوى فى الأمر المعتدلون والمحافظون المتشددون ورفع هؤلاء من سقف الانقسام الداخلى فى المجتمع حتى طفى على السطح أمثال ترامب وكروز وروبيو وتوارى التيار المعتدل االمؤسسيب مثل جيب بوش وكريس كريستى وتحاول القيادة إنقاذ الموقف اليوم لكن المهمة شديدة الصعوبة بعد أن حصد ترامب ثمار تكريس مناخ الغضب والرفض للسياسات القائمة وبث الشكوك فى قدرة السياسيين التقليديين على إصلاح الصورة التى تضررت. التيار الرئيسى فى الإعلام الأمريكى المتمثل فى الصحف وشبكات التليفزيون الكبرى يزيد من ضرباته فى اتجاه ترامب لعله يسقط فى ايوم الثلاثاء العظيمب غداً وينوحون ويبكون على الكارثة التى حلت بالسياسة الداخلية وينسون أن الرجل لعب بالقواعد نفسها التى مارسها الكل فى السنوات القليلة الماضية وأن االوحشب كان كامناً فى انتظار لحظة القفز على الفريسة الضعيفة - الرأى العام.

ربما تكون هيلارى كلينتون هى الأقرب للفوز بالرئاسة فى نوفمبر المقبل أمام ترامب أو روبيو إلا أن فوزها لن يكون سلساً أو مقبولاً على أصعدة عدة، فداخل الحزب الديمقراطى هناك شرائح شابة ترفضها وشرائح أكثر نضجاً تراها ممثلة للقوى التقليدية التى أفسدت السياسة الأمريكية. وفى المعسكر الآخر، سوف يستمر الجدل حول الهجرة والموقف من الأقليات وقبول الأجانب شهورا وربما يترك شرخا كبيراً يصعب مداواته فى المدى القصير وربما لا تكون هيلارى هى الشخصية المناسبة لإعادة المجتمع إلى المنطقة االوسطيب التى يتعايش فيها الجميع على أرضية من قبول الآخر. فى جولة الغد سوف تتضح الصورة كثيرا فى السباق الديمقراطى والجمهورى وسنرصد اتجاهات جديدة فى موقف الرأى العام الأمريكى من قضايا كثيرة عندما تصوت ولايات بكثافة سكانية ضخمة ويمكن أن نصاب بالدهشة من النتائج وربما تتقدم هيلارى بلا منازع ويتراجع ترامب لمصلحة روبيو أو كروز إلا أن أمريكا التى نعرفها تتغير على وقع سياسة خارجية مهتزة وسياسة داخلية غير مقنعة وطبقة وسطى لا ترضيها المسكنات من البيت الأبيض أو الكونجرس وفى كل ماسبق دروس عن كيفية إدارة سياسات عاقلة لا تحدث هياجا فى الرأى العام ثم تتباكى على النتائج الكارثية!

لمزيد من مقالات عزت ابراهيم

رابط دائم: