رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الواقـــع والخطــــاب

قد نسأل مواطنا بسيطا عن رأيه فى تعليم البنات، فيجيب بأنه حرام ولا داعى له، وأنه السبب فى انهيار الأخلاق وتخلف البلاد. وحين تأتى بداية العام الدراسى نجد هذا المواطن نفسه يسعى لتسجيل ابنته فى المدارس بل ويبحث بإلحاح عن واسطة تسمح له بتسجيلها قبل السن.

وما أن تحصل على درجة عالية فى الإملاء أو الحساب حتى يسبغ عليها ألقاب زي «دكتورة ويا باشمهندسة».. وهنا نتساءل عن هذا التعارض بين القول والسلوك، هل كان حين أبدى اعتراضه على تعليم البنات يكذب، أو هل هو منافق يظهر أمرا ويبطن أمرا آخر؟.

ها نحن نجد أنفسنا أمام إنسان لا يمكننا أن نعتبره كاذبا ولا صادقا.. ولقد احتار الفلاسفة فى توصيف هذا الموقف خصوصا وأنه ليس أمرا نادرا بل هو يشيع فى أغلب أقوالنا.

يرى هيجل أن من هو فى حالة صاحبنا هذا يعيش محنة يسميها هيجل «الوعى الشقى». وهو شعور بالتناقض بين الوعى بالذات والوعى بالواقع دون بذل محاولة للتوفيق بينهما، إنه بالأحرى يعيش فى تمزق مستمر حينما يرى الواقع يسير فى اتجاه بينما أفكاره ووعيه يسير فى اتجاه آخر.

اما ماركس فقد أطلق على هذه الحالة مصطلح «الإيديولوجيا». وهى منظومة من الأفكار نعتقد فى صحتها لكنها لا تعبر عن الواقع بل تمثل قناعا يخفى عنا حقيقة هذا الواقع. فنحن على سبيل المثال حينما نكون مستفيدين من الوضع الاجتماعى الراهن فإننا نتمنى استمراره، فنعتبره طبيعيا وعقلانيا وعادلا، فى حين أنه تاريخى وعابر وظالم. فأرسطو مثلا كان يعتبر النظام العبودى نظاما فرضته الطبيعة على الإنسان، بل وأخذت الطبيعة فى الاعتبار مصلحة أرسطو ففرضت أيضا أن يكون السيد يونانيا والعبد من الشعوب الأخرى. وها نحن اليوم نعتبر النظام العبودى أكثر نظم الانتاج مجافاة للطبيعة وللأخلاق فى آن. وتتجلى الإيديولجيا أيضا، فى نظر ماركس، إذا ما سألنا أحدا عن كيفية تحقيق مصلحة البلد، فإنه فى العادة يميل إلى تقديم مصلحته الخاصة على أنها مصلحة عامة دون أن يكون بالضرورة واعيا بهذا التحيز. كما أننا نتعامل مع رغباتنا فى كثير من الأحيان على أنها وقائع، ونتصور أن حركة التاريخ وقوانين التطور الاجتماعى تتضافر لتحقيقها. كل موقف من هذه المواقف ينتج خطابا يكتسى بسمة اليقين لكنه لا يعبر عن حقيقة الواقع. ولهذا كان ماركس يُعرّف الإيديولوجية بأنها الوعى الزائف.

أما فرويد فقد أولى اهتماما كبيرا بحكاية الثعلب الذى راق له عنقود العنب الشهى، فأخذ يدب ويشب ولما فشل فى الحصول عليه مضى قائلا لنفسه إنه حصرم. هذه هى آلية التبرير العقلى، فحياتنا مليئة بالطموحات الفردية والجماعية التى قد نفشل فى تحقيقها، ولكن لكى نخفف من مرارة الخيبة فإننا نميل بعد ذلك إلى التقليل من شأنها ولهذا فإن خطابنا الذى ننسجه بعد محاولاتنا الفاشلة لا يعبر تعن حقيقة الواقع ولكنه موجه لترميم نفوسنا الجريحة . وكان سارتر يرى أن الإنسان حر، بل محكوم عليه بالحرية. وهذه الحرية تلقى عليه دائما تبعات الاختيار وضرورة تحمل المرء لمسئوليته عن اختياره.

وهو وضع صعب يحاول الإنسان دائما أن يفلت منه ولهذا يحصن نفسه بمجموعة من المعتقدات التى تكون بمثابة أعذار تسوغ له الهروب من الحرية . ويطلق سارتر على هذا الموقف «سوء النية» وهو يعبر عن محاولات الإنسان للتملص من مسئوليات الوجود. سوء النية يجعل الإنسان يعتقد أنه غير حر لذا فهو يطرح نفسه على الوجود بوصفه شيئاً. إنه تعبير عن الظرف الإنسانى المحصور الحرية المزعجة والتشيؤ المريح وإن كان زائفاً.

وقد نرى الآن أن هناك مبررات كثيرة لوجود هذه الأنواع من الخطاب التى لا هى كاذبة ولا هى تعبر كذلك عن الواقع، ورغم ذلك لا ينبغى لنا قبولها او التسامح معها، لأن انتشارها يكون ذا عواقب وخيمةتعلى الفرد وعلى المجتمع، إذ هى تمثل أشكالا من التواطؤ على كل مظاهر الخلل التى تغمر حياتنا.

ولقد رأينا كيف تصدى نيتشه لخطاب يبدو محل اجماع عن الأخلاق، وعن أهمية الصدق والبر والأمانة والتراحم، ليبين لنا كيف أنه فى واقع الأمر ليس إلا عرضاً لمرض. فهو يريد أن يفرض على الانسان قبول الذلة والمهانة والمسكنة ويقتل فيه روح التمرد والتفرد والابداع ليعيش بعد ذلك حياة متدنية ويرضى بأن يكون فرداً فى قطيع.

هذا الخطاب الذى يعبر عن الوعى الزائف هو شرط عام يغلف حياة البشر جميعهم على اختلاف مجتمعاتهم وثقافاتهم. كما أنه متنوع فى تجلياته، فقد يتخذ مظهرا سياسيا أو دينيا أو أخلاقياً. ولهذا يجب التصدى له دائماً.. لماذا؟ لأنه أولاً يمثل ستاراً يخفى عنا مشكلاتنا الموجودة فى الواقع الحقيقي، وثانيا لأنه يمثل عزاء يصرف الأفراد عن بذل الجهد المضنى لتحقيق مطالبهم المشروعة فى الحرية والمساواة. ولذا ينبغى التمسك بحرية النقد والتعبير فهى السبيل الوحيد لإزاحة كل صور الهروب من الواقع.

لمزيد من مقالات د.انور مغيث

رابط دائم: