رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ليس من السهل فراق الكبار .. ولكن

يظل الكبار فى حياتنا لهم قدرة لا نراها وأثر لا نلحظه أثناء وجودهم فى حياتنا ، لكن ما أن يغيب كبير له أثر فى وجودنا حتى نشعر بارتباك ملحوظ فى العمود الفقرى الذى تنضبط به قاماتنا؛ لكن استمرار الحياة يطلب من أن تنتظم خطواتنا إلى المستقبل .

هذا ما شعرت به حين رحل بطرس بطرس غالى الذى لم ألتق به مباشرة سوى ساعتين طويلتين فى الدور الثامن والثلاثين بالأمم المتحدة إبان إدارته لها، وبدا لى وجدانه هامسا كالضوء شديد الوضوح دون أن يزعج العين أو القلب ، وأوصى السفيرة فايزة أبو النجا مديرة مكتبه فى المبنى الشاهق أن تهدينى الأوراق قدمها إلى الكون عبر منصبها ، أولها عن «السلام» والثانية عن هذا الهوس الذى لم أره صادقا أو نزيها فى أى بلد من بلدان الكون، وأعنى به هوس «الديمقراطية»، والثالثة عن «الشباب»؛ وفور قراءتى للأوراق أيقنت أن الأمم المتحدة تحت قيادة هذا العقل قد تتخلص من وضعها كهيكل بلا قدرات إلى كيان سياسى يمكن أن يفرض إرادة الضمير الإنسانى إن خلصت النوايا وتجرد الساسة من محدودية التفكير .

وكنت أعلم أن بطرس بطرس غالى فى مجال العمل العام كان هو أحد إنجازات صاحب الإرادة الفولاذية الذى ملأ كل دقيقة من حياته كى يضيف لنا سيد مهنتنا بلا منازع محمد حسنين هيكل، وقد نتفق أو نختلف مع إضافاته؛ ولكنها مؤثرة فى مجرى التاريخ المتدفق ، نعم فالعمل العام لبطرس غالى هو إنجازات سيد مهنتنا محمد حسنين هيكل بعدما إختاره رئيسا للأهرام الإقتصادى عام 1957 ليشق للقارئ العربى طريقا إلى فهم معانى كلمات مغلقة الفهم على قلة فى زمن إصدار تلك المجلة ، مثل كلمة «تنمية» و«حساب ختامى» وبإستثمار و«إدخار». ومضى بطرس غالى من بعد ذلك حاملا قدرة تبسيط الصعب فى مجالات إصطدام رغبات الدول التى أيقظتها ثورة يوليو فى قارات ثلاث «آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية»، إصطدام رغبات تلك الدول فى بناء واقع مختلف لحياة شعوبها، إصطدام مع من ركنوا إلى إستنزاف القارات الثلاث من دول الغرب المتقدمة علميا وصناعيا محتفظة بنظرة شوهاء إلى دول القارات الثلاث, فهذه القارات هى حدائق تنتج ثمار الرفاهية لهذا الغرب مسنودا بقوة التسليح الفائقة التطور.

ولابد أن هيكل صاحب الإرادة الفولاذية فى حواره الممتد منذ لقائه بعبد الناصر فى منزل اللواء محمد نجيب قبل ثورة يوليو بأيام، لابد أن هيكل مع عبد الناصر كان بمثابة الحارس والمستكشف لآفاق خطوات زعيم غير عادى، يقدس كرامة شعبه ويريد أن يخطو بأمته فى طريق أمن وازدهار بناء على ما تملكه تلك الأمة العربية من موارد وقدرات وموقع, ولا ينقصها سوى الإرادة والقدرة الفاعلة بدلا من أن تظل أسيرة لتلاعبات الإستعمار. ولا أنسى أبدا قول إحسان عبد القدوس عندما ذهب الصحفيون مع عبد الناصر إلى باندوج، كانوا يجلسون فى صالون مرفق بمقر إقامة عبد الناصر، وما أن يخرج إليهم حتى يسألوه «إيه الأخبار ؟»، إلا محمد حسنين هيكل الذى كان يسبق عبد الناصر إلى لقاء أى زعيم سيلتقى به ناصر ويقضى معه بعض الوقت مستكشفا آفاقه وأفكاره ، ثم يعود إلى عبد الناصر مناقشا معه تقييمه لهذا الزعيم أو ذاك . وبعد أن يتم لقاء ناصر وأى زعيم ، فهيكل يلتقى بذلك الزعيم ليستكشف آفاق وآثار عبد الناصر عليه من بعد اللقاء، ويعود مرة ثانية إلى عبد الناصر حاملا موجزا لانطباعات من التقاه».

ولم يكن من السهل على مصر بقيادة عبد الناصر أن تخطو إلى مكانتها من مجرد قرية خلف البحر المتوسط يديرها ملك لعوب وسفارة إنجليزية، لم يكن من السهل أن تتحول إلى دولة فاعلة ومحورية يقيم لها الكون ألف حساب لولا وضوح رؤية عبد الناصر وخطوات هيكل المستكشف للآفاق، ولذلك غار أغلب من أحاطوا بعبد الناصر من عمق التواصل الإنسانى بين الزعيم والمفكر، فأغلب من أحاطوا بعبد الناصر إما قدموا له الحب دون رؤى واضحة، وإما قدموا له ما يقع أمامهم من معلومات طلبها هو أو من المحتمل أن يطلبها. وكان بطرس بطرس غالى فى تلك الأثناء مشغولا إلى غير حد إما بالتدريس الجامعى أو بمتابعة ما يجرى فى إفريقيا التى أحبها لما رآه فيها كمخزن أسطورى لا للمواد الخام كما رآها الغرب، ولكن كمستودع إنسانى ذاخر بعمق البساطة الإنسانية.وطبعا كان سيد مهنتنا هيكل قد جعل من الأهرام منارة تفوق خيال كل من يتعرف على قدراتها ، ولا أنسى _ على سبيل المثال _ثانى أيام المؤتمر الثانى للقمة العربية التى تم بناء فندق فلسطين السكندرى لتنعقد فيه ، وعلمنا أن رئيسا جديدا لمؤسسة التحرير التى تصدر جريدة الجمهورية ، قد أصدر قرارا بفصل أكثر من مائة كاتب وصحفى بدعوى أنهم زائدون عن حاجة العمل، وكان الإسم الأول فى تلك القائمة هو اسم عميد الأدب العربى د. طه حسين، وكنت واحدا من قلة قد استمعوا إلى هذا الخبر من المذيع حسنى الحديدى الذى كان يعمل مديرا لمكتب السيد على صبرى نائب رئيس الجمهورية ضمن نواب عديدين. فقلت لحسنى الحديدى ا هل يمكن فصل عميد الأدب العربى من أى موقع؟ ألا يتذكر من أصدر القرار أن طه حسين هو من حول إسم حركة الجيش فى 23 يوليو من «الحركة المباركة» إلى «ثورة يوليو» فور صدور قرار الإصلاح الزراعى ؟.

وجريت من حديقة قصر المتنزة حيث كان حسنى الحديدى يجلس وحوله الصحفيون، ودخلت فندق فلسطين متجها إلى مكتب عبد الناصر المؤقت، لألتقى بصديقى محمد زغلول كامل أحد الضباط الأحرار، الذى رآنى مكفهرا ، فسألنى عن السبب فقلت «هل يتصور أحد فصل طه حسين من أى موقع؟، فانزعج مثلى متجها إلى مكتب سامى شرف، عاد بعدها مشرقا ليقول لى «لقد سبقنا الأستاذ هيكل فهو من دخل إلى الرئيس وتمت ترضية طه حسين وتعيينه رئيسا للمجلس الأعلى للفنون والآداب».

وأتاحت لى الظروف لقاءين مع الأستاذ هيكل فى العام الماضى، فسألته بشكل مباشر ا كيف يسمح ويجرؤ رئيس مجلس إدارة لمؤسسة صحفية أن يفصل طه حسين وهو من هو ، ثم لماذا لم تضمه إلى كوكبة المفكرين الذين شرفتنا بهم فى صرحك الأهرامى؟ أجابنى الأستاذ ضاحكا، دون أن يفصح عن السبب ، الذى سبق لى وعلمته، فطه حسين يطلب دائما أجرا يساوى ضعف ما يتلقاه توفيق الحكيم، ولم يكن هناك أحد فى أى مهنة ما يأخذ أكثر من خمسمائة جنيه، وهو الأجر الذى كان يأخذه توفيق الحكيم ولويس عوض ود. حسين فوزى، وغيرهم، وكان هذا هو الحد الأقصى الذى يأخذه أى موظف فى الدولة.

ولا أريد أن أحصى قدر الخسائر السياسية التى ألمت بنا بخروج الأستاذ من دائرة صناعة القرار فى مصر، فهو أول من انتبه إلى ضراوة خطة كيسنجر لقتل حلم القومية العربية بعد إنتصار أكتوبر. لكن السادات بقصور الرؤية وزغللة البصر عبر عدسات الإعلام الغربى لتصويره كنموذج فريد فى الإدارة السياسية لمشاكل الشرق الأوسط عبر تفريطه بأوراق المستقبل للولايات المتحدة، هذه الزغللة الإعلامية لم تجعله يلتفت إلى حقيقة أن صهره عثمان أحمد عثمان كان يأوى فى شركة المقاولون العرب بالمرشد السرى للإخوان الراحل حلمى عبد المجيد، وهو من قام بتأسيس واحدة من أخطر جماعات التأسلم السياسى «الجماعة الاسلامية» والتى قامت باغتياله شخصيا وسط احتفاله بانتصار أكتوبر 1981. وعندما طلب السادات خبرة بطرس بطرس غالى فى العلاقات الدولية ، لم يبخل بها الرجل، فهو خبير فى الحساب السياسى والإطلالة المستقبلية، ويرى إرهاق القاهرة عبر سنوات طويلة من عدم تطوير أساليب صناعة المستقبل .وظلت مشاركته إلى أن رحل إلى الأمم المتحدة .وغادرها دون ركوع لمافيا إدارة الكون ممثلة فى أسلوب البيت الأبيض فى التعامل مع كبار موظفى الهيئات الدولية .

وإذا كان هيكل لم يستسلم يوما لهواجس أو رؤى تبعده عن رؤية خيوط المستقبل وهى تنبع من إرادة وقدرة ، إلا أن بطرس غالى يختلف عن هيكل فى تأثره الطفولى المستكشف لآفاق المستقبل ولو عبر قراءة هندى مقتدر لخطوط الكف، فأخبره قارئ الكف الهندى بكثير من الخطوات التى خطاها فى مستقبله وحتى الرحيل، أما هيكل فقد سيطر على قدره بإرادة وطاقة عمل، حتى عندما هاجمته قوة نهاية العمر، سمح هو للقدر أن يخطو خطوته الأخيرة لتسافر الروح إلى دار عودتها. ويبقى لنا من أرث الرجلين أن ندرس ونحلل ونستكشف ، فور أن نجفف الدمع ، فليس من السهل فراق الكبار ، ولكن المطلوب دائما أن نستكشف عبر ما أهدوه لنا من قدرات نصنع بها المستقبل.

لمزيد من مقالات منير عامر

رابط دائم: