رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

يوم نتوقعه .. ولا نتمناه!

جاء اليوم الذى كنا نتوقعه ولا نتمناه .سكت القلم لكن واقفا لم ينكسر .. تلاشى الصوت غير أنه استمر فى الآذان والأذهان .. مضيئا بالمعرفة والتنوير. لقد رحل محمد حسنين هيكل بعد مشوار حياة طولها اثنان وتسعون عاما وأربعة أشهر وأربعة وعشرون يوما.. قضى خلاله خمسة وسبعين عاما باحثا عن الحقيقة فى مجال الصحافة، ممارسا معظم أفرع العمل الصحفى حتى وصل إلى القمة وصار واحدا من أهم عشرة صحفيين على مستوى العالم، هم الأكثر شهرة والأكثر تأثيرا فى الرأى العام.

وإذا كانت حياة الرجل قد طالت لتشمل أحداثا كبارا مصيرية وهامة على مختلف المستويات المحلية، والإقليمية، والدولية، فإنها بذلك وبعمق اهتمامه تصبح حياة خصبة ثرية متفرعة تتصل بملايين البشر فى المعمورة ومنهم الصغار والكبار والصعاليك والملوك، ولهذا فليس بمستغرب أن يتحدث ويكتب الكثيرون عن الرجل. ولكنى وعلى صدر الكلام أناشد الذين شرعوا ويشرعون وسيشرعون فى الحديث أو الكتابة عن الرجل أن يتقوا الله سبحانه فلا ينس أحد لنفسه أنه كان سر الرجل أو .... يعرف تفاصيل خافية أو .... سمع منه أسرارا ... فارحموا الرجل وهو بين يدى الحق عز وجل .... وعلينا أن ندرسه ونتدارسه ... سيرة حياة وكيف وصلت إلى القمة ... وماذا حققت وفيما أعتقد فلقد أسس محمد حسنين هيكل مدرسة صحفية حديثة - فى مصر والأمة العربية - قوامها ثلاثة أضلاع أساسية هي: استقلال الصحفى والصحيفة ماديا - تحرير الصحفى والصحيفة من التبعية والارتقاء بمكانتهما إلى الصف الأول فى المجتمع - تطوير الأداء مهنيا وتقنيا.

ولقد طبق هيكل على نفسه هذه الأضلاع - المبادئ - الثلاثة منذ أن بدأ رحلته الصحفية فى السنة الأولى من أربعينيات القرن العشرين الماضى وإلى يوم الرحيل.

أما بالنسبة لتطبيق المبادئ على »الصحيفة« فكانت الفرصة فى »الأهرام التى تولى مسئولية رئاسة تحريرها - بالتعاقد مع أصحابها - فى بداية أغسطس 1957 ثم كانت الفرصة متاحة أمامه بعد قرارات تنظيم (تأميم) الصحافة سنة 1960 حيث انضمت الأهرام فى البداية مع دار الهلال فى مؤسسة واحدة برئاسة الأستاذ فكرى أباظة، ثم بعد شهور حدث الانفصال وتولى هيكل رئاسة التحرير ورئاسة مجلس الإدارة منفذ المبادئ التى آمن بها.. فوضع - بمساعدة خبراء مصريين أجلاء - هيكلا تنظيميا للمؤسسة بتحديد قطاعاتها ومهامها وتوصيف الوظائف .. والاستعانة بذوى القدرات من الكوادر - وأغلبها فى الثلاثينيات والأربعينيات - إلى جانب مجموعة من الشباب فى بداية العشرينات لتكون القوة الضاربة - مع خضوعها للمتابعة، والتقييم - مهنيا وسلوكيا.

ومثلا بالنسبة للقطاعات الأساسية فإنه بالنسبة للمطابع جرى تحديث آلاتها وألياتها إلى أعلى مستوى وصارت مطابع صحفية تطبع إلى جانب »الأهرام« صحفا أخرى (بمقابل) ومطابع تجارية تطبع إلى جانب مجلات وكتب المؤسسة عديدا من المجلات والكتب الأخرى (بمقابل) .. وبهذا ارتفعت ايرادات المؤسسة فضلا عن ايرادات أكبر من قطاع الإعلانات الذى تجاوز - بالتطوير - مهمة الحصول على إعلانات للنشر فى »الأهرام« والمجلات التى تصدر عنه إلى العمل كوكالة إعلانية تتعاقد مع شركات وعملاء أجانب ومصريين لنشر حملاتهم الإعلانية فى »الأهرام« وفى صحف ومجلات أخرى بل فى وسائل إعلانية أخرى مثل »الشرق الأوسط« التى كانت أول إذاعة تبث إعلانات وغيرها .. وهكذا وبالنسبة مثلا لقطاع التوزيع فإنه تطور وتوسع ليوزع إلى جانب مطبوعات مؤسسة »الأهرام« صحفا ومجلات وكتبا أخري.... وهذا كله وغيره جلب إيرادات للمؤسسة .. ومما جعل الصحفية تستقل ماديا وكذلك الصحفي،كما ساعد على التحرر وعدم التبعية، وأيضا تطوير المهنة والأداء بعقد دورات تدريبية وارسال بعثات إلى الخارج، وتشجيع حصول العاملين على دراسات عليا بمنحهم مكافآت بل أيضا بمنح أبناء العاملين مكافآت عند حصولهم على تقديرات مرتفعة فى الدراسة.

وعلى نفس طريق التطوير فإن »الأهرام« أول من أدخل الكمبيوتر فى مصر عام 1968 وأول من أدخل تقنيات أخرى عديدة.

ومع تنفيذ هذه المبادئ الأساسية فإن البعد الإنسانى كان ظاهرا جدا فى إدارته للمؤسسة ومن ذلك الرعاية الصحية الكاملة - وإلى حد العلاج فى الخارج - للعاملين وأسرهم والرعاية الثقافية والاجتماعية وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره.

ولعلى أستأذن فى ذكر ملامح من ذكرياتى معه عبر علاقة تمتد إلى نحو سبعة وخمسين عاما منذ أن التحقت بـ «الأهرام» عن طريقه شخصيا وأبدا فأقول إننى لست إلا واحدا من كتيبة «الأهرام» التى عملت وتعمل بجدية مستهدفة الإبداع والتوهج لخدمة القارئ وتربى فى «الأهرام» وطنا وفى «الأهرامية» جنسية، وتحرص على التعبير عن وطنها «مصر» وعن أمتها العربية وعن قارتها الإفريقية والعالم الإسلامى وأنه يتحتم أن تأخذ هذه الشعوب حقها فى حياة كريمة لتسهم فى بناء المجتمع الانساني.

وتلك - ما ذكرناه وماهو مفهوم - هى معانى ومحددات المدرسة الصحفية التى أسسها - عمليا - الأستاذ محمد حسنين هيكل وهى مدرسة عصرية مصرية عربية تجعل من الصحافة - على حد فهمى - مهنة البحث عن الحقيقة ونشر المعرفة والتنوير، وليست - كما يقال فى مدرسة الإثارة - مهنة »البحث عن المتاعب« وإذا عض كلب رجلا فهذا ليس بخبر، وإنما الخبر هو أن (الرجل يعض كلبا!!!) وفى مهنة البحث عن الحقيقة فإن هذه الإثارة »الأمريكاني!!« مرفوضة .. ويصبح خبر الكلب الذى يعض الرجل مطلوبا بتفاصيل تشمل الكلب والرجل والتأثيرات الضارة والبيئة وهل تكرر الحادث أم يمكن له أن يتكرر .. وغير ذلك مما يتجاوز العرض السطحى إلى المعالجة الموضوعية.

وعلى أى حال، فلقد اعتمدت المدرسة المنسوبة للرجل على سلوكيات مهنية وأخلاقية فضلا على اعتمادها على ثنائية، الخبر الصادق والرأى النزيه ومن حسن الحظ أن «الأهرام» كان طول عمره يعتمد على هذه الثنائية .. ومن ثم فلقد كانت مدرسة هيكل مثار غيرة وجرت محاولات تغييرها أكثر من مرة .... وربما شهدت فترة السبعينيات بعد خروجه تراجعا ... لكن عادت الأمور تدريجيا بعدها حتى نضجت الآن.

أما بالنسبة للذكريات الشخصية معه سواء فى الأهرام قبل خروجه - فبراير 1974 - أوبعدها عندما كان لى شرف أن أكون أول من يتصل به - بعد الخروج بثلاثة أيام .. وأزوره .. وتتوالى لقاءاتى معه .. وقت أن كانت زياراته ممنوعة ... والعسس يراقبون ويمنعون والسلطات تعتبر الزوار خصوما فتعاقبهم فإن تلك ذكريات خصبة ثرية... لكنى مشتت غير قادر على التوازن .. وأعترف أننى منذ أن كتبت مقالا لمناشدة الرئيس منحه قلادة النيل - نشر الجمعة الثانى عشر من فبراير - وأنا أتوقع يوم الرحيل ولذلك قلت يجب أن أبدأ فى الكتابة عن أستاذنا .. وأعددت الأوراق والأقلام لكنى أنا الذى يمكنه أن يكتب مقالا من ألف كلمة فى ساعة واحدة عجزت أن أكتب عشر كلمات ... فاليد ترتجف .. والدموع فى العينين متحجرة .. ويا أيها اليوم الذى كنا نتوقعه .. ولا نتمناه .. ها قد جئت وألسنتنا تدعو بالرحمة .. وبأن يلهمنا الله سبحانه القدرة.


لمزيد من مقالات محمود مراد

رابط دائم: