رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تحديات جديدة أمام الهوية الثقافية

مازلنا فى اطار تحليل مشروع اليونسكو للتنوع الثقافي. فى سياق تعدد الثقافات، يختار بعض الناس اعتماد شكل معيّن من أشكال الهوية، فى حين أن آخرين يختارون العيش بهوية مزدوجة، بينما يعمد غيرهم إلى خلق هويات هجينة لأنفسهم، مما جعلنا أمام عصر جديد لاستكشاف مفهوم التنوع الثقافى يعتمد على التفاعل المثمر بين جميع شعوب البشر، وهذا يتطلب وضع أسس جديدة للحوار بين الثقافات، تتجاوز حدود النموذج السائد فى «الحوار بين الحضارات» وتشمل مستلزمات ذلك النظر فى طرق التواصل بين الثقافات، وإدراك أوجه التشابه الثقافى المشتركة، والأهداف المتقاسمة، وتحديد التحديات التى ستواجهها عملية التوفيق بين الفوارق الثقافية.

الثقافات ليست كيانات ساكنة منكمشة على ذاتها، كما صورتها نظرية «صدام الحضارات» لصموئيل هنتنجتون، التى تفترض وجود انتماء وحيد، وليس انتماءات متعددة بين المجتمعات البشرية، ولا تراعى الترابط التكافلى والتفاعلى الثقافى فيما بينها، فوصف الفوارق بين الثقافات باعتبارها تصدعات أرضية عميقة يعنى تجاهل مساميّة الحدود الثقافية والإمكانات الخلاّقة لدى الأفراد الذين تحيط بهم هذه الحدود.

فى مختلف مراحل التاريخ، يجد التداخل والتشابك بين الثقافات تعبيراً فى أشكال وممارسات ثقافية مختلفة، من الاستعارات والتبادلات الثقافية امثلة (طريق الحرير – طريق التوابل..) إلى فرض الثقافات عن طريق الحروب والفتوحات والاستعمار وغيرها.. واليوم وعلى الصعيد النظري، على الأقل، أدى الاعتراف بعالمية حقوق الإنسان، إلى التمكّن من التفكير فى قيام تبادلات حقيقية على أساس المساواة بين جميع ثقافات العالم، ونشأت لقاءات واستعارات وتبادلات ثقافية أكثر انتظاماً من شأنها التفكير فى تصنيفات الفئات الثقافية والاعتراف بتعدد مصادر هويتنا، مما ساعد على تحويل التركيز عن «الفوارق» باتجاه قدراتنا المشتركة على التطور والتغيّر من خلال التفاعل ومعرفة التاريخ، وفهم القواعد الثقافية التى تتغلّب على القوالب النمطية الثقافية عن طريق الحوار بين الثقافات.

القوالب النمطية الثقافية، ترسم الحدود الفاصلة بين مجموعة ما من جهة، و«الآخر» الغريب من جهة أخري، لذلك فإنها تحمل معها خطر توقف الحوار عند عقبة الفوارق، وإمكانية أن توّلد الفوارق والتعصّب. والثقافات التى تنتمى إلى تقاليد حضارية مختلفة، ميّالة، بشكل خاص إلى تعريف كل منها للأخرى من خلال القوالب النمطيّة، والتوترات بين الثقافات كثيراً ما تهيمن عليها نزاعات الماضى المتبقية فى الذاكرة، والتفسيرات المتعارضة لأحداث خلت، والمنازعات بين القيم، وخصوصاً، القيم الدينية... ويبقى الحوار، هو مفتاح التغلّب على تلك العداوات العميقة الجذور، وإجهاض تعبيراتها السياسية التى كثيراً ما تتسم بالعنف. ويكمن التحدى الثقافي، الذى يواجهه كل مجتمع متعدد الثقافات، فى التوفيق بين الاعتراف بالخصائص الثقافية، وحمايتها واحترامها من جهة، وبين تأكيد القيم المشتركة عالمياً، والناشئة عن التفاعل بين هذه الخصائص الثقافية، والترويج لهذه القيم، من جهة أخري، وفى سياق العمل على مواجهة هذا التحدي، يمكن للتوترات بين الهويات المختلفة أن تصبح القوة الدافعة لتجدد الوحدة الوطنية على أساس فهم التماسك الاجتماعى باعتباره تكاملاً بين مكوناته الثقافية المتنوعة.

ومع تحوّل العالم تدريجيًا إلى «قرية كونية» فإن المشهد الذى يشمل الصحافة والكتب والإذاعة والتليفزيون والسينما والإنترنت ومختلف أنواع الأدوات الرقمية أصبح يلعب دورًا رئيسًا، فى تشكيل أذواقنا وقيمنا ورؤانا العالمية، وفى خلق فرصٍ أكبر للحوار بين الثقافات، ولتعدد الأصوات، واستكشاف ما هو مختلف ومجهول، وتدفق الأفكار بصورة حرّة وطليقة، وهنا يتعيّن أن يحتل التنوّع الثقافى مكانة فى قلب الإعلام الجيد.

ومن الأهمية الإشارة إلى العلاقات المتداخلة بين التنوّع الثقافي، ومجموعة عريضة من الأنشطة بدءاً من الخلق الثقافي، ومرورًا بإضفاء الصبغة التجارية على أشكال التعبير الثقافية، وحتى التأثيرات الأوسع للثقافة على الأعمال والسوق، وبهذا المعنى يمكن أن يعتبر الخلق الفني، وجميع أشكال الابتكار التى تغطى مختلف جوانب النشاط البشرى مصادر أولية مبدعة للتنوع الثقافي، الذى يقود بدوره إلى الإبداع، وهنا يجب أن نتجنب فكرة الإبداع المتمركزة حول «الإثنية» فالإبداع ينبغى أن يُفهم باعتباره يشمل كل أنواع الإنتاج المادى الذى يعطى به الإنسان معنيً لوجوده، وتختلف حدود «الفن» إلى حد كبير، بين الثقافات، مما يعكس التباين فى الرؤية، وفى المواد والتقنيات المتاحة أمام المجتمعات المعنية، وقد تميّز النصف الثانى من القرن العشرين بتنوّع كبير فى الأذواق والأماكن والأسواق فى عالم الفن، ونحو التبادلات الفنية فى مختلف أنحاء العالم.

ومن منظور الممارسات الفنية المعاصرة، فإن العالم ينتقل إلى أشكال من التعبير، باتجاه الخارج، ولم يعد مبنيًا على أساس العلاقة بين المركز والإقليم، وقد أسهم هذا التوسع فى الرؤى والتعبيرات الفنية إلى أشكال من الإغناء المتبادل تنعكس فى جميع أشكال الإبداع الفني، وفى حين أن على السياسات الثقافية أن تكون منفتحة أمام هذه التأثيرات المتبادلة بين الثقافات، فإن عليها أيضًا أن تدرك أن هذه الاتجاهات «العولميّة» لا تخلو من المخاطر على التنوع الثقافي، فقد ظهر أن الاستعارات أو الأشكال الهجينة التى أدت «العولمة» إلى ظهورها ليست إلا مجرد قوالب نمطيّة، مثل حال الأسواق الدولية التى تبيع اى شىء وكل شىء.


لمزيد من مقالات احمد عاطف

رابط دائم: