رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هامــش الحريـة

«يجب ألا نفقد الإيمان بالبشرية، فالإنسانية هى المحيط، وإذا طالت القذارة بضعة قطرات، فهذا لايعنى أن المحيطات قد أصبحت قذرة» صاحب هذه الدعوة المتفائلة هو المهاتما غاندي، روح الهند الكبيرة، وقالها ليوضح أسباب إنحيازه الى المقاومة السلمية كوسيلة فعالة لنيل الحرية، كان الرجل يراهن على القيم الانسانية وعلى تضامن البشر. ورغم هذا الايمان العميق، يبقى أن الحرية المتوافرة بالفعل على الأرض مازالت أسيرة حدود الدول والمجتمعات التى تمكنت من تحقيقها ،ولم تتحول الى مكتسب إنسانى عام، رغم تصاعد المطالبة بتعميمها كحق للجميع، مازال ذلك القدر من الحرية الذى تحقق بالفعل غير قادر على تحرير الكل، و لذا تظل علاقات الاستبداد والقمع والاستفراد بالشعوب ممكنة، وتشكل قوى كثيرة معلنة ومستترة حياة البشر وتتحكم فى مصائرهم . ومازالت الحرية هامشا على متن التجربة الانسانية، فهى ببساطة لم تتحول بعد الى بديهية، وهناك صعوبة حقيقية فى توطينها كقيمة، بينما تتعاظم قيم أخري، مثل قيم الاستهلاك والتنافسية التى تفرضهاالسوق على حياتنا اليومية.

الحرية مطلب يتم التفاوض حوله، يمكن السماح ببعض منه هنا، والتغاضى عنه هناك وفقا للمصالح فى الأساس، مصالح الدول ومصالح الانظمة ومصالح المؤسسات المالية أيضا. الثورة الانجليزية كانت نصرا كبيرا للحرية، ولكن ممثلى الشعب الثائر بالبرلمان،الذين رفضوا طغيان الملك وانتزعوا حريتهم منه، هم أنفسهم الذين رفضوا السماح للأمريكين بالنضال من أجل حريتهم، بل أعلنوا الحرب على الولايات الساعية للاستقلال. الفرنسيون الذين قاموا بأكبر ثورة كانت الحرية فى مقدمة مطالبها، هم أنفسهم الذين كانوا يجوبون شوارع باريس بحثا عن أى شخص له ملامح عربية ليقذفوا به فى نهر السين، وكان الرئيس متيران الاشتراكى الكبير واحدا من بين هؤلاء الشباب المتحمسين لتصفية المقاومة الجزائرية. ولا تزال عواصم الغرب رغم شدة ولعها بالديمقراطية، تفتح ذراعيها لحكام ومسؤلين، مارسوا أبشع أشكال القمع والتنكيل بشعوبهم، ونهبوا مقدرات بلادهم، بل وتستثمر ثرواتهم داخل دواليبها الاقتصادية بلا خجل.

التعارض الجوهرى بين القيم والمصالح، بين الشعارات المعلنة والممارسة الانتقائية، ملمح سائد فى تجربتنا الانسانية، كان غاندى يدرك مدى اتساع الهوة بين إعلان المباديء وتطبيقها، ولكنه لم يسع لتحقيق أى انتصار بالقوة، لأنه كان يبحث عن اتساقه كروح بداية، ثم عن اتساق الوسائل مع الغايات، و كان يرى أن الانتصار الذى يتحقق بالعنف هو هزيمة لإنسانيته فى الأساس.

هذا التعارض الكبير ينعكس داخليا فى واقعنا المصرى على نحو مختلف، ففى الوقت الذى يتكرر فيه التأكيد على أننا بصدد بناء دولة مدنية ديموقراطية، ينراجع حلم الحرية وتتوالى مؤشرات العودة الى نفس الممارسات القديمة، فتتم محاصرة اى حراك سلمي، ويوضع شباب فى السجون لأنهم تظاهروا سلميا، أو ربما كانت لديهم نية التظاهر، وتوصف المبادرات والأفكار المغايرة لما يسوقه النظام بأنها مؤامرات، من ورائها عملاء، يجرون مصر الى الهاوية، ويسعون لهدم الدولة. وأنا مندهش بالفعل من حماسة السادة الاستراتيجيين،الذين صدعوا روءسنا بالحديث عن المؤامرات الكونية ، ولم بتوقفوا كثيرا امام دور الطغاة فى انهيار الدول التى مارسوا تسلطهم على شعوبها بلا رحمة، ولدينا العديد من النماذج التوضيحية من عينة: صدام حسين ونجليه، مبارك وولديه، الأسد الأب والابن، القذافى وابنائه، على عبد الله صالح وولده، زين العابدين بن على وحده بلا وريث. لماذ لايتحدث الخبراء بنفس الحماس عن جرائم النظم فى حق الدولة.

هل علينا أن نتخلى عن مطلب الحرية، كى نواجه المؤامرة؟ أعتقد أن المسألة لا تقبل التأجيل لأى سبب ، فالحرية ليست فقط حقا أساسيا، وانما هى شرط لا غنى عنه لكى يصبح الولاء فعلا إيجابيا وليس مجرد بلاغة، وهذا ما يفسر الحرص على قواعد الديمقراطية فى اللحظات التى تواجه فيها دول تهديدات كبري، كما فعلت الهند وكوريا وإيطاليا واسرائيل واسبانيا والسنغال، هذه الدول كانت تدرك أن مواجهة المؤامرات والتحديات بدون مشاركة وبدون تلاحم حقيقي، وهم كبير، وهذا ما أكده العلامة ابن خلدون عندما قال «إن المؤامرات الخارجية تنفذ من ثغرات الدولة المريضة».

قبل قيام المصريين المذهل فى يناير 2011، كان نظام مبارك يكرر أنه قد قام بتوسيع هامش الحرية، ولا أعرف من العبقرى الذى زوده بهذه المقولات العجيبة، فالإقرار بأن الحرية هى هامش يمكن توسيعه وتضييقه، يعنى منطقيا أن الأصل هو القمع ،وأن المتن متروك للتسلط، وبعد أن سقط مبارك تصاعدت رغبتنا فى تبديل أطراف المعادلة،ولكن يبدو أن هذا الحلم ظل بعيد المنال، فنظام الدولة يرى أن الوقت لم يحن بعد، واننا مشغولون بما هو أهم، ربما تتأجل مسألة الحرية ربع قرن آخر، امامنا العديد من المشاريع ولا وقت لدينا لهذا الترف، فلنصبر إذن، وعلينا أن نفكر جميعا فى مصر وحب مصر ومصلحة مصر.

هذا الكلام سمعناه مرارا من قبل،وندرك الى اين يقودنا فى نهاية الأمر. لذا ليس أمامنا إلا مواصلة السعى لاستكمال ما بدأناه منذ خمس سنوات وترجمة حبنا لمصر بطريقتنا، وليس وفقا لتلك الوصفة القديمة التى تجعله مرادفا للتنازل عن الحقوق والحريات.

المشكلة أننا مطالبون بهذا فى لحظة بالغة التعقيد ، فحركات التحرر التى منحت غاندى يقينه بالقيم الانسانية أصبحت بالفعل ذكرى بعيدة، والعالم منخرط الآن فى مواجهات عنيفة، والجبهات والتحالفات الراهنة فى الداخل تختلط فيها الأوراق على نحو يربك كل العقول الكبيرة، إنها لحظة تتبدل فيها المواقف والوجوه والخيارات بإيقاع لاهث، ولكن يبدو أننا لا نملك خيارا آخر، فالحرية ضرورة ملحة الآن أكثر من ذى قبل، فهى الرقم الذى بغيابه لا يمكن لمصر أن تتغير، وهى شرط جوهرى لإعادة بناء قوتنا الحقيقية بلا أوهام.


لمزيد من مقالات عادل السيوى

رابط دائم: