رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الرؤية بعين ثالثة

لايحتاج الراحل الكبير محمد حسنين هيكل إلى تعريف، فهو «الأستاذ»، أى المعلم الأول فى بلاط صاحبة الجلالة، حضور طاغ طلعة وطلة، إنه «الجورنالجي»، بوابة «مدينة الرأي»، كتاباته مزيج مدهش من البصر والبصيرة، الكلمة والرؤية، الرأى والحكمة، الجرأة والخبرة، ثقافة متعددة الروافد، معرفة عميقة بدنيا الفكر وخبايا الاستراتيجية ودهاليز السياسة فى مراكز القوى الإقليمية والدولية، إنه بوصلة وطن فى زمن العواصف والفوضي، يتحدث «بصراحة» مهما تكن المصارحة مزعجة، طراز نادر الشجاعة الأخلاقية والعبقرية المهنية.

منذ عقد وصفته «واشنطن بوست»: «بأنه أفضل صحفى فى العالم بالقرن العشرين» - ولم لا؟!- وفى أكتوبر 2007، قدمته مديرة التدريب فى وكالة «رويترز» لإلقاء محاضرة فى جامعة أكسفورد، قائلة: «أكاد لا أصدق أننى أقف أمام الأسطورة الحية»..!

يسحرك الأستاذ بعذوبة كلماته، وذهنه التحليلى القوي، وهو يزيل بخبرة فائقة المساحيق والأصباغ عن وجه الحقيقة، ويميط اللثام عن أسرار مستقرة خلف أبواب حصينة مغلقة، ومن ثم تحلق الناس حول الشاشات لمتابعة حواراته، مثلما تلقفوا من قبل كتاباته، ليعرفوا: «مصر أين، وإلى أين.. »أم الدنيا» هى الثابت لديه، نهضتها، تقدمها، رفعتها.. وما عداها المتغير.. هيكل مدرسة كاملة فى الفكر الاستراتيجي، و«رجل المعارك» خاض «سنوات الغليان» وكشف العلاقة بين «العروش والجيوش»..

اقترب من السلطة، إلى حدود التماهي، كاتما للأسرار فى عهد عبدالناصر وبدايات عصر السادات، مشاركا فى صنع القرار، ومتحملا مسئوليته، فى 56 كان فى الصف الأول، وفى 67 كتب خطاب التنحي، وفى 73 كتب خطاب الحرب الموجه من الرئيس للقوات المسلحة «التوجيه الاستراتيجي»، جمع بين وزارتى الخارجية والإعلام ورئاسة تحرير الأهرام -التى علاها لبنة لبنة- زمنا. ثم عارض السلام مع إسرائيل، قبل أن يبادل السلطة عداء بعداء، حمل السلاح فى وجهها بالموقف والقلم والكلمة، فزجت به فى السجن، أخرجه مبارك من السجن، لكنهما اختلفا كثيرا. فى 2002، كشف مخطط «التوريث»، وبعد سنوات، اقترح على مبارك ما يشبه «الخروج الآمن». لم يستمع له، فأزاحت ثورة 25 يناير النظام.. البعض يقولون إنه من كتب خطاب عزل مرسى فى 3 يوليو، فأحرق الإخوان بيته الريفى وتحفه ووثائقه.

ظل هدفه الأثير البحث فى عتمة الأفق عن مسارات للأمل، عبر تحليل بنى السلطة وأشكالها وآليات السيطرة فى المجتمعات، والتوازنات المحلية والإقليمية والدولية، قديما وحديثا، يخوض فى الأحداث عبر اشتباك المواقف والتفاصيل، لا التبسيط، فى نوع من المراوغة الواعية، وصولا إلى خلاصات مقطرة، متجنبا أى افتراضات غير قابلة للبرهنة، منهجه فى ذلك: «لا يُقنع إلا ما هو مقنع أولا، وثانيا، تريد إيصال خطابك لا بد أن تتوفر قوة ذاتية موجودة فيك حقا»، وكأنى بالأستاذ يستعيد مقولة الفيلسوف العربى «يعقوب بن إسحاق الكندي»: إن أشرف ما فى الفلسفة الأولى الباحثة عن العلة اكتشاف الحجج، وحسب «رينيه ديكارت» «لا يحصل هذا بالصدفة»..

هل بالغت لاأعتقد..لم يكن لى علاقة بالرجل.. لكن على ان أعترف بأنى «أنطق عن الهوي»، عن شغف بما يكتب، والأهم: كيف يكتب، سألت نفسى كثيرا عن سر هذا «السمو الإبداعى الفاتن» فلم يسعفنى التفكير، إلا بتفسير سوى أنه: «العين الثالثة» أو «بصمة هيكل»، حد فائق فى انتقاء الموضوع ومقاربته من زوايا غير مطروقة، وتحليل معطياته، بسبر أغواره، والتدليل على رأيه بأدلة دامغة: وثائق وأدلة ومعايشات، يسترفد حقائق دقيقة، ويضفرها بتفاصيل طازجة، تكشف خفايا المشهد وتنقله، من وضع التبعثر إلى مرحلة النظم والمعمار.

قال عنه يوسف إدريس ـ ذات يوم ـ «إنه سريع الفهم، سريع الإجابة، ومن الثانية الأولى تجد نفسك منجذبا إلى ملامحه الدائمة التغير والانفعال، المشحونة بكم وافر من الاطلاع وحب الاستطلاع .. وبالكاد تستطيع أن تسمعه وتتابع حديثه .. حديثه عاجل ناعم، حاسم مستمر، كدقات تلغراف مبطن بالقطيفة .. وإذا أردت أن تتكلم أنت ، يلمحك، فيقطع عليك التهيؤ وترتيب الأفكار وأى مقدمات قد تفكر فيها...يكون دائرة مغلقة بينك وبينه ، دائرة تكهربك ، وتدفعك لمجاراته ومتابعة أفكاره، وإذا بك بعد دقائق تصبح مثله ، سريع الحركة، سريع الفهم، سريع الأخذ والرد، والإجابة والاستجابة ..ذلك هو محمد حسنين هيكل أصغر من تولى رئاسة تحرير الأهرام، وأخطرهم.

عند الفحص والتدقيق، تظل الكتابة عن «الأستاذ» مغامرة غير مأمونة، أشبه بالجرى على رمال متحركة، صحيح أننا نؤمن بأن أدوار كل البشر بمن فيهم الأبطال قابلة للتقييم شرط أن تكون الجدية والموضوعية أساسا للنقد والتقييم بحرية تامة، مثلما نوقن أن مراحل عمر أى كاتب ليست مجرد تواتر واتصال وتكرار، إنها عالم متنوع، مزيج متداخل من الحزن والشجن الشعور بالاستفزاز والرضا بقبول التحدي، وربما الزهو والفرح، لأجل هذا سيظل هيكل رمزا كبيرا وهامة عملاقة فى تاريخ الصحافة العالمية.

[email protected]
لمزيد من مقالات د. محمد حسين أبوالحسن

رابط دائم: