رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أوروبا الموحدة منقسمة أمام سؤال اللاجئين

تقف أوروبا فى مأزق، لم تشهد مثيلا له من قبل، أمام قضية اللاجئين الذين يتدفقون إليها. أكثر من مليون شخص عبروا حدودها خلال عام 2015م، هربا من الحروب والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان، وطلبا للبقاء على أراضيها. يتدفق غالبية اللاجئين من دول الشرق الأوسط الملتهبة العراق وسوريا، لكن هناك أيضا لاجئين من افغانستان، وباكستان، واريتريا، ونيجيريا، وكوسوفو والبانيا وصربيا وأوكرانيا، وهؤلاء جميعا يتحركون بدافع من الهروب من المخاطر، والبحث عن حياة أفضل.

أوروبا الموحدة تواجه قضية اللاجئين منقسمة، وهو ما يجعل سياسات التعامل متضاربة. دول أوروبا الشرقية سابقا، التى خرجت من رحم الكتلة الشيوعية، لا تريد لاجئين أو مهاجرين، وتبحث اغلاق حدودها مع اليونان لوقف مرور اللاجئين عبر أراضيها إلى دول وسط وشمال أوروبا، وهو ما قد يؤدى إلى تكدس اللاجئين فى اليونان التى تعانى بالفعل مشكلات اقتصادية جمة. الدول الكبري، مثل فرنسا وبريطانيا، التى لها خبرة طويلة من قضايا اللجوء والتعامل مع العرقيات المتنوعة مترددة، تريد أعدادا أقل من اللاجئون، وتضع قيودا على تدفقهم إلى أراضيها، منها ما أعلنته بريطانيا من قبول اللاجئين الذين يصلون مباشرة إلى شواطئها فقط. ألمانيا تبدو من أكثر الدول ترحيبا باللاجئين، رغم أنها واجهت موقفا عصيبا فى أحداث «كولونيا» التى شهدت اغتصابا وتحرشا وسرقة لأعداد كبيرة من النساء فى الاحتفال برأس السنة، ووجهت أصابع الاتهام إلى اللاجئين، وهو ما وضع رئيسة الوزراء أنجيلا ميركل فى مرمى نيران الساسة، منهم المحسوبون عليها، نتيجة تبنيها سياسات الباب المفتوح التى تتبعها مع المهاجرين. أما الدول الاسكندنافية فهى لها مواقف متباينة، مدفوعة بالخوف على «التجانس العرقي» الذى تتحلى به، ونمط الحياة الذى اختارته لنفسها. السويد، التى ينظر إليها بأنها أكثر الدول سخاء فى العالم، تتعرض لأزمة شديدة نتيجة قبولها أعدادا من المهاجرين يزيدون فى نسبتهم العددية بالنسبة لتعداد السكان مقارنة بأى دولة أوروبية أخرى بما فى ذلك المانيا. تخشى السويد على نفسها من التمزق، والتداعى الداخلى بفعل الاختلاف بين ثقافة مجتمعها من ناحية وثقافة المهاجرين من ناحية أخري، فضلا عن التراجع الاقتصادى الذى تعانيه، وعدم قدرة المهاجرين على الاندماج الثقافى والاقتصادى والاجتماعي. الدنمارك، والتى لها بالفعل أزمات مع المهاجرين خلال العقدين الماضيين بصور مختلفة، أعلنت عدم ترحيبها بهم، وأصدرت قانونا مؤخرا أثار جدلا واسعا حول حق السلطات فى مصادرة أية مبالغ تزيد على ألف جنيه استرليني، وكذلك المجوهرات النفيسة التى بحوزة اللاجئين لاستخدامها فى الانفاق على برامج الرعاية الاجتماعية لهم. خصوم القانون ذكروا أن فى ذلك تكرارا لتجربة «النازية» فى المانيا مع اليهود، فى حين أن السلطات الدنماركية أكدت أن نفس المعايير مطبقة على مواطنيها الراغبين فى الانخراط فى برنامج الإعانة الاجتماعية. الدول الأوروبية تتحرك منفردة أو فى مجموعات من الدول لديها خصائص متجانسة. المانيا تريد التحكم فى تدفق اللاجئين عبر اتفاقات مع تركيا، التى يخرج من شواطئها غالبية الفارين من جحيم الحروب والارهاب فى الشرق الأوسط، ولكن يبدو أن بقية الدول الأوروبية لا تنتظر اتفاقات والكل يتحرك بوحى من مصالحه، وقراءته المباشرة للأزمة وتداعياتها المستقبلية.

من يطالع الصحف الأوروبية يجد سيلا من الأخبار لا تنقطع عن اللاجئين، وهذا طبيعي، لكنها سلسلة من الصور السلبية. أحاديث مستمرة عن الجريمة، وقضايا تحرش، واغتصاب، وإرهاب، وتطرف، وما حدث فى كولونيا بألمانيا، حدث كذلك، وإن كان بصورة مصغرة فى مدن أوروبية أخرى مثل هلسنكى فى فلندا، وكان من تداعياتها ظهور جماعات يمينية متشددة فى الشارع مثل «جنود أورين»، انتقلت من فلندا إلى النرويج، وغيرها من الدول الاسكندنافية، تعلن من خلال ملابسها السوداء أنها تحمى نساء مجتمعاتها ضد العنف والتحرش من قبل اللاجئين، الذين للأسف، يُلحقون بهويتهم الدينية- أى الإسلام- وهو ما يعقد المسألة، ويجعل لها بعدا دينيا ديمغرافيا فى الصدارة. ويكفى أن تقرأ تصريحا على لسان مؤسس هذه الجماعة من أن كون هؤلاء المهاجرين مسلمين، فإن فى ذلك خطرا داهما.

يصل تعداد سكان أوروبا إلى خمسمائة مليون مواطن، وهو ليس تجمعا آليا لسكان بيض البشرة ومسيحيى الديانة، ولكن هناك قيم مشتركة تجمعهم، فى مقدمتها الليبرالية والعلمانية والتوافق، اليوم على أوروبا أن تجيب عن سؤال أساسي: إما الحفاظ على هذه القيم أو العودة إلى الهويات القديمة الموروثة، وهو سؤال إشكالى معقد، لن يصادف اتفاقا فى الرأى على أى الخيارين لا بين الساسة ولا المثقفين أو حتى المواطنين العاديين. إذا أرادت أوروبا أن تحافظ على قيمها، عليها أن تجد صيغا جديدة للتفاعل واستيعاب اللاجئين الذين فى غالبيتهم العظمى مختلفى الثقافة والديانة، وهناك أعداد كبيرة منهم من الشباب جاءوا دون مرافق، مما يعنى أن على المجتمع توفير مسالك الاستيعاب لهم. أما إذا عادت إلى التصورات القديمة الموروثة عن أوروبا، فإن ذلك يصب مباشرة فى مجرى اليمين السياسى الصاعد بقوة، مستغلا أزمة اللاجئين والإرهاب. وقد تفشل بالمناسبة فى الخيارين معا، مما قد يؤدى على المدى الأبعد إلى صورة مغايرة للمجتمعات الأوروبية.


لمزيد من مقالات سامح فوزي

رابط دائم: