رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الدولة المدنية الديمقراطية فى خطاب الرئيس

يمكن القول ـ دون أدنى مبالغة ـ إن خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسى بمناسبة بدء الدورة البرلمانية الجديدة ومرور مائة وخمسين عاما على إنشاء أول مجلس نيابى مصرى ورغم طابعه البروتوكولى والإجرائى من أهم خطاباته على الإطلاق من حيث الأسلوب والدقة والإيجاز ومن حيث المضمون والرسائل العديدة التى وجهها للداخل والخارج على حد سواء، ذلك أن الخطاب يعلن ميلاد مصر الجديدة، مصر ما بعد الثورة ويعلن عودتها إلى المسرح الإقليمى والدولي. بل يمكن اعتبار هذا الخطاب بمثابة «خطاب تأسيسي» وخطاب مؤسس، للمرحلة الجديدة فى حياة مصر والمصريين بعد الثورة أى أنه يعين الخطوط والضوابط والقيم والأهداف التى ينبغى للدولة المصرية ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية أن تسترشد بها فى المستقبل والتى سبق أن استرشدت بها بعد الموجة الثانية للثورة فى 30 يونيو عام 2013، كما أن هذا الخطاب تأسيسى ومؤسسى من زاوية أخرى هامة للغاية، لأنه باختصار يحمل ملامح رؤية جنينية قد تكتمل ملامحها ومعالمها فى المستقبل القريب على ضوء التقدم المنشود والإنجاز الملموس فى تحقيق الأهداف والقيم.

قراءة خطاب الرئيس فى الدورة البرلمانية الجديدة تكشف عن أهم المفردات التى تواترت فى خطابه وتكرر ذكرها مرارا وتكرارا وهو أمر ذو دلالة على أكثر من صعيد أولها فى وعى المتحدث وهو الرئيس فهذه المفردات تشغل مكانا محوريا فى تفكيره السياسى كما أنها من ناحية أخرى تمثل متطلبات ومطالب مرحلة سياسية جديدة عقب ثورة 25 يناير وموجتها الثانية وثالثا وليس أخيرا فهذه المفردات تلخص صورة مصر بعد الثورة ومطالب كافة القوى السياسية الجديدة والتقليدية .

تركزت هذه المفردات فى بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والديمقراطية والحرية والمشروع الوطني، وتكررت فى ثنايا الخطاب مرات عديدة وفى سياقات مختلفة، فالأولى أى الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة ورد التأكيد عليها ثلاث مرات الأولى منها «أننا ماضون قدما فى مشروع وطنى لبناء الدولة الحديثة» أما المرة الثانية زهدفنا الأسمى وغايتنا الكبرى إعادة بناء الدولة المصرية دولة مدنية ديمقراطيةس أما المرة الثالثة فهى أننا «سنمضى قدما فى مسيرتنا نحو بناء دولة ديموقراطية مدنية حديثة قائمة على أسس الوطنية والعدالة والحرية».

أما عبارات الديمقراطية والحرية فقد تكررت خمس مرات الأولى «لقد استطاع شعبنا العظيم أن ينتصر للحرية والديمقراطية» والثانية «لقد استطاعت الدولة المصرية بناء مؤسساتها الدستورية فى إطار تتوازن فيه السلطات تحت مظلة الديمقراطية» والمرة الثالثة فى مطالبته للبرلمان «أن يكون برلمانا حرا وممثلا حقيقيا لرغبات الشعب وعليه أن يمارس هذه المهام فى سياق الممارسة الديمقراطية السليمة دون استعراض» والمرة الرابعة فى سياق حديثة عن البرلمان «ولعل مجلسكم هذا خير دليل على إنجاز الأمة المصرية على طريق الديمقراطية» أما المرة الخامسة والأخيرة «فيعلن شعبنا للعالم كله أنه أرسى قواعد نظامه الديمقراطي».

أما تعبير المشروع الوطنى فقد حظى بعناية خاصة فى خطاب الرئيس فقد حرص على ذكره خمس مرات، وربط بينه وبين بناء الدولة الحديثه وأكد انطلاق هذا المشروع الوطنى وفق رؤية علمية وخطى طموحه يراعى التنسيق والتكامل بين مؤسسات الدولة وفى حديث الرئيس عن الإنجازات اعتبر أنها جزء من المشروع الوطني، واعتبرها خطوات واسعة يفخر بها الشعب على طريق إنجاز مشروعه الوطنى كذلك ربط الرئيس بين المشروع الوطنى وبين التنمية والاستقرار وبين الدفاع عن الدولة المصرية وإنجاز المشروع الوطني.

وبناء على ذلك فإن المشروع الوطنى فى خطاب الرئيس يشمل بناء الدولة المدنية الديمقراطية وتنفيذ المشروعات الوطنية الاقتصادية الكبرى والحفاظ على الدولة ومؤسساتها وتحقيق التنمية والاستقرار.

لقد حرص خطاب الرئيس على الربط بين الديمقراطية والحرية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة وبين المشروع الوطنى باعتباره الوعاء الذى يؤطر هذه الأهداف وينظمها فى سبيكة واحدة لا تتجزأ، فالحفاظ على الدولة مهم للممارسة الديمقراطية ودون الدولة لا ديمقراطية بل فوضي، كما أن وجود الدولة لا يستقيم خاصة بعد الثورة دون ممارسة الديمقراطية والحرية وكلاهما لا يتحققان إلا فى إطار المشروع الوطنى الشامل المتجدد.

وفى تقديرى أن أهم ما انطوى عليه خطاب الرئيس هو تأكيد الطابع المدنى والديمقراطى الحديث للدولة، فهذا التأكيد هو بمثابة تأكيد لاستعادة هوية الدولة المصرية وطابعها المدنى وإضافة البعد الديمقراطى الحديث عليها وبذلك يضع خطاب الرئيس نهاية جادة وحاسمة للمراوحة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، تلك المراوحة التى ارتبطت بعصر النهضة والحداثة والاقتباس من الغرب ذلك أن النهضة فى مختلف مراحلها وأغلب لحظاتها وروادها لم تستطع أن تستبعد مشروع الدولة الدينية من مخيلة قطاعات كبيرة من المصريين حيث زاوجت بين الحداثة والبنى المعرفية والفكرية والثقافية التى تتطلبها وتضمها.

وبين البنى المعرفية والثقافية التقليدية وتعايشت الحداثة مع البنى التقليدية وتوقفنا فى منتصف الطريق بين كليهما وقد أفضى هذا التعايش إلى تهُميش التفكير العقلانى وحال دون امتداده لجوانب مختلفة من التراث وكان الأهم الأول تطويع التراث لقبول الحداثة وليس نقده وتبيان حاجته للتجديد وإحياء الجوانب العقلانية فيه.

لقد أفضى هذا الازدواج بين الحداثة والتراث وتجاور البنى المعرفية والثقافية لكليهما إلى الإبقاء على المراوحة بين الدولة المدنية والدولة الدينية وظلت الثانية بديلا للأولى وظل الصراع الفكرى والثقافى والسياسى قائماً بين أنصار الدولة المدنية وأنصار الدولة الدينية طوال ما يفوق القرن حتى وصول الإخوان إلى الحكم وثورة المصريين عليهم وإسقاط نظامهم.

يشتبك خطاب الرئيس «السيسي» حول الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة مع خطاب الإخوان والجماعات المتأسلمة دون أن يسميهم، فخطاب الرئيس حول هذه النقطة يرد على الخطاب الدينى الإخوانى ويعرى أهدافه، التى لا تتجاوز محاولة اختطاف وطن لحساب أهدافهم المنحرفة ومصالحهم الضيقة «وهكذا فالدولة الدينية فى خطاب السيسى هى انحراف» عن الأهداف التى ارتضاها المصريون من خلال مسيرة دولتهم وطابعها المدني. ولا شك أن التأكيد على طبيعة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة هو بمثابة فتح الباب مجددا لاستئناف النهضة على ضوء قواعد ومقاربات منهجية جديدة تفتح الطريق للعقل والعقلانية وقيم التقدم والعلم وتحفظ للدين مكانته وقيمه المقدسة بعيدا عن السياسة وأعرافها.


لمزيد من مقالات د. عبد العليم محمد

رابط دائم: