رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الهرم الرابع.. فى صالة التحرير!

كأني به يدخل علينا.. كما تعودنا أن نراه ونسعد بقدومه.. كشمس الصباح.. باسما كطفل صغير.. متوقد الذهن كأنه أينشتين زمانه.. يقظ الفؤاد حلو الكلمات.. كما الشاعر ابراهيم ناجى.. عذب الخصال.. يحمل إلينا الدنيا كلها بحلوها ومرها علي جناح يمامة.. تحمل لنا الخير كله في خبر.. والرضا والطمأنينة في كلام عذب يقوله لنا.. ونحن من حوله في صالة التحرير منصتون.. لا ننطلق بكلمة.. وكيف نتكلم ونقول في حضرة الأستاذ..

هل عرفتموه؟

من المؤكد أنكم تعرفونه قبل أن أنطق باسمه.. إنه الأستاذ ولا أستاذ غيره.. حتي لو لم نتبع كلمة الأستاذ باسمه.. فأنتم سوف تنطقون بها وتقولون: تقصد الأستاذ محمد حسنين هيكل.. وإذا قلنا: نعم.. فسوف يضيفون إلي اسمه عبارة من كلمتين اثنتين: الهرم الرابع..

لدينا ثلاثة أهرامات في هضبة الجيزة.. وهذا الهرم الرابع للصحافة المصرية والقلم الرشيد والخبر الحسن والصحافة التي روي شجرتها.. بقلمه وعلمه وأدبه وإبحاره شرقا وغربا في بحارها الواسعة.. حتي إنه أصبح يحمل فوق اسم الهرم الرابع للصحافة المصرية.. اسم «الجورنالجي» الأول في بلاط صاحبة الجلالة!

<<<<<

أنا الآن في سنة أولي أهرام.. عندما دخل علينا صالة التحرير أول مرة في يوم من أيام شهر أكتوبر سنة 1959.. ياه يعني منذ نحو نصف قرن ويزيد.. وكنت أنا يا دوب في سنة أولي أهرام.. وقد أرسلني الدكتور خليل صابات ضمن الخمسة الأوائل في قسم الصحافة في كلية الآداب جامعة القاهرة.. لكي نجدد شباب الأهرام..

وكان الموعد هو اجتماع مجلس تحرير الأهرام الذي كان يعقد في نفس مكانه طول عمره في صالة التحرير التي أخرجت رجالا ونساء وشبابا من أجيال الصحفيين والصحفيات يسدون عين الشمس.. ومازالوا ملء السمع والبصر والوجدان..

كنت أقف عن قرب من طاولة مجلس التحرير وكنت قد قدمت أفكارا باسمي لتحقيقات وضعتها أمام الأستاذ.. نظر في ورقتي وقال: مين عزت السعدني ده؟

ونطقت من فوري: أنا يا أفندم!

التفت إليّ وقال: تعرف تعمل الموضوع ده؟

قلت له: أيوه يا أفندم..

قال: يا محمد يا يوسف ـ وهو كبير مصوري الأهرام أيامها ـ روح مع عزت دلوقتي!

قام الأستاذ محمد يوسف من مكانه فى الاجتماع ونزل معي إلي الشارع.. لكي نلتقط صورا للقادمين إلي القاهرة لأول مرة.. وكان يعاملني بأدب شديد..

انطلقت أسجل ما يجرى فى الشارع. وتعليقات الناس الغلابة على زيادة أسعار الشاى والسكر والأرز والزيت. والتقط الأستاذ محمد يوسف يومها صورة لامرأة من باب الشعرية تضع على رأسها شنطة ورقية كبيرة فيها الزيت والسكر والأرز والشاى. وهى تحمل طفلا رضيعا فى يد وتسحب آخر فى اليد الأخرى. وكانت صورة التحقيق التى أفرد لها «الأهرام» شريط الصور فى الصفحة الأخيرة. وطلبوا منى أن أكتب عشرة سطور فقط لا غير. وكتبت وكتبت له عنوانا يقول: هم العيال. أم هم «المم المم»؟. وكتبت اسمى أسفل التعليق. ولكن الأستاذ نجيب كنعان مدير التحرير رفعه وقال: «اللى اسمه عزت ده لسه ما تعينشى. يبقى ما ينزلشي اسمه فى الأهرام»!

ونزلت دموعى لأول مرة على بلاط صاحبة الجلالة.

...................

.................

وأصبحت محررا فى قسم التحقيقات الصحفية تحت رياسة القصاص والصحفى الكبير إسماعيل الحبروك. الذى مزق أول تحقيق لى عن الحضارة المصرية. وقال لى: انت يا عم عزت بتكتب موضوع إنشاء فى فصل ثانية ثانوى. لما تعرف تكتب تحقيق صحفى ابقى تعالى.

ونزلت دموعى للمرة الثانية. ولكننى تعلمت الفرق بين موضوع الإنشاء والموضوع الصحفى.

وتركنا إسماعيل الحبروك. وجاء صلاح منتصر رئيسا لقسم التحقيقات وكان رحيما بنا. يوجه ولا يؤنب يرشد ولا يعنف. وتزاملنا أنا وعبدالوهاب مطاوع وكان نعم الأخ ونعم الرفيق فى عالم الصحافة.

ومضى على هذا اليوم نحو عام كامل. كنت خلاله أنزل تقريبا كل يوم فى مهمات صحفية فأنا الوحيد تقريبا الذى يدخل الأهرام فى السابعة والنصف صباحا. وكنت أنحت فى الصخر نزولا وكتابة دون أن يرى اسمى النور على صفحات الأهرام. حتى جاء يوم كنت أصعد سلم مدخل الأهرام فى باب اللوق مسرعا. لأصطدم بالأستاذ ومعه على حمدى الجمال مدير التحرير. واعتذرت للأستاذ. الذى نظر إلى وقال: انت اتعينت ياعزت؟

قلت له: لا يا افندم.

نظر الأستاذ إلى الأستاذ على حمدى الجمال وقال له: عين عزت يا على!

وأصبحت محررا فى الأهرام. بمرتب ثمانية عشر جنيها. أكتب اسمى بنط تسعة أبيض فى ذيل التحقيق.!

وكانت تلك اولى حكاياتى مع الأستاذ.

...................

....................

وجاء العمدة صلاح هلال قومندان التحقيقات الصحفية فى الصحافة المصرية وأستاذها الأول دون منازع ليرأس قسم التحقيقات ليتحول فى عهده إلى لقمة فى زور الصحف الأخرى. حتى إن الأستاذ الكبير مصطفى أمين قال يوما فى جمع كبير من الصحفيين: لقد بدأ التحقيق الصحفى فى الأخبار. ولكنه نجح فى الأهرام!

وبدأت غزواتى الصحفية فى عالم الآثار وتاريخ مصر العظيم الذى يمتد إلى الوراء أكثر من خمسين قرنا من الزمان. وجاء مفتش منطقة الهرم يوما ليخبرنى أنه اكتشف الهرم الرابع بسقارة. ياللهول!

وذهبت معه إلى سقارة. وأمضيت ثلاثة أيام بلياليها هناك معه داخل خيمة فى الصحراء. لأخرج فى النهاية بتحقيق مذهل وسبق صحفى مثير: العثور على الهرم الرابع!

ولم يكن هرما فى حجم أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع. فقد ضاعت رأسه وتبعثر جسمه حجارة فى كل مكان.

وعندما نشر الأستاذ صلاح هلال التحقيق باسمى. مع إشارة فى الصفحة الأولى. بهت الذى كفر. يعنى غرق قوم كبار فى الأهرام غادرونا الآن إلى السماوات العلى - فى بحر من الغيظ والحسد. ازاى ولد مفعوص زى عزت السعدنى يسبقنا بالخبر الذى أصبح حديث العالم كله. وهددوا مدير هيئة الآثار أيامها. وأرغموه على أن يرسل للأهرام تكذيبا للخبر كله!

وقد كان. وأوقف الأستاذ هيكل الحلقة الثانية من تحقيق الهرم الرابع الذى كان سينتشر فى الغد.

وحملت أوراقى ومستنداتى وملفاتى وصورى إلى مكتب الأستاذ. ورق قلب الأستاذة نوال المحلاوى مديرة مكتب الأستاذ لحالى. وأدخلتنى للأستاذ.

وضعت أمامه ملفاتى ومستنداتى وصورى. وأنا فى حالة يرثى لها من القلق والحزن. نظر الأستاذ فى عينىّ. وقال لى جملة واحدة لا أنساها أبدا: «أنا مصدقك. يا عزت!».

ثم رفع سماعة التليفون وقال للأستاذ نجيب كنعان مدير التحرير: موضوع عزت ماشى يا نجيب!

...............

..............

ولا أنسى أبدا هذه الحكاية الطريفة. عندما ذهبنا شلة الصحفيين الأشرار - كما كنا نطلق على أنفسنا - إلى فندق الهيلتون عندما شب شامخا فى سماء القاهرة على النيل. ذهبنا محمود كامل: قائد الفريق وحسن أبوالعينين وسعيد عبدالغنى - الذى أصبح ممثلا شهيرا بعد ذلك - وبهيرة مختار وآدم النواوى مندوب المطار أيامها إلى الفندق. وليس فى جيوبنا إلا ثمن المواصلات، وسأل محمود كامل المتروديتل: إحنا بتوع الأهرام!

قال المتروديتل: أيوه يا أفندم فيه مائدة محجوزة كل يوم للأستاذ هيكل هنا.

قال له محمود كامل بخبث: أيوه ما الأستاذ قالنا نقعد عليها لحد ما ييجى!

وجلسنا وتعشينا وشربنا وانبسطنا.

وجاءت الفاتورة أربعمائة جنيه وكان مبلغا مهولا أيامها!

وقال له محمود كامل: ابعثها على الاستاذ هيكل فى الأهرام!

ومضينا. واختفينا أسبوعا كاملا من وجه الأستاذ ولكنه قفشنا فى النهاية وقال لنا ضاحكا: تتعشوا بربعميت جنيه يا مفتريين!

وانتهت الحكاية!

...................

...................

تعالو ندخل صالة التحرير الاهرام نفس صالة التحرير التي جلس علي طاولتها الشهيرة جمال عبدالناصر وأنور السادات.. وحضرا اجتماع مجلس التحرير الذي كان يعقد في الثانية عشرة ظهر كل يوم.. وساعتها تتحول صالة التحرير إلي معبد..

لا حس ولا كلام إلا كلام الأستاذ وحده.. ويا له من كلام أشبه بعناقيد فل.. أو عناقيد زمرد حوله جيد الحسان من نساء الأرض..

<<<<<<<

وققد عاصرت دخول جمال عبدالناصر بصحبة الأستاذ إلي صالة التحرير.. وقد خصص الأستاذ هيكل.. زميلنا العزيز أحمد بهجت لمرافقة الرئيس في جولته داخل الصالة وفي المطابع أيضا..

وفي المرة الثانية دخل الرئيس أنور السادات بصحبة الزميل إبراهيم نافع رئيس التحرير إلي صالة التحرير وجلس معنا حول طاولة الاجتماعات.. وحضر اجتماع الثانية عشرة التقليدي.. وكان يرافقه الزميل العزيز القدير سلامة أحمد سلامة.. وكنت أنا ساعتها أقف مع بقية الزملاء من حول صالة الاجتماعات.. نسمع فقط ونتأمل.. ولا نتكلم..

<<<<<<<

ولكن عندما جاء الرئيس الأسبق حسني مبارك.. جلس معنا علي ترابيزة الاجتماعات.. وكان إلي يمينه إبراهيم نافع رئيس التحرير أيامها وإلي يساره سلامة أحمد سلامة مدير التحرير العلامة المضيئة في الصحافة المصرية صاحب العقل المتنور والقلم المحنك.. أما أنا فقد كنت أجلس بعيدا علي طرف طاولة الاجتماعات..

وأذكر أنني يومها سألت الرئيس الأسبق: ليه يا أفندم بتسيب وزير.. الناس موش طايقاه من غير ما تغيره؟

قال: موش ها أسألك مين.. وأنا عارفه.. لكني أنتهز أول فرصة وأشيله موش بكلام الناس والصحف لكن بإرادة الدولة المصرية! بالمناسبة ما عندكش وزير مواصلات كويس؟

<<<<<<<

هذه هي صالة تحرير الأهرام القلب النابض لمصر وأحوالها حلوها ومرها.. جمالها وقبحها.. سعدها وتعاستها..

لكن يبقي أن الجورنالجي العظيم مازال يعيش داخلها.. لا يغادرها أبدا.. مادام له تلاميذ تعلموا علي يديه.. وعاشوا معه رحلة القلم والألم عبر مشوار طوله من عمر الزمن نفسه.. ولسوف يظل الجورنالجي الأول حيا بيننا في وجداننا.. في فكرنا.. في كل سطر نكتبه.. فنحن مجرد تلاميذ في مدرسة هذا الجورنالجي العظيم!

.................

...............

تعالو نعود الى الوراء كثيرا كثيرا كثير.

نحن الآن في عام 1876. لا تنزعجوا ولا تندهشوا من هذا الهدوء. وهذا الجمال الذى يأخذنا بين أحضانه ونحن نتجول في ربوع القاهرة العاصمة المصرية نركب عربات السوارس التي يجرها الخيول. نبحث عن صحيفة يومية أو حتي أسبوعية تنطق باللغة العربية. فلم نجد إلا صحيفة «الوقائع المصرية» التي أنشأها محمد علي باشا باني نهضة مصر الحديثة. والذي أقام أول امبراطورية مصرية حقيقية. دولة بمعنى الكلمة بعد أن كنا مجرد ولاية من ولايات الباب العالي في الاستانة حيث مقر الخلافة العثمانية. عندما غزاها سلطانهم سليم الأول عام 1517 ميلاديا. وعلق طومان باي قائد المماليك والذي دافع أيامها وحده عن حرمة التراب المصري. من رقبته في معركة الشرف والكرامة علي باب زويلة لتدخل مصر ونحن معها من بعده قرونا من الظلام والجهل والجهالة استمرت حتي وصل محمد علي باشا إلي كرسي الحكم في مصر عام 1805 بإرادة الشعب المصري كله. الذي حمله علي الأعناق حتي وصل به إلي القلعة مقر الحكم أيامها ليصبح أول سلطان علي مصر المستقلة بعيدا عن براثن وأدران وتخلف ودسائس الباب العالي.

يعني مصر صانعة الحضارة ومهد الكلمة. وموطن الأديان. يا سادة يا كرام. عاشت عصورا من الظلام بلغت بحساب الأعوام 289 عاما عددا. ياسنة سوده يا أولاد!.

ولكن ماذا كانت تقول جريدة الوقائع المصرية للشعب المصري؟

الجواب: كانت تخبره بالفرامانات السلطانية والأوامر العلاوية وأخبار الدولة والدواوين وكل ما يتعلق بالقوانين والأحكام وخلافه.

ونسأل وماذا عن الشعب. خلق الله من أهل مصر؟

الجواب: لا مكان لهم علي صفحات الوقائع المصرية. ولا صوت ولا كلمة ولا مجرد خبر واحد. اللهم إلا حفظ وتنفيذ الفرامانات والأوامر السلطانية!

قالوا لنا همسا في آذاننا: ألم تسمعوا. ألم تعرفوا. ألم تدروا؟

سألنا ماذا حدث يا تري؟

قالوا لنا: لقد صدرت في الاسكندرية أول صحيفة مصرية اسمها الأهرام. وهي أول صحيفة حقيقية تتحدث إلي الناس وحدهم!.

سألنا: من الذي أصدرها؟

قالوا ومن غيره: إنه الجورنالجي الأول!.

سألنا ما اسمه؟

قالوا: سليم تقلا

..................

.................

وذهبنا إلى الاسكندرية لنستقبل أول عدد من الأهرام الشامخ طويل العمر في الخامس من أغسطس عام 1876.

فماذا وجدنا الاسكندرية أيامها؟

كانت الاسكندرية قبل ما يقرب من الـ140 عاما. عروس مصر بحق وعروس البحر المتوسط كله. فهي حاملة راية الحضارة اليونانية والرومانية. والتي فاقت جامعاتها وآثارها وقصورها آثار وحضارة روما وآتينا معا.

كانت المقاهي الجميلة تزين جبهة كورنيش الاسكندرية العريق.

وكانت الاسكندرية هي العاصمة الثقافية لمصر. وكانت المباني والقصور والشوارع غاية في النظافة والجمال.

وذهبنا إلي مبني الأهرام العتيق. وجلسنا إلي سليم تقلا صاحب ومؤسس الأهرام أول صحيفة مصرية تنزل إلي الناس وتتحدث إلي الناس وتحتضن آلام وأفراح الناس. فماذا قال لنا وماذا قلنا له؟

أسأل الجورنالجي سليم تقلا: قلت لي إن الأهرام كان يمكن ألا يولد أبدا؟

قال: هذا صحيح. لقد كنت أعلم بما يحول دون نشرها من المصاعب. وقد كنت أقضي النهار والليل تائها جسما وعقلا.

قلت له: يا جدنا العظيم أريد أن أسألك سؤالا أرجو ألا تزعل منه أو تغضب له.

قال: ومتي كان الأجداد يغضبون من الأحفاد.

قلت: لقد قرأت ملفك عندنا في الأهرام

يقاطعني: وهل مازلتم تحتفظون بملف لي؟

قلت: ألست أبوالأهرام الذي شهد مولده علي يديك. ما علينا. تقول أوراق ملفك الذي يحمل رقم واحد.

انك يا جدنا قد ولدت في قرية من قري لبنان اسمها كفر شيما في عام 1849. وقد أرسلك أبوك وأنت في الثانية عشرة من عمرك إلي بيروت لكي تتلقي العلم علي يد معلم الأجيال أيامها بطرس البستاني في مدرسته الوطنية المعروفة. فتفوقت علي كل أقرانك. وعندما تخرجت فيها. اختارتك المدرسة البطريركية لتدريس اللغة العربية وآدابها. وهناك التقيت بالشيخ نصيف اليازجي فأخذت منه الكثير وألفت كتبا من بينها كتاب مدخل الطلاب في النحو والصرف. كان عمرك أيامها في السادسة والعشرين. ما الذي دفعك لكي تهجر لبنان وتذهب إلي مصر لكي تؤسس الأهرام؟

يقول الجورنالجي الأول: لقد حزمت أمري علي الهجرة إلي مصر بعد أن علمت بما أنشىء بها من مدارس ومعاهد وصحف ونهضة ثقافية وفكرية. فهاجرت إليها وحدي. ثم لحق بي فيما بعد شقيقي ورفيق مشواري وعمري بشارة تقلا.

قلت: نعود إلي بداية الأهرام وولادته المتعثرة.

يقول: بل قل القيصرية. لقد تقدمت بطلب لنيل الترخيص إلي الخديو إسماعيل باشا بنفسه. فإن حاز القبول لدي عظمته صدرت الجريدة وإلا لا حيلة لنا ولا نصير مهما كنا وكما علينا. وكتبت الطلب وقدمته لنظارة الخارجية لترفعه إلي الخديو إسماعيل.

ولم يطل انتظاري طويلا وجاءت الموافقة في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1875.

- ممنوع البولتيكا!

مازلنا جلوسا علي مقهي بتر بالاسكندرية. نتحاور ونتداور.

قلت للجورنالجي الأول: يعني لسه طازة. يعني النهاردة أليس اليوم من 27 ديسمبر 1875؟

قال: أجل. وفي جيبي خطاب الموافقة.

قلت: ألا تسمح لنا بأن تقرأه لنا؟

قال: بلي: يقول الخطاب بالنص افادة تحت رقم 5 ضبطية الاسكندرية:

تقدم إلي الخارجية الخواجة سليم تقلا يلتمس التصريح إليه بإنشاء مطبعة حروف تسمي الأهرام كائنة بجهة المنشية بالاسكندرية يبيع فيها جريدة تسمي الأهرام أيضا تشتمل علي التلغرافات والمواد التجارية والعلمية والزراعية والمحلية، وكذا بعض كتب كماقامات الحريري، وبعض ما يتعلق بالصرف والنحو واللغة والطب والرياضيات والأشياء التاريخية والحكمة والنوادر والأشعار والقصص الأدبية وما ماثل ذلك من الأشياء الجائز طبعها. وحيث أنه أخذ علي الخواجة المذكور التعهد اللازم بعدم التعرض للدخول مطلقا في المواد البوليتيقية، وامتثاله لقانون المطبوعات ومعاملته بمقتضاه عند وقوع أي مخالفة منه وعلي إنه يقدم للخارجية نسختين من كل ما يطبعه وأعطيت له الرخصة اللازمة من قلم المطبوعات بالخارجية فاقتفي ترقيمه لسعادتكم للمعلومية وعدم المعارضة للخواجة المذكور في إنشاء المطبعة المحكي عنها علي الوجه المتقدم ذكره أفندم.

في 29 ذى القعدة سنة 1292هـ - الموافق 27 ديسمبر 1875م

- ملحوظة من عندي: كلمة تسمي مكتوبة تسما وهو خطأ لغوي. وكلمة المواد البوليتيقية تعني ترجمة للكلمة - الانجليزية بولتيكا: poletic

يعني عدم الاقتراب من السياسة حتي قبل 141 سنة. تصوروا كان محظورا تعامل الصحف مع السياسة. كم أنت شقية طول عمرك يا صاحبة الجلالة الصحافة؟!.

قلت: ولكن لماذا تأخر صدورها إذن؟

يقول: بصدق لقد نفضت الحكومة يدها عن نصرة الجريدة الناشئة. ولم أنل منها إلا التصريح بإصدارها.

ولعلمك فإن جميع الصحف إلي ذلك الوقت كانت تصدر أسبوعية وليست لها موارد ولا هي تباع في الطرق أو ينادي عليها في مكان عام، بل كان أكثرها يعتمد علي إعانات الدولة أولا وقبل كل شيء، وكان لها في ذلك غني عن السعي في التوزيع أو زيادة عدد المشتركين، وكانت بعض الصحف تباع للناس عند باعة الطرابيش في حي الموسكي أو بعض أحياء الاسكندرية!.

لذلك كثرت متاعب الأهرام لأن الحكومة لم تشجعها بمال، ولأن الناس لم يكونوا قد ألفوا بعد قراءة الصحف، والاقبال عليها، ولأن وسائل الدعاية الصحفية لم تكن ميسرة ولا سهلة!.

قلت: يا خبر الأهرام بجلالة قدره كان يباع قبل 141 عاما عند باعة الطرابيش!.

يقول: لم يكن هناك باعة صحف ينادون عليها في كل مكان كما الحال الآن. ولم يكن لدينا عربات لتوزيع الصحف. وكانت نسخة الأهرام تنقل من الاسكندرية إلي القاهرة بقطار الصحافة!.

قلت: هو قطار الصحافة ده كان لسه عايش أيامها؟

يقول جدنا الأكبر: عندي مفاجأة. هل كنت تعلم أن الأهرام كان أول صحيفة في العالم تطبع عددا تجريبيا قبل صدورها؟

قلت: لا!.

يقول: عندما حضر من لبنان شقيقي بشارة وكان في العشرين من عمره ولكنه كان نعم العون لي. ففكرنا في اصدار مثال جريدة الأهرام. وهو صورة لما سوف تكون عليه الجريدة عند صدورها.

قلت: تقصد العدد الزيرو؟

يقول: سمه ما شئت. وقد أصدرناه من ورقة واحدة من صفحتين. فسوف أعطيك نسخة نادرة منها. نتصفح معا مقال الأهرام لنجد أنه كان في معظمه مقالا واحدا.

قلت: المقال لك إذن. ماذا قلت فيه؟

سليم تقلا باشا يقرأ مقاله:

إن غاية المجد يستطيع أن يبلغها بثلاث وسائل: مدارس، وقاعات للتمثيل، وجرائد ثم يمضي مبينا فوائد المدارس والتمثيل لقد تبين للناس ضرورة إنشاء الجرائد وتسيارها في جميع الأقطار حاملة أخبار الأمم تفصيلا واختصارا، ليعلم المطالع مجمل حوادث الأرض، ويحيي أوقاته باستيعاب الافادات سواء أكانت سياسية أم تجارية أم علمية، وجعلوا للصحافة الأهمية الأولي والاعتبار الثابت وأطلقوا عليها تسمية لسان الأمم. لذلك أنشئت الجرائد في جميع بلاد الجنس المتمدن وتسابق أهلها علي إحرازها والانتفاع بها في كل صقع وناد، وبات كل يعرف جزءا من يومه بمطالعة الجرائد مهما كان شغله شاغلا ليكشف أخبار العالم، ويبرهن علي أنه منه.

قلت: حدثني عن جريدتك أيها الجورنالجي العظيم؟

يقول: الجريدة تصدر يوم السبت من كل اسبوع وأن حجمها سيكون ضعف هذا المثال وأن عنوانها جريدة سياسية وعلمية وتجارية وسأنشر فيها الاعلانات وقد أقمت في جميع الجهات وكلاء وقد كان عدد هؤلاء اثنين وعشرين وكيلا عدا وكلاء القاهرة، يمثلون اثنين وعشرين بلدا في مصر والاسكندرية وسائر البلاد العثمانية، وثمنه في أوروبا والجزائر وتونس وزنجبار وكلكتا وتباع بثلاثين فرنكا.

>> ملحوظة من عندي: نسينا أن نقول لقد بحثنا عن جريدة الأهرام في شوارع الاسكندرية في عام 1875. لم نسمع مناديا للصحف ينادي عليها. ولم نجد أكشاكا لبيع الصحف. إنما وجدناها عند المحلات الكبري ومحلات البقالة ونوادي الجاليات اليونانية والايطالية والتركية والمقاهي الشهيرة الكبري. وباعة الطرابيش «كانت أيام».

..........

.......

مازلت اذكر أول لقاء لى مع الهرم الرابع عندما كنت محررا صغيرا فى قسم التحقيقات الصحفية، عندما كتبت تحقيقا عن النجوم والكواكب والمجرات البعيدة. وأجريت حديثا مع بروفسور البرت هوفمان عالم الفضاء الأمريكى الذى كان يزور القاهرة - أيامها. وقال لى: لو انك سافرت إلى الفضاء الخارجى بصاروخ ينطلق بسرعة الضوء وجلست على كوكب زحل ونظرت بميكروسكوب عملاق إلى كوكب الأرض. فسوف تشاهدها فى عصر المماليك وما قبلها. وتشاهد القاهرة أيام أن بناها جوهر الصقلى.

المفاجأة هنا اننى يومها كنت أجلس فى حجرة التحقيقات فى المبنى القديم للأهرام فى باب اللوق ايامها. وكانت الساعة الحادية تقترب من عشرة والنصف مساء وبين يدى نسخة من الأهرام الذى كان يصدر أيامها فى هذا التوقيت. ودق جرس التليفون ورفعت السماعة وأنا جالس. فإذا بالمتحدث يقول لى: أنا هيكل. مين معايا؟

قمت لفورى من جلستى. فكيف أكلم الأستاذ وأنا جالس!

المهم أن الأستاذ قال لى: كويس ياعزت. بكرة عدى على نوال فيه حاجة عشانك!

ونوال هى سكرتيرة الأستاذ الحديدية. التى أعطتنى ورقة بمكافأة 50 جنيها عقدا ونقدا كتبها الأستاذ تقديرا على هذا التحقيق المثير!

.................

.................

اللقاء الثانى. كان عندما ذهبت إلى الإسكندرية فى قطار الصحافة فى الرابعة والنصف صباحا لكى أنقذ أسرة من الطرد إلى الشارع بعد أن تأخر رب الأسرة عن دفع الايجار لشهور عدة.

ولكن القطار لم يصل إلى الاسكندرية بعد أن اصطدم قبل وصوله بقطار آخر فى محطة خورشيد. ونزلت وشمرت عن ساعد الجد واشتغلت صحفيا. ثم ركبت عربة نقل خضار إلى محطة الرمل. ومن هناك اتصلت بمكتب الأهرام فى الاسكندرية بحثا عن مصور يلحق بى وجاءنى على عجل الزميل العزيز المصور أحمد مصطفى. وصنعنا معا قصة صحفية مميزة عن هذا الحادث.

وفى مكتب الأهرام فى الاسكندرية عندما انتهيت من عملى. قالوا لى: الأستاذ هيكل على التليفون!

قال لى: أنا هيكل. انت صحيح كنت فى القطر اللى عمل الحادثة.

قلت له: أيوا ياافندم

قال لى: أنا موش حاسألك انت كنت رايح فين.

لما ترجع ابقى احكيلى.

أكتب شغلك وابعته بسرعة!

وكتب الأستاذ صلاح هلال عنوانا للتحقيق المثير: 4 ثوان مع الموت!

وكانت حكاية ورواية ولقاء مع الهرم الرابع فى مكتبه بعد عودتى!.



..................

...................

اذا كانت الاهرامات الثلاثه عمرها يتجاوز الـ 45 قرنا من الزمان وهي تحمل كل اسرار الحضارة المصرية العظيمة التى حيرت العالم كله ومازالت تحيره حتي هذه الساعة..

واذا كان ابوالهول العظيم هو كاتم اسرار مصر منذ فجر التاريخ وحتى الان.. ولذى يحمل فى صدره كل اسرار الحياة المصرية عبر هذه القرون الطويلة..

ترى لو تكلم ابوالهول.. فماذا يقول الان!

اما لو تكلم الاستاذ فانه سوف يكشف الخبايا والاسرار والحكايات .. ولكن الاستاذ اثر الصمت وفرد شراع زورقه فى نهر بلا عودة!{

Email:[email protected]
لمزيد من مقالات عزت السعدنى

رابط دائم: