رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الفقـــراء.. الجــــدد

كنت قد انتويت أن اتوقف عند المليارات المنسوبة الى ما عرف باسم قضية فساد الداخلية، والأرقام التى لم تعد تفاجئنا، كشعب ، والتى تصل الى القيادات بكل مشروعية ، وبالقانون،

حتى أن أحدهم قال «انه لم يكن بإمكانه ان يرفض هذه الملايين لانها كانت بأمر من رؤسائه» . وبالطبع كان فى ذهنى أن اتوقف عند الرقم الذى تجاوز نصف المليار والذى كان من نصيب وزير الداخلية، وهو ما تحصل عليه كمقابل لجهود او مسميات، نفهم منها ان المراد كان التحفيز على مقاومة الإرهاب . وكان فى ذهنى كأى مواطن او مواطنة عدد من الاسئلة، ابرزها كم كان يتحصل العسكرى أو الضابط الشاب الواقف فى الشارع فى نفس الفترة، (وطبعا لا مجال للكلام عن ضرورة وجود علاقة أو نسب ما بين اللى فوق واللى تحت، وهى علاقة لابد وان تتوافر ، مهما كانت الظروف وفى دولة... ، لكن ما علينا) العسكرى والذى عليه أن يواجه بصدره هو أى خطر. والذى حتى وإن كانت جهة عمله تمده بوجبة، فعائد عمله لا يكفل له ان يوفر لأهل بيته نفس الوجبة... او مثلا كم أنفقنا على أدوات حماية العسكرى او الضابط، من سترات واقية وبدل أو .. أو .. بكم طورنا أساليب المقاومة ، أو بكم حدثناها، ثم تذكرت مداخلة على الهواء قريبة، فى برنامج على قناة «الحياة»، لوالد احد الشهداء الذى استشهد اثناء تفكيكه لغما، وكيف كان الاب يصرخ مستنجدا ، اغيثوا من تبقى من شباب الضباط بسترات مناسبة لأنى حين كنت أسأل ابنى عما يرتديه من ملابس واقية ، كان يقول انها تكفى لكى لا تتبعثر أشلاء الجسد. التسجيل على ما اذكر كان مع الاستاذة لبنى عسل، والأب الذى فقد ابنه وهويبطل لغما، لم يكن يطالب الا بأن نأخذ بأبسط الادوات الضرورية او المطلوبة، وهو ما لم يحدث فى الوقت الذى كانت فيه مكافآت مقاومة الارهاب تصل الى القادة بالملايين «وبالقانون»، وتتجاوز نصف المليار للوزير .. الحقيقة ان هذا ليس فسادا، ولا يمكن ان نقصر تعريفه على كونه فسادا انما هو «استغفال شعب» واعتذر عن العبارة وانا واحدة من هذا الشعب

والواقع أيضا انه مع كل التوجهات التى بدت بعد 30/6 ، لأجل حد أقصى للأجور، ابتغاء لروح العدل ،وسعيا الى سد منابع الفساد و.. و، إلا أن نوعية ممارسات ما أطلق أنا عليه «استغفال الشعب» مازالت قائمة وبمسميات، واساليب يعجز اى كاتب روائى عن مضاهاتها . فى المنظومة الحكومية المصرية، لا تغرنك اى ارقام معلنة ، لأن هناك دائما، ومازال، مساحات «للقم طرية» تتجاوز فى مكاسبها، اى قطاع خاص . يعنى تصور أن مسئولا عن الابنية او تطوير المبانى فى وزارة ممكن ان تصل مكافآته الى تسعين ألف جنيه، ومديرا لمكتب وزير لا يقل دخله عن ثمانين ألف، اطلق عنان خيالك نحو ارقام فلكية لعضوية لجان، ومهمات و.. و اسال بعدها عن دخول اعضاء هذه الجهة نفسها، لا يزيد دخل «الكادر» او العامل الفعلي، او الذى على اكتافه يقوم العمل، على الفى جنيه بعد خمسة عشر عاما، يعنى بيومية لا تصل الى معاونى المنازل! و انا لا أتكلم من وحى الخيال، بل باستقراء واقعى تماما.

انها ما أطلقت عليه مرات معضلة «الهرم الذهبى» فى بلدنا لم تروضه لا قوانين حد اقصى ولا هذبته إجراءات عادلة .. فى حالة وزارة الداخلية، أخرجته ظروف الثورة أو أجبرته على الطفو .. لكنه موجود وبصيغ ولا أحد يستطيع الاقتراب لانه قائم على تواطؤ من قيادات ومسئولين.. هذا موجود وبعلم الدولة.. وباستغفال الشعب.. ليس صحيحا ان كل المصريين لا يعملون وانهم كسالى ولا يستحقون اللقمة ، الصحيح ان المنظومة الإدارية المصرية تتحايل وتضرب احلامنا واحلام الرئيس السيسى بوطن عادل، فى مقتل، وانه حتى فى أكثر الجهات صدارة هناك «شللية»، تحجب الرزق والفرص، و تتبادل المنافع، والمقاعد، و تتصرف وفق ذاتية مفرطة، لا تعمل أى حساب، لا لفكرة العدالة ولا تكافؤ الفرص ، وتحرمنا وتحرم البلد من الشعور ولو ببعض الهواء النظيف، وتمارس ما سميته «باستغفال الشعب»، بطقوسها المتعفنة المرتكزة الى مدرسة عتيقة اسمها «الادارة بالقهر»، كانت وراء نزوح آلاف من المصريين القادرين ، الى بلاد لا تحجب الرزق، ولا الفرصة . الصحيح ان ثمة اجيالا من الشباب المخلص، الذى لم يدخر وسعا فى تنمية مدركاته، لا تجد لا عدالة الفرصة ولا عدالة الرزق .

تذكرك ملايين «الداخلية» ، بملايين «الآثار» ، يعنى العسكرى الواقف فى الشارع والضابط الموجود فى الشارع حاله حال حارس الأثر، مطلوب من العسكرى ان يموت وهو سايب بيته بعيش حاف، ومطلوب من حارس الاثر ان يكون امينا على تراث لا يقدر ، بماهية «لا تودى ولا تجيب» ومطلوب من طبيب الوحدة الصحية ان يترفق بالناس ويعالج وهو بيكمل الشهر بالدعاء، وحالهم نفس حال سائق القطار فى هيئة السكك الحديدية .

يبقى سؤال يحيرنى بالفعل : ما المقصود بالفقراء فى بلدنا ؟

اتصور إن تعريف الفقراء فى بلدنا قد تجاوز المعنى السائد، للموظف المحترم «اللى نفسه يدى ولاده بيضة لكل واحد»، ولا يستطيع بدخله ملاحقة سعر كرتونة البيض، ولا الأرزقى، ولا مهضوم ومعدوم الدخل، نتيجة لمعطيات استغفال ولا اقول الفساد.. مفهوم الفقير صار يتمدد ويتسع، حتى أنه يصادر على المستقبل، نعم.. مفهوم الفقر «تحور»، كما تتحور الفيروسات، ليشمل «المستقبل» متجسدا فى نوعيات من الشباب المجتهد، الذى كما نقول اشتغل على تنمية نفسه وملكاته بالعلم والمعرفة، وصار قادرا على ان يمنحنا ويمنح البلد أفقا جديدا، ثم اوقف نموه، ان لم يكن تم نفيه، وحوصر فى عمله لأن هناك «تماسيح»، تبتلع هى واتباعها، وبمشروعية زائفة،كل شىء، «تماسيح» الهرم الذهبى فى المنظومة الإدارية المصرية لم تعد تكتفى بشفط الفلوس، وانما ايضا تنهب فرص النمو، نمونا ونمو البلد ..

لمزيد من مقالات ماجدة الجندى

رابط دائم: