رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

تسعون مليونا من (الأنبياء) فى مصر!

ذات يوم من عام 1958، قبيل إعلان دولة الوحدة بين مصر وسوريا فى 22 فبراير- والعهدة على الراوى الأستاذ هيكل

فيما نتذكر ـ قال رئيس الجمهورية السورية فى ذلك الوقت شكرى القوّتلى للرئيس جمال عبد الناصر، وهو يخلى مسئوليته الرئاسية، ما معناه: اليوم ستبدأ التعامل مع شعب ـ يقصد الشعب العربى فى سوريا ـ كل من فيه يتصور أنه نبيّ. أو كأنه قال : اليوم أسلّمك مسئولية شعب مكون من أربعة ملايين نبى (هو عدد سكان سوريا العربية فى ذلك الوقت). وكان شكرى القوتلى يشير بذلك إلى عمق الاهتمام من طرف المواطن العربى السورى بالشأن العام، أو «بالسياسة» حسب التعبير الشائع هذه الأيام، فكل منهم «سياسي» قد يرى فيما يقوله الحق المعصوم أو شبه المعصوم.

تذكرت هذا القول القديم إذ يتأمل المرء حال شعبنا العربى فى مصر هذه الآونة من بعد 25 يناير 2011، ثم من بعد الثلاثين من يونيو 2013، فوجدتنى أقول: وما العمل إن كان (الأنبياء)-بالتعبير البلاغيّ- تسعين مليوناً أو أكثر قليلا؟ ومن كثرة ما يرى المرء من مظاهر «التحرر» الفكري، والحرص على إبداء الرأى و(الرأى المخالف) يلحظ المرء تعددية مفرطة قد يجوز تشبيهها بالكثرة الذّرية، حيث عوالم اللانهايات الصغري.

هذه الظاهرة لها وجهان متقابلان: وجه أول ينمّ عن الحيوية الذهنية المعبرة عن تألق الذات، وليس تفلّتها بالضرورة، بعد زمن كانت عزّت فيه حرية الرأى الحقيقية تجسيدا لمبدأ سيادة الشعب أو «الإرادة العامة» بتعبير جان جاك روسو، خلال أربعين عاما أو ثلاثين منها، أو عشرين، وربما عشرة، حسب البعض، هى مدة العقد التالى لبداية الألفية وحتى تفجر حدث ثورة يناير العظيم.

ويبدو الحرص على حرية إبداء الرأى ها هنا، وكأنه نوع من ردّ الفعل التلقائى للنقيض الذى سبق الثورة، رد فعل خطّي، وربما ذو طابع (ميكانيكي) أيضا، إذ لم يعد المهم فى عديد الحالات تقديم اجتهاد جديد لحل مشكلة ما تعترض المسار المجتمعى المعقد، ولكن المهم تقديم «الرأي» وكفي، وحبذا لو كان مخالفا لرأى تمّ إبداؤه من آخر أو آخرين.

ولسان حال البعض، فى هذا المقام : قد سكتنا على مبارك كثيرا وحدث ما حدث ، فلن نسكت على الرئيس الحالى ونظامه أبدا، بل ولن نمتثل..! مع أنه لا وجه للقياس والمقارنة بين ما قبل ثورة يناير وما بعدها، إذ أسقطت الثورة (حاجز الخوف) مرة واحدة وللأبد، كما نقول دائما! وتغيرت نظرة المجتمع إلى مقام الرئاسة ومنصب الرئيس ، وإلى القضاء والبرلمان ، ولم تعد مصر هى مصر التى عرفناها قبل سنين..!

وأحياناً يبدو لى أنه فى ظل تلك «الذّرية المفرطة» فإن من الصعب أن يتكوّن ما يسمى فى أدبيات النظم السياسية بالتيار الرئيسى Main Stream أى ذلك الجسم «الرأيويّ» الممثل لغالبية المجتمع السياسى فى لحظة معينة. بل و يبدو لى أن «خبراء الرأى العام» ربما يجدون صعوبة بالغة فى قياس اتجاهات الرأى العام فى مصر الآن، نظرا لاحتمال انعدام اتجاهات متبلورة أصلا، وإن كان يمكن تلمّس «مزاج عام» يصعب اعتباره رأيا عاما بالمعنى الدقيق.

وهذا المزاج العام فى وقتنا المصرى الراهن هو المزاج الناقد، وإن شئت فقل «المعترض» على واقع الحال وما يمثله سياسيا بشكل خاص. ومن هنا يتبدى الوجه الآخر للظاهرة «الذرية» ونتاجه التشتّت الفكرى و«العماء الايديولوجي» ـ أو العقائدى حيث يسهم فيه إفلاس النخبة من «قادة الرأي» كما يسمون فى أدبيات الظاهرة السياسية، و ضعف ممثلى هؤلاء القادة على صعيد أجهزة الثقافة المتناثرة ووسائل الإعلام الفضائحية، بعضها (ذلك الإعلام الموجّه، عموما، من بعض «جماعات المصالح» وبعض «قوى الضغط» ذات الحوْل والطّوْل من جماعة المال والأعمال) وعلى صعيد مواقع التواصل الاجتماعى الإنترنتّى غير المنضبط، أو قلْ بتعبير شامل : «الفضاء العام» حسب مصطلح الفليسوف الألمانى «هابر ماس». وليس كل ذلك مما يأسى له المرء بالضرورة. وإن فيه لممّا يبعث على الأسي، فى كل حال، إذ أدّى التشتّت الذهنى للنخبة، بفعل انعدام «البوصلة» المشتركة، إلى بثّ مشاعر سلبية لدى الجمهور المجتمعى العريض، من حيث التجديد الدائم لعدوى الانقسام المجتمعى والاستقطاب الثقافى المزمن، وكأن بعض النخبة يتعيش على ذلك الداء الوبيل. إن هذا ما يطلق عليه أحيانا (صناعة الكراهية)، حيث يمثل نشر الكراهية، عملا احترافيا من الطراز الأول . وقد بلوْنا فى مصر ألوانا عدة منها خلال السنوات الأخيرة، كان أظهرها نشر كراهية الاتجاهات الإسلامية السياسية عموما، على وقْع الفشل المدوّى لجماعة «الإخوان المسلمين» وظهيرهم من السلفية السياسية حديثة العهد. ثم لما استنفد غرض الكراهية الأولي، وجاء «وضع جديد» بعد الثلاثين من يونيو 2013، إذا بدّفة سفينة الكراهية تتحول سريعا ـ على يد (الليبراليون) المتطرفين فكريا، بمعنى معين، وأضرابهم من بعض ممثلى اتجاهات سياسية أخرى إلى توجيه السهام ناحية القوات المسلحة (وذراعها الشرطية الأمينة/قليلة الحيلة مع ذلك وضعيفة الخبرة ، نعم، وربما غير مدرك لعمق التغير المجتمعى للأسف) وكذا ناحية القائد العام السابق للقوات المسلحة، الذى صار رئيسا منتخبا مباشرة من الشعب منذ أقل من عامين.

ولكن البأس كل البأس، لم يعد فى «صناعة الكراهية» فى حد ذاتها ، سواء ضد العسكريين أو ضد رئيس الجمهورية الذى أتى من صلب المؤسسة الوطنية للقوات المسلحة المصرية، ولكنه فى إيجاد ـ أو «تكوين» ـ مزاج عام نجده قائما، وربما سائدا فى مصر هذه الآونة: مزاج تشاؤمى عام، تختلط فيه مشاعر الإحباط بعدم الرجاء. فذاك هو ما نخشاه من عدوى (الظاهرة الذرية)، وما تؤدى إليه من غشاوة ذهنية، وتشتّت ينفذ من بين طياته خيط الغموض ـ تحت ستار «الحلم الثوري» ـ مع انعدام (البوصلة) الحقة، كما أشرنا.

ولا يظنّن أحد أن الوضع القائم فى مصر نراه مبرّأَ من الأخطاء والعيوب، فذلك مما يتنافى مع طبائع الأحوال البشرية, وخاصة فى هذه المرحلة من حياتنا. ولكن فلنعتصم بحبل الإصلاح بعد الثورة، فهذا ما نستطيعه دون تجاوز فى حق المهمة الوطنية؛ ولنجرب الثقة، ولنعمق الفهم بأن الثورة- وإن لم تكتمل لأسباب موضوعية وذاتية معروفة- فقد أحدثت أثرها الزلزالى العميق، والتاريخ لن يعيد نفسه أبدا، وانتهى الأمر! فلنعمل معا من أجل دفع وتصحيح المسيرة الاقتصادية الماضية قدما بالفعل، على أجنحة استنهاض الزراعة والصناعة والطاقة والتشييد، ودفع وتصحيح المسيرة الاجتماعية نحو مزيد من الكفاية والكفاءة والعدل، ونحو استكمال عملية «إطفاء الفتنة الطائفية» التى حققت نجاحا مشهودا. ومن أجل دفع وتصحيح المسيرة السياسية سعيا دائما ودائبا نحو توسيع وتعميق «المشاركة السياسية». ومن أجل دفع وتصحيح المسيرة الثقافية نحو تجسيد النداء-الذى أسيء فهمه- لتجديد الخطاب الدعوى الإسلامي. فهل نستطيع؟

ذاك ما نأمله حقا.

لمزيد من مقالات د.محمد عبد الشفيع عيسى

رابط دائم: