رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المنسيون فى التاريخ الرسمى للثورات

كنت تلميذة بكلية الطب، حين جاءت الأنباء من زملائنا الفدائيين فى القنال: كبلوا الجيش البريطانى خسائر كبيرة فى الأرواح والعتاد، تشجع الأهالى والبدو والفلاحين بالقرى المجاورة فانضموا إليهم،

ورجال البوليس أيضا بالإسماعيلية تشجعوا ودعموا الفدائيين، فاصدر القائد الإنجليزى أمره باخلاء مبنى البوليس وتسليم أسلحتهم والرحيل للقاهرة، لكنهم رفضوا وطلبوا توجيهات وزير الداخلية فؤاد سراج الدين، فأمرهم بالمقاومة حتى آخر نفس، وفتك بهم الجيش البريطانى بمجزرة وحشية يوم 25 يناير 1952.

إندلعت المظاهرات الشعبية فى اليوم التالي، تنادى بالكفاح المسلح وتدعيم الفدائيين، تصاعد الهتاف: نريد السلاح يا نحاس، وهتفوا ضد فؤاد سراج الدين، كيف ترك رجال البوليس ببنادق خفيفة فى مواجهة الدبابات وأسلحة الإنجليز الثقيلة؟ كيف سحب قوات الأمن من القاهرة وتركها تحترق؟ اشتعلت النيران بالمبانى والملاهى والمحلات الكبرى بشارع فؤاد وسينما ريفولي، وفندق شبرد، وبنك باركليز وغيرها، مائة وخمسون حريقا، وكان الملك فى مأدبة غداء أقامها لقيادات الجيش والبوليس والحكومة، احتفالا بميلاد ابنه ولى العهد، من زوجته الجديدة ناريمان، بعد تطليقه الملكة فريدة التى ولدت ثلاث بنات، كانت مناصب الحكم والقضاء والتشريع وكل ما له شأن فى الدولة والدين من حق الذكور فقط.

من كان وراء الحريق؟ قالوا: اللهو الخفى أو الجن والعفاريت، تظهر فجأة على شكل البلطجية لتخريب المظاهرات السلمية واجهاض الثورات الشعبية (منها ثورة 25 يناير 2011) ويتم القبض على الشباب الوطنى الفدائي، بتهمة الفوضى وتهديد أمن الدولة. وانتشرت الشائعات أن جواسيس الملك والحكومة أحرقوا القاهرة لضرب العمل الفدائى فى القنال، أو جواسيس الاستعمار البريطانى والأمريكي، أو جماعة الإخوان المسلمين أو حزب مصر الفتاة وأحمد حسين أو الشيوعيين الملحدين أعوان موسكو. ولم تمض ستة أشهر حتى سقط الملك واستولى تنظيم الضباط الأحرار على الحكم, وأين راح الشباب الوطنى الفدائى الذين مهدوا لسقوط الملك وخروج الإنجليز؟

بعضهم قتل فى جبهة القتال وضاعت اسماؤهم من التاريخ الرسمى لثورة 23 يوليو 1952، منهم زميلى بكلية الطب أحمد المنيسي، سبق أن كتبت عنه، وآخرون ماتوا فى السجن أو هاجروا أو ماتوا بوجع الخيانة والخديعة، منهم أحمد حلمى الفدائى بكتيبة كلية الطب، لا يذكره إلا من يتابع التاريخ الشعبي، وهذه بعض كلماته المنشورة بكتابى «أوراقى حياتي» يقول الآتي: بعد إلغاء المعاهدة فى أكتوبر 1951 أصبح الكفاح المسلح واجبا وطنيا، كتب إحسان عبدالقدوس فى مجلة «روزااليوسف» يدعو الشباب للتطوع لطرد الإنجليز من القنال، تجمعنا فى مكتبه بالمجلة فأرسلنا إلى عزيز المصرى ثم قابلنا وجيه أباظة، الذى ارسلنا للتدرب على السلاح فى قشلاقات العباسية، وقابلنا آخرين مع وجيه أباظة منهم أنور السادات ومجدى حسنين، أصبحنا كتيبة فدائية من ثلاثين شابا، كان مسئولنا العسكرى اسمه بهاء والمسئول الإدارى سعد زغلول فؤاد، حملت مدفعا رشاشا من نوع تومى جان يضرب رصاصا 9 ميللي، فجرنا معسكرا للإنجليز فى المحجر بالقرب من التل الكبير، وفجرنا سيارة إنجليزية تحمل ذخيرة بطريق المعاهدة الواصل للإسماعيلية، ثم فجرنا سيارة كانت تنقل القائد العام الإنجليزى لمنطقة الشرق الأوسط، واصلنا العمليات الناجحة، فانضم إلينا الأهالى والفلاحون والبدو، وفجأة تلقينا الأوامر من القاهرة بتغيير محل اقامتنا، قالوا لنا ان الإنجليز عرفوا مواقعنا.

ولكن الحكومة لم ترسل أى معلومات عن مكان آمن نلجأ إليه، أشرفنا على الموت تائهين فى الصحراء عدة أيام ثم أنقذتنا قافلة من البدو، وساعدنا العمال المصريون بالجيش البريطانى الذين أصبحوا يسرقون الأسلحة من الإنجليز واعطائها لنا، واستمرت عملياتنا الناجحة حتى يوم حريق القاهرة 26 يناير 1952، هل دبره الإنجليز للقضاء على العمل الفدائي؟ هل استخدموا حزب مصر الفتاة أو أحمد حسين؟ هل دخل فيها أعوان الملك أو الإخوان أو الحكومة؟ لماذا تخلت الحكومة تماما عنا بعد أن كانت تشجعنا؟ لماذا ترك سراج الدين القاهرة دون تأمين؟

وجاءتنا أوامر غريبة من وجيه أباظة يقول: كل مجموعة تحمى نفسها، لا تحاولوا الاتصال بنا أو بالحكومة، أصبح ظهرنا مكشوفا وقائدنا بهاء عاد إلى القاهرة وحده وعرفنا أنه بالبوليس السياسي، قررنا الاستمرار فى العمل، كان معنا الأهالى والعمال والفلاحون والبدو، لكن جاءتهم أوامر من الحكومة بعدم حمايتنا، وبدأ الإنجليز حملة للقضاء علينا، كدنا نسقط أسرى فى ايديهم، وأخيرا اجتمعنا وقررنا إنهاء العمل الفدائى والعودة للقاهرة، حيث وجدنا حكومة على ماهر الجديدة، التى أمرت باعتقال الفدائيين، اختفينا بالفيوم داخل مغارة بمنطقة أثرية اسمها هرم اللاهون، حاولنا الاتصال بوجيه أباظة دون جدوي، عزيز المصرى اختفي، بهاء عاد للبوليس السياسي. اكتشفنا غلطة عمرنا، وهى أن العمل الفدائى يبدأ ضد العدو الداخلى ثم نتفرغ للعدو الخارجي، لأن العدو الداخلى يمكن أن يضربنا فى الظهر وفى البطن حتى يقضى علينا، لم نتخيل أننا كنا فريسة بين الحكومة والملك والإنجليز..والأبطال الفدائيون لا يسيرون تحت أقواس النصر، الا يتكرر ذلك فى جميع الثورات فى جميع البلاد؟

لمزيد من مقالات د.نوال السعداوى

رابط دائم: