رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الثورة الثالثة

كتبت فى الأسبوع الماضى عن حديث البعض الخاص بثورة ثالثة تشهدها الذكرى الخامسة لتفجر ثورة يناير ووصفته بأنه

حديث بلا أساس لأن أى ثورة لا يمكن أن تنشب دون أن تتوافر مقوماتها الموضوعية وقاعدتها الشعبية الغلابة ولا تحدث لمجرد أن داعياً ما قد دعا لها، وقد عبر الدكتور وحيد عبد المجيد عن هذا المعنى تعبيراً بليغاً فى عموده اليومى بتاريخ 24/1/2016 تحت عنوان "الجهل بمعنى الثورة" بقوله بعد أن أوضح طبيعة الفعل الثورى: ولذلك فإذا دعا أحد إلى ثورة فى يوم معين فهو إما فاقد العقل أو الوعى أو كليهما".

أما عن المقومات الموضوعية والقاعدة الشعبية للثورة فيلاحظ فى الخبرة الثورية المصرية أن ثورة ١٩١٩ كانت ثورة شعبية ضد الاحتلال الأجنبى بكل سوءاته ولم يتحول الانقلاب العسكرى فى يوليو ١٩٥٢ إلى ثورة حقيقية إلا لأنه ثار على فساد الحكم وانحيازاته الطبقية لمصلحة الإقطاع ورأس المال وانكساره الوطنى ولذلك أيده الشعب تأييداً كاسحاً وصنع منه ثورة حقيقية ، وتفجرت ثورة يناير ٢٠١١ ضد نظام شاخ وفقد القدرة على الإصلاح الحقيقى وباع سلطته لرجال أعمال ومحا دور مصر العربى والافريقى، ثم ثار الشعب فى ٣٠ يونيو ضد الفاشية الدينية وأدائها المتردى فى الحكم ، فهل تكفى التحفظات على نظام الحكم الحالى والاختلاف معه فى قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وفى توجهاته التنموية أساساً لثورة جديدة ؟

أجبت فى المقالة السابقة بلا قاطعة وقلت "وعلى الرغم من يقينى بالفشل الذريع لدعوات الثورة الثالثة فإنها قد تسفر للأسف عن بعض إخلال بالأمن نتيجة تحركات طائشة أو أعمال إرهابية لا طائل وراءها سوى مزيد من سفك الدماء واستنزاف الموارد" .

مر يوم ٢٥ يناير بالفعل كأى يوم عادى فى حياة بلد مازال يواجه بقايا فصيل ضيع فرصته الذهبية لحكم مصر بتوهمه أنه صاحب الثورة أو على الأقل الوحيد المؤهل لقطف ثمارها فانفرد بالحكم ضارباً عرض الحائط بكل وعوده الخلابة قبل التمكن من السلطة فلما انتزعها شعب مصر منه عقاباً له فجر موجة غير مسبوقة من العنف فى تاريخ مصر المعاصر بل وتاريخه الذاتى الذى ينفرد بين القوى السياسية المصرية باللجوء الممنهج إلى العنف لتحقيق أهدافه ، ولذلك يعجب المرء من استمرار الوهم بأن الشعب سوف يخرج لإعادتهم إلى السلطة، ومر اليوم أيضاً كأى يوم عادى فى بلد مازال يصفى بقايا الإرهاب على أرضه كى يتفرغ لمهام البناء الشاقة.

وكنت قد تعودت فى مواقف سابقة مشابهة أن أضطر لمشاهدة قناة "الجزيرة" كى أُلم بأقصى ما فى جعبة المعارضين من ادعاءات قد يكون بعضها صحيحاً، لكننى هذه المرة لم أفكر للحظة فى تعكير صفو اليوم بهذه المشاهدة ليقينى أولاً بأن شيئاً يستحق المتابعة لن يحدث وفقدانى المطلق ثانياً ثقتى المهنية فى هذه القناة بعد أن تأكدت من أن حالها وحال المتعاونين معها بات يدعو إلى الرثاء من فرط الكذب، بل إن متابعة "الجزيرة" تحولت فى مرحلة الإفلاس إلى مصدر للفكاهة بعد أن أصبحت تصور الاحتجاجات الشعبية المُدَعاة بلقطات "زووم" فى أزقة بالغة الضيق تجعل عشرين إلى ثلاثين شخصاً على الأكثر يكفون لملء الشاشة ، ويلاحظ أن التصوير كان يتم من خلف الآحاد التى يفترض أنها تمثل جماهير مصر الثائرة بحيث لا تبدو سوى ظهورهم.

لكن الأشد فكاهة دون جدال هو أن هؤلاء المتظاهرين كانوا يقلبون الشعارات والصور التى يحملونها بحيث نراها نحن ولا تراها الجماهير التى يفترض أن المظاهرة متوجهة إليها فإذا بنا نرى ظهور المتظاهرين ومعها الصور المقلوبة للرئيس المعزول وشعارات رابعة وغيرها ناهيك بتكرار تلك المشاهد على نحو مفضوح ونسبتها إلى أماكن عديدة استخفافاً بعقل المشاهد وتوهماً لغفلته . لا يقل طرافة عما سبق الإسراف من قبل الداعين إلى الثورة الثالثة فى الحديث عن "رعب" النظام من يوم ٢٥ يناير وكأن هذا فى حد ذاته إنجاز لهم يعتزون به ويفخرون ، وبغض النظر عن أن مبالغات ما ربما تكون قد حدثت فى التحسب لما كان من الممكن أن يحدث فى ٢٥ يناير فإن ما يسمونه رعباً يراه غيرهم إحساساً بالمسئولية لأن الداعين إلى الفوضى والتخريب مازالوا بيننا ومازالت لهم خلاياهم النائمة التى تنتهز أى فرصة كى تضرب ، ولو كانت كل هذه الاستعدادات من أجل حقن دماء إنسان واحد لكفاها هذا شرفاً ولم يكن أى مصرى ليسامح حكومته لو أنها قد قصرت فى حماية أمنه وكفانا إراقة للدماء وتخريباً للعمران، ويتجاهل هؤلاء عمداً أن دولاً عريقة فى الديمقراطية كفرنسا وبلجيكا قد اتخذت بعد أحداث باريس الإرهابية الأخيرة إجراءات احترازية غير مسبوقة لمجرد تعرضها لحادث إرهابى واحد كما فى حالة فرنسا التى أعلنت حالة الطوارئ منذ ذلك الحادث وحتى الآن واقترح رئيسها قوانين جديدة أثار بعضها الجدل أو فى حالة بلجيكا التى وصل بها الأمر إلى تعطيل الدراسة أسبوعاً لمجرد التحسب لعملية إرهابية .

ليت الداعين إلى "الثورة الدائمة" يقتنعون بأنها لم تعد فى الظروف الحالية التى تشهد محاولات جادة للتطوير والتقدم مناسبة لتحقيق الأهداف التى ينشدونها، وينطبق هذا على الجميع، فلن يعيد الشعب الإخوان المسلمين إلى السلطة بأى حال بعد أن شهد منهم ما شاهده فى سنة واحدة حكموا فيها مصر وما أعقب هذه السنة من ممارسات لا تشرف أى فصيل سياسى، وإنما الطريقة الوحيدة الممكنة لهم هى المراجعة الجذرية لمنهجهم ليس فقط بعد ٣٠ يونيو وإنما منذ نشأتهم الأولى وأعتقد أن ما يقرب من القرن كافٍ للحكم على منهج ما بالعقم، أما أنصار الثورة المخلصين الذين لا يرضون عن الممارسات والتوجهات الحالية لنظام الحكم فليتهم يقتنعون بأن الإطار الوطنى الحالى لهذا النظام يجعل الإصلاح من داخله هو النهج الأمثل من أجل مستقبل أفضل لنا جميعاً .

لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: