رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

يحدث فى المدن المزدهرة

لأنه كان يمتلك ذاكرة قوية.. ويجيد فى الإنصات.. لذلك لم ينس الحكايات والقصص التى كان يسمعها من المرشدين الذين كان يستأجرهم خلال رحلاته حول العالم.. أثناء عمله كمراسل لإحدى الصحف الأمريكية.. فى تسعينيات القرن التاسع عشر.


كان هؤلاء المرشدون لديهم القدرة على الكلام المتواصل.. لكن أكثرهم ثرثرة كان المرشد الذى استأجره من بغداد ليصاحبه فى رحلة الى الخليج الفارسى.. القصة التى سردها هذا المرشد خلال تلك الرحلة نشرها الصحفى الأمريكى «راسيل كونويل» مع قصص أخرى فى كتاب أطلق عليه اسم «فدادين الماس» حقق شهرة واسعة حين صدر فى بداية العقد الثانى من القرن العشرين،، لذلك اختاره فى عام 2010 «توم باودون» الخبير الإنجليزى فى مجال التنمية الذاتية ليضمه لكتاب استعرض فيه ملخصات لأشهر وأهم الكتب التى ألهمت الناس وساعدتهم على اكتشاف ومعرفة أسرار النجاح.. وعلى إطلاق العنان لقدراتهم الكامنة.

المذهل والمدهش.. أن ما رآه الصحفى منذ اكثر من مائة عام خلال جولاته، خاصة فى الدول الشرقية لا يختلف كثيرا عما يحدث فيها الآن.. فأثناء تنقله من بلد إلى آخر.. اكتشف أن كثيرا من المدن حل عليها الخراب لأن أهلها كانوا يسخرون منها.. كما اكتشف أن معظم الناس يقللون من قدر أنفسهم.. ويعتقدون أن الآخرين أفضل منهم.. ويتصورون أن الأعمال العظيمة والكنوز النادرة توجد فى مكان آخر.. لذلك تفتر همتهم ويتملكهم اليأس.

كل هذه المعانى تجسدت له وهو يتجول فى شوارع وأزقة المدن.. وأيضا وهو يستمع إلى أحاديث الناس وإلى قصص المرشدين، خاصة هذا الثرثار الذى استأجره فى بغداد.. والذى قص عليه حكاية أكد أنها حصلت لفلاح اسمه «حافظ».. كان لديه مزرعة كبيرة.. ومال وفير.. وزوجة جميلة.. وابناء رائعون.. كان سعيدا وراضيا.. إلى أن زاره فى أحد الأيام رجل مسن قال له إنه اذا أراد أن يصبح من أثرى الأثرياء عليه بامتلاك الماس.. بعد هذه الزيارة لم يعد الفلاح يفكر فى شىء سوى فى الماس.. الذى راح يبحث عنه فى كل مكان.. وانتهى به الأمر تعيسا وفقيرا، بعد أن باع مزرعته التى أهملها لرجل لاحظ ذات ليلة مقمرة بريقا يلمح فى أرضها.. حين تأمله اكتشف أنها ماسة نادرة.. ليعرف بعد ذلك أن تلك المزرعة تقع فى منطقة تضم مناجم ماس.

كتاب «فدادين الماس» ينسف المفهوم التقليدى لتأخر الدول.. عندما أشار الى أن المدن تنهار ليس فقط بسبب حكامها الفاسدين.. بل أيضا بسبب أهلها حين تتملكهم الأطماع.. فيهملون عملهم ويستهترون بما لديهم من نعم.

فى العقود الأخيرة رأينا مدنا تزدهر وتتألق لأن أهلها تعلموا أن النجاح ما هو إلا منظومة يعد العمل الشاق والإتقان والجلد من أهم عناصرها.، لذلك لا ينامون على مكاتب دواوينها، ولا يسهرون حتى الفجر فى مقاهيها.. ولا ينكبون على دفاتر ماضيها.. ولا يلوثون مياه أنهارها.. ولا يتجاهلون جهود علمائها.. ولا يقطعون أشجار حدائقها.. ولا يسرقون آثار متاحفها.. ولا يشوهون جدران مبانيها.. ولا يخلعون أرصفة شوارعها.

لا يفعلون كل هذه الخطايا والبلايا.. لأنهم يتحركون بمشاعر حب وولاء وانتماء ووطنية.. خاصة فى فترات التحدى التى يواجهونها بشجاعة وصلابة وصبر.

فى المدن المزدهرة.. يؤمن الناس بأن الكنز قريب منك.. موجود فى أرضك.. فى وطنك.. عليك فقط أن تعمل بجد وإخلاص.. من الصباح للمساء.. حتى تراه وهو يلمع فى ضوء القمر.

لمزيد من مقالات عايدة رزق

رابط دائم: