رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عيد الثورة والشرطة

ترى هل الاحتفال بعيد الشرطة يتعارض مع الاحتفال بثورة يناير؟ هل يعنى الاحتفال القبول بجميع ممارسات الشرطة

المصرية طوال تاريخها؟ وهل الاحتفال بثورة يناير يعنى غض الطرف عما شابها من سلبيات تحدث ويتحدث عنها الثوار أنفسهم؟ وهل الاحتفال بثورة يوليو ورفع صور الزعيم جمال عبد الناصر يعنى تبرئة عصره من السلبيات والأخطاء؟

لعل اختيار ثوار يناير ليوم عيد الشرطة تحديدا لبداية الثورة، وبصرف النظر عن مقصدهم من ذلك الاختيار؛ وما أثاره ويثيره توافق التاريخين من جدل، يعد فرصة اتاحها القدر لمراجعة موقفنا من تاريخنا ورؤيتنا له والمصالحة معه.

لقد كان للشرطة المصرية فى 25 يناير 1952 موقف بطولى وطنى فى مواجهة جنود الاحتلال البريطاني؛ وهو الموقف الذى ينبغى أن نظل نحتفل به دون حرج؛ وخاصة ونحن نشهد استبسال رجال الشرطة اليوم فى محاربة الإرهاب. ولا يعنى ذلك الاحتفال موافقة مسبقة على جميع ممارسات الشرطة المصرية عبر تاريخها.

لقد أخذت العلاقة بين الشرطة والشعب أشكالا مختلفة من التحسن والتدهور منذ القرن الماضي؛ وقد ارتبط تدهور تلك العلاقة بالتوظيف السياسى لجهاز الشرطة ومن ثم بمدى تغوله فى الحياة العامة خاصة بعد قيام ثورة يوليو 1952الى جانب اسلوب تعامل الشرطة مع الناس. ورغم أن ما يعرف بالفترة الليبرالية التى سبقت ثورة يوليو لم تخل من تجاوزات شرطية ذات طابع سياسى ولكنها كانت مقصورة على فئة بعينها دون غيرها من السياسيين والمثقفين بينما ظل بقية الشعب المصرى بعيدا عن الممارسة السياسية ومن ثم عن الاصطدام بالبوليس السياسى بسبب الفقر والأمية.

وشهدت الحقبة الناصرية رغم إنجازاتها تغولا للأجهزة الأمنية، ومع مجيء الرئيس السادات استمر عمل جهاز المباحث العامة كما هو بعد تغيير اسمه الى (مباحث أمن الدولة) وازدادت صورة الشرطة سلبية بعد صدامها مع الجماهير فى 18 يناير. وبلغت العلاقة بين الشرطة والشعب أسوأ مستوياتها فى عهد الرئيس السابق مبارك فى ظل حالة الطوارئ.

وقد شهد العصر الملكى قبيل ثورة يوليو، ملحمة تاريخية غيرت طبيعة العلاقة بين الشرطة والشعب تغييرا جذريا بعد ما يعرف بموقعة الإسماعيلية فى 25 يناير 1952 التى راح ضحيتها خمسون قتيلًا وثمانون جريحًا من رجال الشرطة المصرية على يد جنود الاحتلال الإنجليزى بعد أن رفض فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية فى حكومة الوفد آنذاك تسليم رجال الشرطة سلاحهم وإخلاء مبنى المحافظة للاحتلال الإنجليزي. آنذاك قرر رجال الشرطة المحاصرون المقاومة؛ والتحم الشعب مع الشرطة الصامدة.

الشائع هو ارتباط عيد الشرطة باسم الرئيس الأسبق حسنى مبارك الذى قرر فى فبراير 2009 اعتبار هذا اليوم عطلة رسمية، ولكن الحقيقة أن أول من حدد هذا اليوم عيدا للشرطة هو الزعيم جمال عبد الناصر أول وزير داخلية لمصر عقب ثورة 23 يوليو الذى قال خلال احتفال ضباط البوليس فى يوليو سنة1954 ابتهاجا باتفاقية الجلاء «إننا كنا نرقب دائما أيام القتال كيف كان يكافح رجال البوليس العزل من السلاح رجال الإمبراطورية البريطانية المسلحين بأقوى الاسلحة وكيف صمدوا ودافعوا عن شرفهم وشرف الوطن. كنا نرقب كل هذا وكنا نحس فى نفس الوقت أن الوطن الذى يوجد فيه هذا الفداء وتوجد فيه هذه التضحية لابد أن يمضى قدما إلى الأمام. لابد أن ينتصر. لقد راقبنا معركة الاسماعيلية وكنا نتلظى فى الجيش، كنا نريد أن نفعل شيئا ولكننا فى تلك الايام لم يكن لنا حيلة، وكان هذا يدفعنا إلى الأمام بدفاعكم واستشهادكم فى الإسماعيلية»

ترى ماذا حدث فى موقعة الإسماعيلية: لقد رفضت قوات الشرطة المصرية تسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية. وأسفر الاشتباك بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية عن مقتل 50 شرطيًا مصريًا و80 جريحًا. وانتشرت الأخبار فى مصر كلها، واستقبل المصريون تلك الأنباء بالغضب والسخط، واختزنت الذاكرة الشعبية المصرية أسماء أبطال تلك المعركة: الملازم أول مصطفى فهمى رفعت والملازم أول عبدالمسيح مرقص والنقيب صلاح ذو الفقار والنقيب صلاح الدسوقى واللواء أحمد رائف والبكباشى شريف العبد، واللواء احمد حلمي، والبكباشى أحمد كامل، والملازم أول فؤاد الدالي.

وبدأ الصباح بحركة تمرد عمال الطيران فى مطار القاهرة ورفضهم امداد الطائرات البريطانية ما تحتاجه من وقود ثم بدأت الإضرابات تتوالى فى نفس اليوم، فخرجت مظاهرات الاحتجاج فى معظم مدن القطر المصرى وكانت المظاهرة العارمة فى القاهرة هى الأكثر حدة حيث خرج طلاب الجامعة فى مظاهراتهم صباح السبت 26 من يناير 1952 واشترك معهم جنود الشرطة وكلهم غضب لما حدث لزملائهم فى اليوم السابق، ولم يتدخل جنود الشرطة لتفرقة المظاهرات، بل شاركوا وهتفوا، وشاهدت جماهير القاهرة ما يحدث أمام أعينهم، فتزايدت الحشود ونمى حجم المظاهرات؛ وحدث حريق القاهرة الشهير الذى مازالت تفاصيله يكتنفها الغموض؛ وأعلنت حالة الطوارئ وحظر التجول ونزل الجيش إلى الشوارع لحفظ الأمن والنظام وظل إلى أن قامت ثورة يوليو.

من المفهوم أن تشهد المراحل الأولى لأى تغير جذرى نوعا من القطيعة مع الماضى بحيث يتصور رموز المرحلة أنهم بداية التاريخ وأن ما سبقهم كان سرابا؛ ولكن حين تستقر الأمور وتتزايد ثقة الثوار فى رسوخ ثورتهم يبدأ التصالح مع التاريخ فلا يجدون بأسا من الاعتراف بنقاط مضيئة فى تاريخ الوطن حتى لو كانت تنتمى إلى نظام ثاروا عليه

ترى هل آن الأوان للمصالحة بين عيد الثورة وعيد الشرطة؟

لمزيد من مقالات د. قدري حفني

رابط دائم: