رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

جهازنا المناعى .. الإصابة الأولى

ما كان لسرطان الإخوان والسلفيين، وكل من حمّلوا الأديان وجوهاً ليست لها أو منها، أن يسرى فى الجسد المصرى ويستشرى

وتتصاعد شراسة خلاياه السرطانية لتلتهم مقدرات الوطن، إلا لأن الظروف تهيأت لذلك بضعف ثم انهيار جهاز المناعة المصري، وبالطبع فلن أستطيع فى هذه المساحة المخصصة للمقال أن أتقصى بالتفصيل المراحل التى مر بها جهاز المناعة حتى تعطل عن مهمته. وأولا: فإننى أقصد بجهاز المناعة المصرى عوامل القوة والتماسك والتوازن فى التركيبة الحضارية والثقافية والاجتماعية لوطننا، وهى العوامل التى تتجلى آثارها فى فترات النهوض التى عرفناها منذ تاريخنا القديم إلى الحديث والمعاصر.

وثانيا: فإننى أذهب إلى أن أول إصابة أصابت جهازنا المناعي - فى نظري - كانت إخفاق محاولة الشيخ حسن العطار - الفقيه والرياضى والفلكى والأديب الذى تتلمذ عليه رفاعة رافع الطهطاوي- فى إصلاح وتطوير الأزهر عند بداية القرن التاسع عشر، وهى المحاولة التى عرض العطار تفاصيلها على والى مصر محمد على باشا الكبير، وما إن استكملا التصور النظرى حتى هاج عليهما المشايخ التقليديون آنذاك، ليتراجع الوالى والعطار وينشأ تعليما آخر موازٍيا، هو التعليم المدني، ممثلا فى المدارس التى أنشأها الباشا والبعثات التى أرسلها والخبراء الذين استقدمهم.. ومن هنا بدأت الازدواجية العميقة فى الفكر والثقافة، بل والوجدان المصري، بين متعلمين نشأوا وتخرجوا، وهم يدرسون المتون والحواشى والحواشى على الحواشي، ويعمدون إلى الحفظ والاستظهار نظراً لتعقد المادة المدروسة، وأدى ذلك إلى تقديس النصوص البشرية، وبالتالى إلى إنزال أصحابها منازل تكاد تقترب من مكانة الكهنوت فى أوروبا العصور الوسطى، وكان الأصل فى الحفظ والاستظهار هو إقبال المجتمع على الدفع بأبنائه وبعض بناته إلى الكتاتيب، ليكون أول ما يتلقونه هو حفظ القرآن الكريم، حيث لكل طفل لوحه ومحبرته وقلمه البوص، ويقرأ شيخ الكُتَّاب أو مساعده «العريف» النص المطلوب حفظه، ثم يكتبه المتلقون ويبدءون فى ترديده جماعيا مع التمايل أماما وخلفا، ويعيدون الأمر فى منازلهم، وكثيرا ما ينبغ الصغار فى إظهار ملكة الحفظ والتسميع ويتمون حفظ الكتاب كله فى سن السابعة أو الثامنة، دون أن يفقهوا فيه أو عنه جملة واحدة.. وكان النبوغ يتجلى أكثر وأكثر عندما يمتحن الصبى أو الصبية ويعمد الممتحن إلى أن يتنقل به بين الأجزاء والأحزاب والأرباع والأعشار فى قفزات سريعة كأن يطلب إليه أن يبدأ بأول البقرة، ثم يأمره أن يصدق بصدق الله العظيم ليقفز به إلى الربع الأخير من السورة أو إلى آية بداية من السور البالغ عددها 114 سورة.

ولذلك كان الحفظ فى المراحل اللاحقة بالابتدائى الأزهرى والثانوى آنذاك - ثم الشريعة أو أصول الدين أو اللغة العربية وهى الكليات الرئيسية فى ذلك الزمان- هو الأساس وهو الكفيل بالنجاح، لأن العجز عن فهم نص متن أو حاشية كتبا بلغة صعبة تحمل مضامين أكثر صعوبة يؤدى إلى حفظه كما هو.. وقد كنت عندما أسأل أبى حامل العالمية مع تخصص التدريس من كلية الشريعة فى الأربعينيات عن أمر ما ينصت قليلا، ثم يستدعى النص من ذاكرته فيردده همسا أو جهرا حتى يصل للنص أو المسألة المثارة، وكأنه يستدعى ألفية ابن مالك، وحاول تحفيظها لي، ويستدعى ابن عقيل والأشمونى وغيرهما، وعلى الجانب المقابل فإن التعليم المدنى الذى أنشأه الباشا التزم بقواعد التعليم السارية فى البلاد التى سبقت فى المضمار، وكانت العلوم التى تدرس فى التعليم العام أو المتخصص كالطب والهندسة وغيرهما خاضعة بدورها لمناهج البحث العلمي، بما تحويه من أدوات وطرائق للتفكير، على رأسها أن كل شيء نسبى إلى آخره.

نعم انقسم مجتمعنا حتى فى الملبس بين الجانبين الأزهر بالجلباب أولا ثم الجبة والقفطان و»الككولا» والعمامة ذات الزر أو بغير زر وذات الشال الكبير الملفوف على طريقة الأفغانى أو الشال الأكثر حبكة وله شراشيب صغيرة تلتصق بالطربوش الأحمر، فيما الأفندية بالقميص والبنطال الطويل أو الشورت والحذاء والجوارب ثم الطربوش على الرأس!

هذه هى أول إصابة أصابت فى نظرى جهازنا المناعي، لأنها حرمت الأمة من بناء ثقافى مشترك فى أسسه ومراميه، وإن تعددت مدارسه ومناهجه وظل الأمر قائما حتى جاءت محاولة العلاج الأولى فى زمن جمال عبد الناصر، بما سمى تطوير الأزهر، ولم يكن هذا اجتهادا منه بل إن بصمات رواد مثل البهى الخولى والبهى قرقر وشلتوت والمدنى وأبى العيون وغيرهم ممن لا تحضرنى أسماءهم وأدوارهم الآن كانت من وراء الأمر، إضافة إلى أمر شديد الأهمية، وهو أن مصر كانت تحتاج أدوات نوعية متميزة فى مواجهتها للاستعمار القديم فى القارة الإفريقية تحديدا، حيث كان المستعمرون يدفعون بالمبشرين الذين كانوا جميعا من المتخصصين فى الطب وفى الأحياء والإنثروبولوجى وغيرها ليقدموا خدماتهم للشعوب الإفريقية، وهذا يسهل كثيرا التبشير بالبروتستانتية أو الكاثوليكية، ويربط الأفارقة بالدول والمجتمعات الاستعمارية، لأن ثقافتها ومذهبها الدينى ولغتها انتشرت من خلال الخدمات والمواعظ، وكان محتما أن ينشأ جيل من علماء الدين المسلمين يذهبون بدورهم كأطباء ومهندسين ومتخصصين فى أكثر من فرع تسندهم إذاعات مصرية موجهة بلهجات القبائل الإفريقية، مما خلق لمصر رصيدا ذهبيا لعن الله من بددوه.. لكن للأسف باءت تلك المحاولة بالإخفاق ولم تستطع أن تبدد تلك الازدواجية الحادثة حتى الآن، والتى تتفاقم آثارها السلبية المروعة فى فترات الاضطراب أو الاضمحلال أو الانحطاط، مع توضيح لازم وهو أن الشعوب لا تنحط وإنما ظروفها هى التى تنحط؛ فتنعكس عليها وتستنفر عوامل التحلل والتفتيت.

إن ازدواجية التعليم ومن ثم الثقافة ومن ثم الوجدان هى أم كل التصادمات الواضحة الآن بين الثنائيات إياها كالدين والعلم، والأصالة والمعاصرة وهلم جرا مما كثر الحديث فيه، وسوف تبقى الإصابة الأولى التى ضربت جهازنا المناعى فاعلة فعلها لنراها حادة ومزمنة فى أوقات كثيرة.. ولن يكتب لنا أن نستعيد مناعتنا طالما بقيت الإصابة الأولى، إذ لا مخرج إلا بتعليم مصرى واحد، وعلى من يريد أن يتخصص فى العلوم الدينية أن يذهب إلى كلية للدراسات العليا بعد أن يكون حصل على الدرجة الجامعية من الجامعات المدنية، وعليه أن يعد نفسه الإعداد الجيد بحفظ القرآن وفهمه أولا، وبعدها فليتلقى من المتون والحواشى ما يريد، لأنه عندئذ سيكون مسلحا بالعقل النقدى الواعي.. وللحديث صلة حول جهاز المناعة المصري.

لمزيد من مقالات أحمد الجمال

رابط دائم: