رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصر فى عين الشمس

أقتبس عنوان هذا المقال من كتابى الذى صدر عام 2015 عن مركز الأهرام للنشر بعنوان «مصر في عين الشمس: التحولات الثقافية في مجتمع ما بعد الثورة».

وقد صدرت الكتاب بمقدمة قلت فيها «لم لا تكون مصر في عين الشمس وقد قام الشعب بثورة فريدة في التاريخ العالمى المعاصر حين خرجت مجموعة رائدة من النشطاء السياسيين في مظاهرة احتجاجية محدودة إلى ميدان التحرير في 25 يناير لكى تحتج على الديكتاتورية والفساد وخرق حقوق الإنسان وإذا بملايين المصريين يلتحمون بهذه المظاهرة وتنقلب هذه الموجة الاحتجاجية إلى ثورة شعبية عارمة» ولم يكتف الشعب بهذه المبادرة التاريخية الجريئة بل إنه واصل الاعتصام في ميدان التحرير ثمانية عشر يوما كاملة رافعا شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» حتى سقط النظام السلطوى العتيد الذى استمر ثلاثين عاما كاملة بعد قرار الرئيس السابق «محمد حسنى مبارك» تنحيه عن السلطة وتسليمه مقاليد البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وهذه الفقرة تتضمن في الواقع تحليلا علميا دقيقا لما حدث بالفعل في 25 يناير، وذلك لأن مبادرة النشطاء السياسيين الذين نجحوا نجاحا فائقاً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعى في التشبيك الالكترونى ودعوا إلى المظاهرة الاحتجاجية التى لم يكونوا واثقين من نجاحها، ولا من الأعداد التى ستلبى النداء وتنزل إلى الميدان.

والواقع أن هؤلاء الشباب فوجئوا كما فوجئ العالم أجمع- بأن الملايين اندفعت إلى ميدان التحرير لإسقاط النظام القديم، وهكذا تحولت المظاهرة الاحتجاجية المحدودة إلى ثورة شعبية حقيقية تطالب بالخبز والحرية والكرامة الإنسانية.

غير أن من دعوا للمظاهرة الاحتجاجية لم يكن لهم قادة معروفون، ولم يكونوا يمتلكون رؤية محددة للمستقبل، وفى نفس الوقت فإن الثورة الشعبية التلقائية التى استجابت لنداء المظاهرة لم تكن لها زعامة، ولذلك انتقلت السلطة بعد تنحى مبارك إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذى وقعت على عاتقه مسئولية تاريخية ثقيلة حقا تتمثل في إدارة شئون البلاد إلى أن يظهر نظام سياسى جديد.

ولسنا في حاجة إلى سرد عثرات هذه الثورة الشعبية التلقائية والتى أدت في الواقع إلى اختلاط الثورة بالفوضى العارمة، لأن الصراع السياسى العنيف سرعان ما بدأ بين تيارات الإسلام السياسى المتعددة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ذات التنظيم الحديدى وجحافل السلفيين الذين رقدوا في الكهوف سنين يزيفون فيها وعى الجماهير الأمية الفقيرة بتأويلاتهم الدينية المنحرفة. ولكنهم سرعان ما خرجوا إلى ساحة السياسة -بالإضافة إلى حركات إسلامية فوضوية عبرت عنها حركة «حازمون» بقيادة الشيخ «حازم أبو إسماعيل»- وهذا المعسكر الإسلاموى الحاشد وقفت إزاءه قوى ليبرالية مفككة، وجماعات متشرذمة من الناشطين السياسيين الذين شارك بعضهم في تنظيم المظاهرة الاحتجاجية.

ونجحت جماعة الإخوان المسلمين عبر سلسلة من الخطوات كان أولها الاستفتاء الشهير حول «الدستور أولا» أم الانتخابات أولا في أن تفرض أن تجرى انتخابات برلمانية قبل وضع دستور جديد. وهكذا استطاعت في غيبة الأحزاب السياسية الليبرالية والتنظيمات الثورية للناشطين السياسيين أن تكتسح مجلسى الشعب والشورى بالاشتراك مع السلفيين. وسرعان ما نجحت أيضا عبر تحالف مشبوه مع فئة من الليبراليين المغيبين في القفز إلى منصب رئيس الجمهورية وهكذا اكتملت للجماعة السيطرة المطلقة على مفاصل النظام السياسى المصرى، وبدأت على الفور في تنفيذ مخططها في أخونة الدولة وأسلمة المجتمع.

وقد عملت جماعة الإخوان بدأب شديد لتدمير وزارة الداخلية والنيل من قوات الشرطة، كما أنها استهدفت المؤسسة القضائية أولاً بمحاولة إلغاء الأحكام التى صدرت ضد التجاوزات الدستورية والقانونية للرئيس المعزول ومجالسه المنتخبة الباطلة، وثانياً من خلال السيطرة على المحكمة الدستورية العليا لفصل المستشارين الذين لا ترغب فى وجودهم، وأخيراً فى التفكير لتحديد سن المعاش للقضاة بما لا يزيد على 70 عاماً وبالتالى فصل ما لا يقل عن 400 قاض لتحل محلهم مجموعات كبيرة من المحامين الإخوان، حتى تسيطر على أحكام القضاء باتجاهاتها المتطرفة.

وكانت تعد العدة للانقضاض على القوات المسلحة، وخصوصاً بعد أن وقفت قياداتها معارضة للتوجهات المنحرفة للرئيس المعزول فى مجال الأمن القومى المصرى، والتى تتمثل فى محاولة كف يد القوات المسلحة عن التعامل المناسب مع القوى الإرهابية فى سيناء، بالإضافة إلى إصداره مئات القرارات الرئاسية بالعفو عن مجموعات واسعة من الإرهابيين الذين عادوا للإرهاب مرة أخرى فور الإفراج عنهم.

ومعنى ذلك أن الخروج الشعبى الكبير فى 30 يونيو والقرارات الحاسمة للقوات المسلحة بقيادة الفريق أول «عبد الفتاح السيسى» فى 3 يوليو أنقذت مصر من كارثة كبرى كادت تطيح بالدولة وبأركانها الثابتة وبمؤسساتها الرئيسية الراسخة.

ومن ثم يمكن القول بكل موضوعية أن خروج الملايين فى 30 يونيو -والذى كان انقلاباً شعبياً بحق ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين الاستبدادى وتوجهاته الخطيرة التى لا تؤمن بالوطنية ولا باحترام حدود الدولة ولا بأهمية الحفاظ على مؤسساتها- يعد فى الواقع تصحيحاً لمسار التاريخ.

والواقع أن الموجة الثورية في 30 يونيو تعتبر بعد إعلان خارطة الطريق وتنفيذها بمراحلها الثلاث وهى وضع دستور جديد وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل مجلس نواب جديد بداية مرحلة ديموقراطية مصرية أصيلة. وبذلك تحولت مصر كما قال الرئيس «السيسى» بدقة في خطابه للأمة بمناسبة ذكرى 25 يناير من «دولة الجماعة» إلى دولة المجتمع ككل بكل أطيافه ومكوناته في ضوء مبدأ المواطنة الذى حفظ تماسك المجتمع المصرى عبر القرون.

وهكذا تجددت الدولة بعد أن عادت الدولة التنموية لتجعل تخطيط التنمية المستدامة هو شاغلها الأول لصالح الجماهير العريضة في ضوء التأليف الخلاق بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وفى الوقت الذى تشق فيه الدولة المستردة طريقها بجسارة في مجال التوازن في السياسة الخارجية، وافتتاح عصر المشروعات القومية الكبرى لتحقيق العدالة الاجتماعية نجد الأحزاب السياسية القديمة والجديدة عاجزة عن بلورة رؤيتها للتنمية المستدامة. وفى نفس الوقت تكتفى بعض شراذم المثقفين والكتاب في نقد النظام السياسى الجديد بزعم أنه لا يمتلك رؤية متكاملة. ويبقى السؤال ما هى الرؤية السياسية التى يمتلكها هؤلاء والتى يمكن أن تساعد القيادة السياسية على بلورة الأهداف وتحقيق النتائج المرغوبة.؟ آن الأوان لكى تتجدد النخبة السياسية والثقافية لكى ترتفع لمستوى التحديات التى تواجه المجتمع المصرى.

لمزيد من مقالات السيد يسين

رابط دائم: