رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الإسلام دين العالم بالعقل

أقتنع بفكرة قامت عليها فلسفة ما بعد الحداثة، أن المعرفة قد تعوق المعرفة، فهناك معارف من مصادر عديدة لا يقرها العلم الحديث، بقوانينه الصارمة في البحث والتحليل والاستنتاج، فعندما أقلب في كتب جدي الصفراء، فضيلة الشيخ (بدوي سيد أحمد)، أجد فيها الكثير مما يلهم العقل ويريح النفس، ففيها قرأت بأنه ورد في الخبر عن رسول الله (ص) أنه قال: أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال له اقعد فقعد، ثم قال له انطق فنطق، ثم قال له اصمت فصمت، فقال وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي وسلطاني وجبروتي، ما خلقت خلقا أحب إلي منك، ولا أكرم علي منك، بك أعرف، وبك أحمد، وبك أطاع، وبك آخذ، وبك أعطي، وإياك أعاتب، وبك الثواب، وعليك العقاب، وما أكرمتك بشيء أفضل من الصبر!

رغم أن ما يرد في الخبر يعتبر من المرويات، التي تحتمل الصدق والكذب، ولا تحمل تأكيداً مثل الأحاديث المؤكدة، فإن هذا الخبر يحمل دلالات ومعاني عميقة الأثر في تمجيد العقل، بطريقة رمزية موحية، فالعقل هو المخرج الوحيد للمأزق التاريخي الراهن للإسلام كدين، وللمسلمين الذين تجري دماؤهم أنهارا بعد أن بلغ السيل الزبي، بسبب الخرافات المنافية للعقل!

أهمية هذا الخبر، لا فيما يعنيه عن أهمية العقل فقط، ولكن في جمالياته الفنية التي توضح أن العقل نسبي، يقوم ويقعد ويقبل ويدبر وينطق ويصمت حسب مقتضيات الخير والحق والجمال، حيث وجه الله الكريم، فالعقل في العقيدة الإسلامية أمر أساسي، في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف، ولا يذكر في القرآن الكريم إلا في مقام التعظيم، فيتكرر في جميع أمور النهي والأمر، وقد بلغ السيل الزبي بحال العرب جميعا، لقصور العقل في ثورات فوضوية، تبنتها نخب قاصرة، إما بالعمالة، أو بغياب العقل! فلم تكن الأنظمة السابقة أفضل ما يتمني الناس، ولكنها بالعقل أفضل ما أمكن إنتاجه من الواقع الاجتماعي، الذي يعج بالأيديولوجيات المتعصبة، دينية ومذهبية وعرقية وطائفية، وتم فرض الحداثة علي التكوينات الاجتماعية، لتعيش في إطار الدولة الحديثة، وتتعالي عن الأحقاد الأيديولوجية المتعصبة، وحققت تقدما اجتماعيا تم نسفه بإطلاق الوحش الطائفي الإجرامي، لتبدأ المذابح الطائفية المتبادلة، التي تقذفنا بها جميع وسائل الاتصال، لتعلن نهاية العراق وليبيا واليمن، وخراب سوريا المستباحة بأيدي أبنائها، ففريق يرحب بتدميرها بالطيران الأمريكي والفرنسي والتركي، ويدين الروسي والإيراني، والعكس بالعكس!والضحية الشعب الممزق بين الصراعات الأيديولوجية المتخلفة، التي لا هدف منها إلا مصالح السيطرة علي الحكم، لانجاة لهذا البلد المنكوب إلا بدولة عصرية حديثة، تنفض عنها غباء الأيديولوجيا، وإبعاد النخب الانتهازية المجرمة، ولعل الشعب السوري يخرج من هذه المحرقة، أشد قوة وشبابا، كالطائر الشهير في الأساطير (الفينيق)، فما نعيشه أشد هولا من الأساطير، بسبب قصور العقل المدرك، الذي يناط به الفهم والتصور لعواقب الأمور، فما أحوجنا إلي بعد نظر عمرو بن العاص السياسي البارع، الذي قال لابنه: سلطان عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم! إنها النسبية يامخربي الأوطان وأدوات الاستعمار!

الاستعمار له أوجه عديدة لتحقيق مصالحه في النهاية، بالاحتلال المباشر المكلف أو بالهيمنة السياسية والثقافية والمعرفية، وبالهيمنة المعرفية استطاع تجنيد عملاء يعملون لمصلحته، لا لمصلحة أوطانهم وشعوبهم، ويتلاعب بالزعماء ليورطهم في إراقة الدماء العربية بالأيدي العربية، بالغواية كما فعلوا مع (صدام حسين) بغزوه الكويت، أو في سوريا حيث يوضع النظام في مأزق، بين القضاء علي الميليشيات المسلحة التي تتخذ من المدنيين رهينة، أو ترك الدولة تنهار، وتذهب لمصيرها المحتوم ، للفوضي والتقسيم! الكارثة وقعت علي كل الأحوال، ولم يبق منها إلا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فعلي أي نظام حاكم أن يتحامي في شعبه، بإطلاعه ــ قدر الإمكان ــ علي المخططات المحبوكة والمسبوكة لتدمير المجتمعات، وتفعيل مسار كبار مفكرينا، الذين رسموه بناء علي تفكيرهم العقلاني المنضبط بالواقع والمثال، فالإنقاذ الوطني والعربي والإسلامي مرتبط بمنهج ثقافي دائم، تلتزم به جميع مؤسسات الدولة التعليمية والرياضية والشبابية بنشر الفكر العلمي والعقلاني لطه حسين رائد الكوكبة العقلانية العربية، الذي رأي ما لا يراه الدوجمائيون،الذين نشروا بغوغائيتهم حكم الفرد، وكرسوا للسلطة الأبوية المستبدة، أودوجمائية من عادوا للكتب الصفراء، لا للاستفادة منها بأدوات العقل، بل كبضاعة يغررون بها الشباب المندفع والعاطل، ويسوقونها علي أنها العلم الموثق! مع أنها اجتهادات عقلية تحتمل الخطأ والصواب، مما أحدث صدمة عقلية دفع فيها المسلمون ثمنها من دمائهم، فانفض التيار العام للمسلمين عن تجار الدين، الذين لم يعودوا يملكون إلا البذاءة، للدفاع عن علمهم الهش المزعوم، فقضوا ببذاءتهم علي ما تبقي من عطف علي خيبتهم!

ومن أفضل ما ينفعنا به الفكر العقلاني ما طرحه الأستاذ (محمد فريد وجدي) في مؤتمر الأديان بباريس 1906، الذي عرض فيه الإسلام دينا أصليا جامعا لكل الأديان، فهو الدين الجامع، الذي يحترم جميع العقائد، وجامع لأرواح الكل، فالكتب الصفراء اجتهادات أسلافنا القيمة التي يجب تناولها بعقلانية تستفيد من الماضي والحاضر لتنزع غباء الأيديولوجيا المتعصب، فتجعل من الإسلام دين العالم بالعقل. وللحديث بقية

لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: