رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الخروج من المأزق

تزدهر الحرية عندما تصبح السياسة للجميع، ضمن فضاء عام يسوده الوعى وتظله المسئولية، بما يفترضه ذلك من خلاف ممكن، وتعدد فى الرؤي، يظل مقبولا طالما خضع للمقدسات والمحرمات الوطنية التى يعلو منطقها على منطق الفئة أو الطبقة أو الطائفة أو العرق أو الاقليم الجغرافي، فتعدد الفاعلين يبقى مطلوبا ليكون ثمة «حرية»، مثلما يظل التوافق الوطنى حتميا لتبقى هناك «دولة»، وبغير تعدد فى إطار التوافق إما أن تموت الحرية أو تذوى الدولة.

ولأكثر من ستين عاما عاشت الحرية فى مصر مأزقا كبيرا، بفعل الهيمنة السلطوية على العملية السياسية رغم الحيوية الفائقة للعهد الناصري، والتحولات الدرامية للعهد الساداتي. وأما فى الثلاثين عاما الأخيرة، فقد بدت المشكلة أكثر عمقا من قضية الحرية، وأصبحت هى قضية السياسة نفسها، التى دخلت تدريجيا فى حال موت سريري، تراجعت معه حيوية الدولة وآلت إلى ركود عميق، أشرفت عليه هيئاتها التنفيذية وأجهزتها الأمنية وبيروقراطيتها العتيقة، التى قضت على السياسة كفعل خلاق، وأبقتها فقط كفعل روتيني، يقوم على تنفيذ اللوائح وتمرير الأوامر من أعلى إلى أدني، حيث كانت القوانين المصيرية تصدر فى غمضة عين، أو ظلمة ليل كالح، بعد فاصل من تصفيق حاد من نواب حزب مهيمن تصوت أغلبيته بشكل ميكانيكي، دون أدنى تعاطف مع تصورات الأقلية الرافضة لها ولو لمرة واحدة فى أى قضية مهما كانت جماهيرية، رغم أن القانون، أى قانون، لا يعدو أن يكون آلية تنظيم للحياة فى كل مجال، لابد أن يحظى بالتراضى العام، الذى يفرض على من يصدروه أن يراعوا مصالح جميع الأطراف المعنية به.

أدى تغول الدولة على المجتمع، وهيمنة البيروقراطية على السياسة لفترة طويلة من الزمن، إلى نوع من التعفن السياسي، مثلما يحدث لأى مادة يطول تخزينها فى قاع صندوق بعيدا عن الشمس والهواء. وعلى رغم هبوب عاصفة الثورة بموجتيها، لم تتحسن الأوضاع بل تعمقت الأزمة، حيث أدى عدم الاستقرار الأمنى إلى زيادة الانحطاط القيمى والأخلاقي، مثلما أفضى التراجع الاقتصادى إلى انفجار ظاهرة الفساد المالى والإداري، ومن ثم تحولت الأزمة الاقتصادية قبل 25 يناير، إلى أزمة حضارية شاملة فيما بعده، تعكسها ثلاث ظواهر راهنة:

أولاها حجم الإهمال والتراخى الكامن خلف الكوارث التى صارت تصفعنا يوميا وفى كل مكان، ناهيك عن حجم التعديات على القانون فى شتى الصور وعلى كل الأصعدة، ما يشى بأن أحدا لم يعد يؤدى عمله ولو بدرجة متوسطة من الإتقان. وثانيتها العجز البادى فى عدد القيادات التى يتوفر لها الطهارة مع المهارة، حتى صار العديد من المسئولين يستندون فقط إلى طهارة اليد باعتبارها عملة نادرة يتم التضحية لأجلها بكل المؤهلات الأخري. وثالثتها التراجع الأخلاقى بين كل طبقات المجتمع، حيث تسود قيم كالاستعلاء واللامبالاة والبذخ والأنانية بين الطبقة العليا. بينما يسود الصراع والتطاحن على التعامل بين فئات الطبقة الوسطى بفعل مشاعر القلق إزاء احتمالات الهبوط الاجتماعى إلى الطبقة الدنيا، وهو أمر حدث فعلا لشريحة يعتد بها. وأخير تسود مظاهر السلوك المبتذل والقسوة المفرطة، وضمنها الجرائم الأخلاقية الشاذة، وصولا إلى قتل الآباء والأمهات والجدات، بين الطبقة الدنيا خصوصا بين المهمشين وساكنى العشوائيات.

والواقع أن مصر، منذ الثورة الصناعية على الأقل، لم تكن بلدا غنيا أبدا، فلا هى حاضنة كبرى للموارد الطبيعية، ولا هى مالكة أساسية لزمام التكنولوجيا الحديثة. غير أنها لم تكن بلدا متخلفا بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث أخذت تكتست قيم الحداثة الثقافية منذ القرن ونصف القرن، واستوت لديها منذ القرن تقريبا طبقة وسطى حضرية دعمت حركتها نحو التمدن الذى نالت منه قسطا كبيرا بحسب العديد من المؤشرات المرعية وبالقياس حتى إلى كثير من البلدان الأغنى منها. هذا التمدن، هو ما تكاد تفقده مصر الآن، بفعل اضطراب شخصيتها الحضارية بين من فقدوا قيمهم الحديثة الراقية، ومن فقدوا قيمهم الأصيلة الموروثة، كالمروءة والشهامة، وأيضا بفعل انفجار العشوائية التى لم تعد قصرا على مناطق بذاتها تحمل هذا الاسم المشين رسميا، بل امتدت إلى شتى مجالات الحياة بها، فصار الناس يتحاورون صراخا فى الشوارع والطرقات وحتى فى المنتديات التى كانت راقية. ويسيرون وكأنهم فى حال عراك سواء على أقدامهم أو حتى فى سياراتهم الفارهة المشتبكة مع المشاة والتروسيكلات والتوك التوك فى فوضى عارمة لا تليق بعاصمة عريقة. كما يسلكون كسلا فى أماكن العمل، وفوضويا فى أماكن الترفية. ويقتاتون على ثقافة عشوائية، إذ ينصتون إلى برامج تافهة تدعوإلى الشعوذة وتمارس الفضائحية، كما يشاهدون دراما سخيفة تروج للبلطجة والفهلوة، لا تعيد تمثيل حياتهم الرثة بقدر ما تغذيها بالقبح والعنف.

لا يكفى لتجاوز هذا الوضع اعتماد المداخل التقليدية التى يجرى الآن توظيف اثنين منها لا علاقة لهما بأصل الداء: الأول هو إطلاق دعوات أخلاقية على منوال تلك التى توجه بين حين وآخر وتدعو أفرد العائلة إلى الالتزام والجدية فى مواجهة الصعوبات. والثانى هو الاستعاضة عن قطاعات الخدمات العامة المهترئة بقطاع الخدمة المدنية بالجيش، وصولا إلى حد توفير السلع الغذائية فى الأسواق، وأما طريق الخروج الوحيد من المأزق فلابد وأن يبدأ من النقطة نفسها التى قادت إليه، على أن تكون الحركة فى الاتجاه العكسي، أى على طريق الحرية وليس الاستبداد، تجاوزا لحال الانحطاط والنهوض من حال الركود. ولا سبيل إلى ذلك إلا باستعادة السياسة إلى قلب المجتمع وبثها فى كل شرايينه، من خلال تعميم آليات الرقابة والتوازن فى كل مناحيه، وانتهاج آلية الانتخابات لتنشيط الارادة لدى مواطنيه، وذلك على جميع الأصعدة بدءا من أعضاء البرلمان على المستوى الوطني، وصولا إلى العمد فى القري، مرورا بالمحافظين، ورؤساء مجالس المدن، والمجالس المحلية، بل ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات ولكن من بين أصحاب سير ذاتية محترمة تعتمدها لجان علمية محايدة ليكون الاختيار من بين أكفاء.. وهكذا من ممارسات تعيد تجذير السياسة فى المجتمع، والحرية فى النفوس، وحس المسئولية لدى الجميع، تجاوزا لحال الترهل الإدارى والجفاف الأخلاقى الذى يكاد يودى بنا إلى مهاوى الانحطاط الحضاري.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: