رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

القبائل الثقافية والصراع على الخطاب الدينى

أكدت محنة إسلام بحيرى ملمحا ثقافيا طالما عانينا منه، وهو الانحياز الأعمى للهوى الإيديولوجى بين المختلفين حيال معظم القضايا، وهو أمر لا يساعد على الخروج من واقع الاستقطاب المهيمن على مجتمعنا بل يزيد من حدته إلى حد يجعل كل نقاشاتنا أشبه بمباراة صفرية لابد وأن تنتهى بمنتصر ومهزوم؛ ولأن الهزيمة والانتصار يصعب تعريفهما فى دنيا الأفكار، تحولت حواراتنا إلى سجال عبثي، سرعان ما يعود كل طرف فيها إلى موقعه المسبق من دون أن يغير من قناعاته شئ، ولا من قناعات محاوره قيد أنملة، ولذا بقيت جل خطاباتنا الفكرية عاجزة عن انجاز أهدافها حيث الجزء الأكبر من طاقة كل تيار يُستهلك فى مواجهة التيارات الأخرى وليس فى مواجهة التحديات التى تواجهنا.

فى تلك المحنة تحديدا، تبدى الاصطفاف واضحا بين تيار تقليدى يقع الأزهر فى قلبه، يرفض أفكار الرجل وأسلوبه معا، ويفرط فى توجيه ما عن له من اتهامات أودت به إلى سجن نرجو خروجه منه. وبين تيار مدنى يدافع عن أفكاره وأسلوبه معا، ولا يرى فى الأمر سوى معركة حول حرية التعبير، إما أن يخسرها كاملة أو يكسبها كلية من دون مراعاة لمتدينين كثر رأوا فى أسلوب بحيرى ما يخدش شعورهم. وهكذا سلك الناس عموما، والمثقفون خصوصا، منطق نصرة الأخ ظالما أو مظلوما، مثلما كان يحدث فى بلدتى الصغيرة منذ زمن طويل حينما كان الناس يسمعون صراخ النساء وعويلهم، وتتوارى الأخبار عن أن عائلة فلان تتشاجر مع عائلة علان، فيسرع الجميع إلى المشاركة كل بجانب العائلة التى يرتبط بها دما أو نسبا من دون أن يعرف سببا للعراك، فالمهم أن ينتصر أولا لأقربائه وأنسبائه وليأتى الفهم تاليا، ربما فى التحقيقات العرفية التى كانت تجرى بعد ذلك.

إنها الروح القبلية «التقليدية» التى يستعيدها مفهوم الإيديولوجيا «الحداثى» باعتباره نسقا تراتبيا للأفكار ينتظم فى هيكل واضح وظيفته تفسير العالم، وإمداد معتنقيه بأجوبة جاهزة ومريحة عن كل الأسئلة التى يواجهونها من دون عناء التفكير الدقيق والتحليلات المرهقة ومشقة البحث عن الحقيقة المعقدة، وباعتباره أيضا آلية حشد لبشر كثيرين مختلفين ربما فى كل شئ آخر، إذ تضع الإيديولوجيا الفرد فى مركب واحد مع المجموعة البشرية التى تشاركه الاعتقاد نفسه، لتصنع من الجميع تكتلا بشريا متناغما ينتظمه مع الآخرين، كما كانت القبيلة تنتظم الفرد فى روح جمعية طوال العصور القديمة. فالإيديولوجية، خصوصا المتطرفة فى أحاديتها وجذريتها، ليست إلا النزعة القبلية المضمرة فى فكر الحداثة، والتى يقع فى أسرها كثيرون ممن ينتمون إلى التيار المدنى ويدينون بالثقافة الحديثة، بفعل تغليب المكون الايديولوجى على المعرفى، مثلما يقع فى أسرها المنتمون إلى التيار الدينى بفعل تغليب المكون الإيديولوجى على المكون الروحي. وأغلب الظن أن قضية إسلام بحيرى لم تكن لتأخذ هذا المدى لو أن الطرفين المتصارعين حولها امتلكا قدرا من الحس النقدى وبعضا من روح الانصاف.

كان ممكنا آنذاك للتيار المدنى أن يدرك ببساطة أن اسلام بحيري، ليس المجدد الذى يصلح رمزا لمعركة حول حرية التفكير والتعبير، إذ يفتقد للبناء المعرفى النظرى الرصين، الذى يتجاوز مجرد دراسة كتب السنة النبوية ومدونات الحديث الكبرى إلى ضرورة الفهم الواسع لتاريخ الدين وفلسفته، وللتحولات الكبرى فى العلوم الإنسانية والاجتماعية، فهذه العدة النظرية هى التى شكلت جوهر ما أسمى فى التاريخ الغربي، مثلا، بالنقد الرفيع للكتاب المقدس، وهو نقد معرفى تاريخى استفاد من كل العلوم الإنسانية الحديثة فى إعادة فهم وتأويل النصوص المقدسة. إنها العدة التى افتقد إليها إسلام، وحاول التغطية عليها بأسلوب خطابى زاعق، ما يجعل منه لا المفكر الحداثى المعادل للفقيه الديني، بل الداعية المدنى المعادل لدعاة التأسلم الذين ظهروا على الفضائيات وراجوا فى الاعلام عبر العقدين الماضيين، بفعل التدهور التعليمى الشديد، والذبول الثقافى الفاضح، وهيمنة العشوائية على كل مناحى الحياة. ولعلى لا أبالغ فى القول بأن إسلام هو ذلك الشخص المثالى الذى يريده الأزهر ويحلم به المتأسلمون، فالخطاب الذى طرحه يسهل تخطئته ولومه وتجريسه وتنفير عموم الناس منه، باعتباره التجديد الذى يعنيه (العلمانيون)، والذى لا يكون إلا على هذا النحو من شتم الأئمة، وسب الفقهاء.

وفى المقابل كان واجبا على التيار الدينى احترام قواعد الجدل الثقافى مع المختلفين، والتوقف عن آلية اللجوء إلى محاكمة المجتهدين، فالمجتهد له أجر وإن أخطأ. ومن ثم كان على مؤسسة الأزهر أن تكتفى برفض خطاب إسلام الزاعق، وأن تتعاطى موضوعيا مع أفكاره، فلا تصدرها إلى العموم باعتبارها هزا لثوابت الدين، رغم أن إسلام لم يقم ولا يستطع، حتى لو أراد، هز ثوابت الإسلام. كما صار واجبا عليها أن تتعامل بروح نقدية مع مفاهيم كالعلمانية بمستوياتها المختلفة، والتنوير بتياراته المتباينة، والدولة المدنية بطبيعتها الرائقة، كشفا لحدود المقبول والمرفوض من بينها جميعا، فعندئذ يمكن للجدل الفكرى أن يتقدم خطوة كبيرة نحو توافق عام، بدلا من التمترس خلف مواقف راسخة تدعى بأن فلسفات التنوير تعادى الدين حتما، وأن العلمانية تمثل خطرا على الإيمان دوما، الأمر الذى يبرر لديهم غلق باب التجديد بالكلية، ونفض أيديهم من القضية، فلا هم قاموا بالمهمة المفترض نهوضهم بها ولا هم تركوا غيرهم يقوم بها.

ومن ثم تفرض المسئولية الوطنية على الجميع، فقهاء تقليديين ومثقفين تنويريين، التوحد فى رفض الخطابات الزاعقة على الجانبين، فلا أساليب مبتذلة فى الدعوة إلى التجديد، ولا تضامن آلى مع أمثال ذلك المأفون الذى اعتبر الأزهر مؤسسة إرهابية يجب مقاضاتها أمام المحاكم الدولية، فى موقف يشى بانعدام المسئولية الوطنية ناهيك عن الضحالة المعرفية. وفى المقابل لا تكفير لدعاة التجديد المستنيرين حقا، ولا مطاردة قضائية للمجتهدين أبدا، بل التعاطى الفكرى الخلاق مع جل القضايا الفكرية المثارة، حيث التوافق يظل ممكنا بين العقلاء ولو اختلفت تصوراتهم ما دامت الحقيقة هى ديدنهم. أما التمترس خلف المواقف الثابتة وإطلاق مدافع الاتهامات على الجانبين فلن يحل أزمة إسلام، بل سيخلق عشرات الأزمات التالية للإسلام، وما أخشاه حقا أن يكون ذلك هو الهدف غير المعلن لقبائلنا الفكرية، التى لا ترغب فى تجاوز صراعاتها الكبرى بل فى الاعتياش عليها والرقص على دقات طبولها.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: