رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حمادة إمام: الرياضة والأخلاق والمجتمع

يعتصر المرء الحزن والألم على رحيل أيقونة كرة القدم المصرية والعربية، وأحد الأهرامات فى تاريخ الرياضة المصرية، الكابتن محمد يحى الحرية إمام، المعروف فى صفوف جماهير الرياضة المصرية والعربية باسم الكابتن حمادة إمام، والذى أثرى على مدى نحو ستة عقود الرياضة المصرية، وكرة القدم على وجه الخصوص، لاعباً فذاً وموهوباً وعالمياً وقائداً لفريق نادى الزمالك وللمنتخب الوطنى لمصر فى كرة القدم على مدى أكثر من عقد ونصف العقد، ثم مديراً لكرة القدم للفريق الأول لنادى الزمالك، ثم عضواً فنائباً لرئيس مجلس إدارة نادى الزمالك ومرشحاً بارزاً لرئاسته، وعضواً بمجلس إدارة الاتحاد المصرى لكرة القدم ونائباً لرئيسه، وأحد أبرز المعلقين والمحللين الرياضيين المحبوبين والمتألقين مصرياً وعربياً. كما ساهم فى اتساع رقعة شعبية نادى الزمالك مصرياً وعربياً.

ولكن بالرغم من مشاعر الحزن والأسى، فما أود أن أبرزه هنا ليس بالطبع أى تعليق على النوعية الرفيعة من عطاء الكابتن الكبير الراحل حمادة إمام فى مجال كرة القدم والرياضة، وهو عطاء لا يختلف عليه إثنان، ولكننى أسعى هنا للتركيز على ما أظهرته وفاة الكابتن حمادة إمام، على مرارتها للملايين داخل مصر وخارجها، ليس فقط من جماهير نادى الزمالك بل ولدى كل جماهير الكرة المصرية والعربية، من دروس مستفادة للمجتمع المصري، خاصة للشباب والنشء، فى مجال مهم من مجالات الحياة، ألا وهو الرياضة، ولدرء ومكافحة والوقاية من العديد من الأمراض الاجتماعية التى بات مجتمعنا يعانى منها بشكل متزايد، خاصة خلال السنوات القليلة الماضية.

أما الدرس الأول فهو هذه الحالة النادرة من الإجماع فيما بين كل من علق على رحيل الكابتن الكبير حمادة إمام، وأياً كانت خلفية كل منهم الاجتماعية أو الثقافية أو الوظيفية أو انتماء كل منهم الرياضي، وكل من حضر، وهم كثر بلا حدود، جنازة الراحل الكريم، من إشادات اتسمت بالطابع الموضوعى بعطاء الراحل لوطنه على مدى عقود فى مجالات رياضية مختلفة ومواقع عديدة احتلها، صبت كلها فى نهاية المطاف لمصلحة مصر الوطنية، حيث أوضح ذلك بجلاء أنه يمكن حدوث توافق بين المصريين عندما تتوافر فى شخص سمات العطاء للوطن وإنكار الذات، وأياً كان مجال هذا العطاء، وبالتأكيد فإن الرياضة تعتبر إحدى الميادين المهمة التى يمكن أن يعطى الإنسان فيها لوطنه ويتألق ويصبح من المتميزين فيها. وتعتبر تلك رسالة لكل طفل أو شاب مصرى بأن من يتقن فى مجال عمله وتخصصه ويربط تألقه بالعطاء لوطنه يكون محل تقدير من محيطه المجتمعي.

والدرس الثانى يتعلق بما ساهم فيه حرص الجميع، بل وتسابقهم، على تأبين الكابتن حمادة إمام وتقديم العزاء والمواساة فى وفاته لأسرته الكريمة، من إعطاء رسالة تشع بالروح الرياضية، ليس فقط لجماهير كرة القدم أو الرياضة فى مصر، بل أيضاً لكافة فئات الشعب المصري، لأن تلك الروح، وكما سبق وأن ذكرت فى أكثر من مناسبة، لا تقتصر على الرياضة، بل إنها تمتد لمختلف مناحى الحياة العامة، وكل التعاملات والممارسات داخل المجتمع بأسره، وهى روح بعيدة عن التعصب لرأى أو لشخص، وروح تتصف بالتسامح واحترام »الآخر«، والسعى للتعرف على منطلقاته والأرضية التى يقف عليها وتفهمها. وعندما يرتقى المجتمع إلى مستوى إقرار كل إنسان بما قدمه »الآخر« من إسهام إيجابى فى مسيرة المجتمع والوطن، نعرف أننا قد بدأنا ننتقل إلى مصاف الشعوب والمجتمعات المتقدمة.

أما الدرس الثالث المستفاد، فهو مختص بمجال الرياضة على سبيل التحديد، ورؤية الجماهير لمصر لها، فمشهد الكابتن الكبير طارق سليم، أحد الرموز التاريخية للنادى الأهلي، وبالرغم من ظروفه الصحية التى نعلمها جميعاً، متوجهاً فى مقعد متحرك لمنزل أسرة الكابتن حمادة إمام لتقديم العزاء فى وفاته، يوجه رسالة مباشرة ومؤثرة لكل من له صلة بكرة القدم، بل وبالرياضة بشكل عام، وكأنها صراع يجب أن ينتهى بزوال طرف، وليس مجرد منافسة شريفة من المفترض أن تزكى المشاعر الطيبة والمودة فيما بين البشر وتبنى قيماً إيجابية مثل التعاون والإيثار وروح الفريق الجماعية وتقدم للنشء والشباب الفرصة لبناء العقل والجسد بشكل سليم ولقضاء أوقات الفراغ فيما هو مفيد، ومن المأمول أن تكون تلك الرسالة وصلت للجميع من جراء لفتة الكابتن الكبير طارق سليم حتى تعود الرياضة المصرية، وخاصة كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية فى مصر والعالم، لما تستحقه من مكانة فى المقدمة، ليس فقط عربياً وأفريقياً ومتوسطياً، بل أيضاً عالمياً.

أما الدرس الرابع والأخير المستفاد من الحدث الحزين الخاص برحيل الكابتن الكبير حمادة إمام رحمه الله، الذى نعرض له هنا ويتصل بالعلاقة بين الرياضة والأخلاق والمجتمع، فهو التواصل بين أكثر من جيل الواحد تلو الآخر فى مجال الأخلاق الحميدة ونكران الذات والحفاظ على محبة واحترام الجميع بدون تمييز، حيث إن ذلك يرتبط بعامل التربية، وهوا ما نراه جلياً فى حالة الكابتن الراحل حمادة إمام، فوالد الراحل الكبير، الكابتن يحى الحرية إمام، كان نموذجاً ليس فقط فى مجال النبوغ الرياضى والكروى كحارس مرمى لمدرسة الإبراهيمية الثانوية فى دورى مدارس مصر فى ثلاثينيات القرن العشرين، ثم كحارس مرمى وقائد لنادى الزمالك ولمنتخب مصر، بل للأخلاق واحترام وتقديرالجميع، وتواصل ذلك مع نجله الكابتن الكبير الراحل حمادة إمام، واستمر مع الكابتن حازم إمام نجم نادى الزمالك والمنتخب الوطنى فى كرة القدم ورئيس الجهاز الفنى للفريق الأول بنادى الزمالك.

هكذا يمضى ابن آخر من أبناء جيل العمالقة و«ثعلب« كرة القدم والرياضة المصرية، والعزاء لأسرته الكريمة الأستاذة الدكتورة ماجى الحلوانى ونجليه الكابتن حازم والأستاذ أشرف وكل أفراد الأسرة، وإنا لله وإنا إليه راجعون جميعاً فى نهاية المطاف.

لمزيد من مقالات د.وليد محمود عبد الناصر

رابط دائم: