رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصر والسعودية والشريك التركى

وضعت موجة تأسيس تحالفات عسكرية فى المنطقة مصر أمام تحديات وأسئلة صعبة تتجاوز حدود انضمامها أو عدم انضمامها إلى أى من هذه التحالفات، لكن الخطوة التى اتخذتها المملكة العربية السعودية بالتوقيع على تأسيس «مجلس تعاون إستراتيجي» مع تركيا خلال زيارة اليومين التى قام بها رئيس تركيا رجب طيب إردوغان للمملكة كانت مفاجأة من العيار الثقيل خصوصاً بعد أن كانت مصر قد أعلنت دعمها للمملكة فى مسعاها لتشكيل تحالف عسكرى إسلامى قالت ان هدفه هو محاربة الإرهاب، لكن ما تجاوز كل المفاجآت هو تلك الحزمة من التبريرات التى حرص أحد الكتاب السعوديين فى مقاله الأسبوعى بإحدى الصحف السعودية على تقديمها للإجابة عن سؤال طرحه بخصوص الأسباب الدافعة للمملكة للتوجه نحو تركيا لتأسيس هذا المجلس مع تركيا، وهو سؤال: لماذا تركيا نعم ولماذا مصر لا؟ أى لماذا اتجهت المملكة نحو تركيا لتأسيس هذا المجلس ولم تتجه نحو مصر؟

وأرجو أن يسمح لى القارئ الكريم بأن أنقل حرفياً بعض فقرت إجابة هذا الكاتب حتى لا اتهم بتحريف مقاصده بهذا الخصوص حيث قال: «قد يتساءل البعض: لماذا تركيا وليس مصر، أو دول عربية مع مصر؟، والإجابة: مصر فى حال ارتباك، والدول العربية الأخرى إما ضحية لحرب أهلية، وإما هى فى حال انكفاء كما هى حال المغرب والجزائر مثلاً». بعد ذلك بدأ سيادته الحديث عن المزايا التى تتفرد بها تركيا وجعلتها مرجحة من جانب المملكة كحليف إستراتيجى فقال: «تركيا ليست دولة سنية بالمعنى الذى تعتبر به إيران نفسها دولة شيعية. تركيا دولة وطنية علمانية بغالبية سنية. وهى تختلف فى أنها لا تعتمد آلية الميليشيا فى دورها الإقليمى كما تفعل إيران، ولا تجعل من الطائفية معياراً أساسياً لطبيعة وحدود هذا الدور، كما هى الحال مع إيران أيضاً».

بعد كل هذه المقدمات يصل الكاتب إلى جوهر فكرته فى العلاقة مع تركيا والموقف من مصر موضحاً للهدف السعودى من هذا المجلس الإستراتيجى مع تركيا: بالقول أنه «تحالف يهدف إلى وضع حد للنفوذ الإيراني، ولطموح طهران بجعل تحالفها الطائفى مع العراق وسوريا عنصراً بنيوياً لنظام إقليمى فى طور التشكل. فى الوقت نفسه تحافظ السعودية على علاقتها الإستراتيجية مع مصر حفظاً للتوازن هنا. كان الأفضل لو أن مصر دخلت طرفاً ثالثاً فى هذا التحالف لكن مصر ترفض الفكرة من أساسها بسبب موضوع (الإخوان) الذى أصبح عقدة لعلاقات مصر الإقليمية».

هكذا يعود الكاتب مجدداً إلى مصر بعد أن استبعدها كحليف بحجة أنها «فى حال ارتباك» كما يزعم، ويحملها مسئولية التقاعس عن المشاركة مع السعودية فى تحالفها مع تركيا بحكم ما يعتبره «عقدة الإخوان» عند مصر، لكن الحقيقة بعيدة تماماً عن كل هذه المزاعم فالسعودية كانت تاريخياً ودائماً أشد ميلاً للتحالف مع ما يسمى «الموازن الخارجي» سواء كان دولياً وبالذات الولايات المتحدة أو إقليمياً وكان فى البداية إيران (تحت حكم الشاه) ثم تركيا وأحياناً باكستان، أما مصر فهى دائماً ليست حليفاً يمكن الثقة فى قدراته وربما فى نواياه.

ربما يحرص بعض الأشقاء فى المملكة على تجاهل تجربة «إعلان دمشق» عن عمد وكيف جرى التحايل عليها وإسقاطها بضغوط ربما أمريكية أو إيرانية أو الاثنتين معاً وهو الإعلان الذى كان يستهدف للمرة الأولى ربط الأمن الخليجى بالأمن القومى العربى عبر القوات المصرية والسورية التى شاركت بقوة وفعالية فى حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقى عام 1991.

ومنذ ذلك التاريخ توارت فكرة «الدفاع الجماعى العربي» وتوارى معها أى مشروع طموح لتطوير النظام العربى والنهوض به إلى أن ظهرت فكرة تأسيس «القوة العسكرية العربية المشتركة» التى صدر بها قرار من القمة العربية السادسة والعشرين (شرم الشيخ مارس 2015). وكان لمصر دور الريادة فى الدعوة والإعداد لتأسيس هذه القوة، إلا أن الفتور السعودى إزاء هذه القوة كان سبباً فى تراجع الحماس نحو ظهورها إلى أرض الواقع كخيار عربى هدفه الدفاع عن الأمن العربى مقارنة بالأولوية التى حظى بها الحديث عن «الشراكة الإستراتيجية الخليجية- الأمريكية» التى كان قادة دول مجلس التعاون الخليجى يطمحون إلى تحقيقها خلال اللقاء الذى جمعهم بالرئيس الأمريكى باراك أوباما فى واشنطن وكامب ديفيد (مايو 2015) بناء على دعوة الرئيس الأمريكى لطمأنتهم على ثبات وقوة الالتزامات الأمريكية نحوهم على الرغم من التوقيع الأمريكى على الاتفاق النووى مع إيران.

كان قادة دول المجلس يطمحون فى إقناع الرئيس الأمريكى بالتوقيع على تحالف على غرار حلف الأطلسى ضد إيران، لكن الرئيس الأمريكى رفض هذا المطلب ونصح قادة الخليج بعدم الدخول فى علاقات صراعية مع إيران، لأن إيران، من وجهة نظره ليست مصدراً لتهديدهم، ولأن أهم مصادر تهديدهم كامنة بداخلهم. وبعد صدمة السعودية فى موقف الرئيس الأمريكى إزاء إيران، ثم بعد صدمتها فى السياسة الأمريكية المتخاذلة فى سوريا مقارنة بقوة الالتزامات الروسية مع نظام الرئيس بشار الأسد بالتنسيق مع إيران لم تتجه السعودية إلى تفعيل القوة العسكرية العربية المشتركة أو التأسيس لتحالف عربى حقيقى يلم شمل العرب ويفعل نظامهم العربى المتداعى بل اتجهت إلى تأسيس «تحالف عسكرى إسلامي» أعقبته بالتوقيع على مجلس للتعاون الإستراتيجى مع تركيا فى الوقت الذى تتفاقم فيه اندفاعات تركيا نحو التورط فى سياسة استقطاب طائفى تتناغم مع الدعوة الإسرائيلية لتأسيس حلف للعرب السنة تكون إسرائيل أحد مرتكزاته لمواجهة ما تعتبره حلفاً «للعرب الشيعة» تقوده إيران مدعومة من روسيا.

تركيا إذن دولة تتزعم الدعوة الطائفية والاستقطاب الطائفى مثلها مثل إسرائيل عكس ما يزعم شقيقنا السعودي، ليس هذا فقط بل أن تركيا تتجه الآن لإعادة تجديد تحالفها الإستراتيجى مع إسرائيل فى الوقت الذى تتحالف فيه إستراتيجياً مع السعودية، ولعل هذا ما يفسر حرص الرئيس التركى عقب عودته إلى بلاده بعد التوقيع على اتفاقية تأسيس مجلس التعاون الإستراتيجى مع السعودية على إعلان أن «تركيا بحاجة إلى إسرائيل على غرار إسرائيل التى تحتاج إلى تركيا» داعياً إلى ضرورة تسريع تطبيع العلاقات بين البلدين.

لحسن الحظ أن مصر جرى استبعادها أو تجاوزها من أن تكون طرفاً ثالثاً فى مثل هذا المجلس السعودي- التركي، برغم أن مبررات الاستبعاد، على نحو ما ورد فى مقال شقيقنا السعودي، جاءت مسيئة لمكانة مصر ولدورها، وللتحديات التى تواجهها من مؤامرات الإخوان وتركيا والقوى الإرهابية المتحالفة معهما. كما أنها لا تعكس إدراكاً أو وعياً بثوابت السياسة المصرية عربياً وإقليمياً. فأولويات مصر هى بناء القوة العربية الشاملة، ودحر الخطر الإرهابي، وحل الأزمات العربية وخاصة الأزمة السورية بما يحفظ للدول العربية وحدتها الوطنية، وتفعيل النظام العربي، وبعدها يأتى التعاون أو الصراع مع دول الجوار وفقاً لموقف كل منها من كل ما يتعلق بالمصالح العربية والأمن القومى العربي.

نحن فى حاجة إلى أن نتحالف مع أنفسنا أولاً، وفى حاجة إلى وأد دعوة الاستقطاب الطائفي، والعودة مجدداً إلى وحدة العرب كهدف وغاية وبوصلة محددة لأنماط علاقاتنا وتحالفاتنا الإقليمية والدولية.

لمزيد من مقالات د‏.‏ محمد السعيد إدريس

رابط دائم: