رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أسوأ حماة في مصر
صفحة سوداء من سيرة هدي شعراوي

محمد شمروخ
لم يكن من السهل علي سيدة مثل نور الهدي محمد سلطان‏,‏ بنت الحسب والنسب وتربية القصور‏,‏ أن تقبل زواج ابنها من مطربة‏,‏ بل وهي فوق ذلك مطلقة ولديها أولاد‏.‏

.........................................................................................
نعم كانت هذه الأم الرافضة نور الهدي سلطان, هي نفسها هدي شعراوي قائدة الحركة النسائية التي عرفت منسوبة لاسم زوجها علي موضة تلك الأيام وهي التي ألقت اليشمك أرضا, لتعلن خروج المرأة المصرية من بعد قرون طويلة من الجهل والظلام المطبق علي الرجال والنساء علي السواء.
لكن دعك من كل هذا, فالسيدة هدي مهما بدا من علامات التحضر ودعوات التحرر, امرأة شرقية صميمة, لا تقبل أن يتزوج ابنها بدون رضاها, خاصة إذا كان الولد المدلل العابث, فماذا يعني أن يهيم بالمطربة التي استدعتها هي بنفسها لتحيي حفلا في قصرها, علي عادة أبناء الطبقة الأرستقراطية؟!.
فليس عجيبا أن يطاردها الابن المدلل محمد علي شعراوي, أليست مطربة تواجه الرجال في كل ليلة وتعمل بالغناء والتمثيل في المسارح وتحيي الأفراح والليالي الملاح؟!.
ثم إنه ابن علي باشا شعراوي علي سن ورمح وفيه من فورة الشباب ما تسعد به هذه المطربة مع ثروته ووضعه الوثير, فمن أبوه ومن أمه؟!.
لم يصدق محمد أن واحدة من النساء مثل المطربة والممثلة والمطلقة التي تدعي فاطمة سري يمكن أن تصد ابن الذوات وسليل الباشوات, فهو لديه من طاقة الحب ما يمكن أن يغنيها عن كل الرجال.
هكذا ظن بنفسه, لكن فاطمة سري كانت علي عكس ما توقعه الفتي المدلل حفيد المغفور له محمد باشا سلطان رئيس أول مجلس نواب في تاريخ البلاد وقائم مقام الحضرة الخديوية علي الصعيد, فلقد فوجيء الفتي بأنها إنسانة محترمة مع أنها تغني وتمثل ولكنها أثبتت له أن هناك من يستطيع أن يجمع بين الفن والاحترام.
فالعفة يا سيد محمد يا بن الأكابر, ليست مقصورة علي ربات الصون والعفاف من المتكئات تحت ستائر الخدور من وراء أسوار القصور.. بل من هؤلاء المنتميات إلي فئة الهوانم المصونات, من يفعلن من المجون ما تجفل عنه الساقطات محترفات البغاء الرسمي في درب طياب ووش البركة وكلوت بك!.
ولكن لم يقتنع الولد وهو يلهث وراء شهوته بأن يملك فاطمة جسدا وقلبا, إنها غير صويحبات الليل, إلا بعد أن مرمغت فاطمة بكرامته الأرض زيادة فوق الصدود الذي كان يتساقط عليه كالصواعق!.
فتحول من عابث إلي عاشق حقيقي يهيم وراءها وهو دامع العين مقروح الجفن مسهده.. يطاردها في كل مكان ويرنو إليها من بعيد بالنظرة نفسها التي رأتها في عينيه وهو يراها ويسمعها في أول مرة وهي تحيي حفلا ساهرا في بهو قصر والدته هدي هانم شعراوي التي كانت قد كلفت محاميها الشهير إبراهيم الهلباوي, بأن يحاول أن يقنع المطربة فاطمة سري بالحضور لإحياء الحفل بعد أن اعتذرت لارتباطها بمواعيد مسرحية مع يوسف وهبي.. لكنها أمام إلحاح المحامي الكبير ولأجل خاطر مكانة الزعيمة النسائية الكبيرة هدي هانم شعراوي, وافق يوسف وهبي علي طلب فاطمة بتأخير دورها إلي آخر المسرحية ريثما تعود من الحفل!.
وليتها ما ذهبت فالولد بعد أن رآها وسمعها ظل يلاحقها ملاحقة الظل ومنذ تلك الليلة, لم تعد تعرف ماذا كتبت لها الأقدار فيها.
ـ تري أهناء أم شقاء مكتوب لك يا بنت سري؟!
ـ ولكن ما عليك يا فاطمة؟!.. ألا يمكن أن يكون محمد قد أحبك حقيقة؟!.
ـ ثم إنك امرأة جميلة ووحيدة ومطمع للرجال وأنت وولديك الصغرين تحتاجون إلي ظل رجل يظلل عليكم بدلا من ظل الحائط الذي قد تتسوره الذئاب في أي وقت.
وكان أن أعلنت قبولها لحبه في ساعة صفاء, بعد مطاردات بائسة ويائسة من العاشق الولهان وهي أيضا, في النهاية امرأة تحتاج إلي أن تحب وتحب, فأسلمت شراع سفينتها للهوي واغتبقت مع محمد من الحب ما قرت به العين وسكن به الصدر!
وكان كالمتوقع لمن في شهرتها, فقد تسبب حبه لها في حرمانها من ولديها, عندما علم طليقها بالقصة من خبر بإحدي المجلات ولكن محمد لم يأبه لذلك فشهرته بالحب ترضي غروره أيما رضاء.
ووعدها بألا يتخلي عنها مهما كان في أشهر جملة تتردد علي لسان المحبين!.
ولكن العبث واللهو هو سمة كثيرين ممن تربوا في العز مترفين منعمين, فإذا به يعلن أنه قد قضي منها وطرا ووقع بقلمه الأنيق علي شيك بمبلغ كبير ليهديه إلي المرأة التي أسعدته في الأيام الخالية.
تري كم كان المبلغ؟!.
سؤال لم تعد له أي أهمية, ففاطمة بنت أصيلة لا تبيع نفسها, ففي ردة فعل غاضبة, مزقت الشيك دون أن تنظر إلي قيمته وألقت بقطع الشيك الممزق في وجه هذا الشاب التافه الذي ظن أن الحب يباع لديها وأنه جاء ليشتريه.
هل أسدل الستار علي المسرحية الواقعية أم أنه فقط فصلها الأول؟!.
وها هي فاطمة تنهار وتترك عشهما الذهبي في الإسكندرية وتعود إلي القاهرة وهي تري نفسها وقد تساوت ببغايا ليلها القاسي.
وتركته مذهولا من رد فعلها وهو ينظر إلي آثار الورق الممزق الذي دهسته بحذائها, فمثله كان علي يقين بأن كل شيء وله ثمن كان جسدا أو قلبا, لكنه أفاق ليدرك أن ما تعلمه بأن طبقته فقط هي التي تملك مفاتيح الشرف, كان هباء منثورا وطيف خيال, فقصدها ليركع علي ركبتيه في مشهد مسرحي وهو يستسمح ويعتذر عندما أحس بأنها قد لا تعود أبدا.
وكان ما أحسته من صدق حبه دافعا لها بأن تقبل الزواج منه عرفيا ولا توثق العقد كما اشترطت عليه في البداية نظرا لظروفها كمطلقة وأم, وارتضت بداية, أن يكتب محاميه الخاص ورقة الزواج, إلي حين, فقد بدا عليه أنه لن يخزيها أبدا, ثم إن الحب تضحية يا فاطمة, ألا ترينه يتنفسك في كل خطوة؟, فلا يمكن أن يغدر أبدا.
وقبلت هي أن تستمر, فالحب غفران وهي اختارت أن تحب, فلتغفر هذه المرة!.
ومضت الأيام وكل يوم يؤكد لها أنها بالنسبة له الهوي والهواء, فلن يستغني عنها أبدا!.
ودبت ثمرة الحب في بطنها, أليس من حقها؟!..أليس هذا هو الفارق بين الزوجة والعشيقة؟!. وعندما أخبرته طار فرحا وحذرها من أن تسلم رأسها للشيطان وتتخلص من جنينها كما بدا لها في لحظة يأس من إعلان الزواج وطلب محمد ورقة وقلما وكتب لها ليطمئنها إقرارا علي نفسه بمسئوليته عن الجنين وأنه ثمرة زواج شرعي علي سنة الله ورسوله وترك لها الورقة المؤرخة في الخامس عشر من يونيو سنة1925 بنص الصيغة التي أثبتها الكاتب الكبير الراحل مصطفي أمين في الفصل الذي كتبه عن هذه القصة في كتابه مسائل شخصية.
إقـرار
أقر أنا الموقع علي هذا محمد علي شعراوي نجل المرحوم علي باشا شعراوي, من ذوي الأملاك, ويقيم بالمنزل شارع قصر النيل رقم2 قسم عابدين بمصر, أنني تزوجت الست فاطمة كريمة المرحوم سيد بيك المرواني المشهورة باسم فاطمة سري من تاريخ أول سبتمبر سنة1924 ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين أفرنكية, وعاشرتها معاشرة الأزواج, وما زلت معاشرا لها إلي الآن, وقد حملت مني مستكنا في بطنها الآن, فإذا انفصل فهذا ابني, وهذا إقرار مني بذلك.
وأنا متصف بكافة الأوصاف المعتبرة بصحة الإقرار شرعا وقانونا, وهذا الإقرار حجة علي تطبيقا للمادة135 من لائحة المحاكم الشرعية, وإن كان عقد زواجي بها لم يعتبر, إلا أنه صحيح شرعي مستوف لجميع شرائط عقد الزواج المعتبرة شرعا.
محمد علي شعراوي
القاهرة في15 يونيو1925 م.
وتفاصيل هذه القصة يتجنب سماعها وترديدها علي السواء, المتحررون من دعاة تحرير المرأة والمتحجرون من دعاة الحجر عليها!.
فالمتحررون لا يريدون أن تظهر صورة هدي شعراوي المكافحة والمطالبة بحقوق وحريات المرأة بكل هذا السوء, لأن موقفها كان في غاية من الخزي وكانت أسوأ مثل تقدمه امراة كانت حماة لزوجة ابنها أو ستكون جدة لحفيدتها منه!.
أما المتحجرون فيتجنبون الخوض فيها لأنهم لو رددوها في نطاق هجومهم الشنيع علي هدي شعراوي, فسيضطرون لشبهة الدفاع عن مغنية وممثلة وهم يحرمون الغناء والتمثيل ويرونهما صناعة شيطانية صرفة!.
لك الله يا فاطمة.. فقد تسرب الخبر إلي مسامع الزعيمة النسائية التي اشتهر في تاريخها أنها أقامت الدنيا وأقعدتها من أجل تيسير الزواج وتخفيض المهر إلي ربع جنيه مصري; وهي المطالبة بحقوق المطلقات وبتقييد حرية الأزواج في حق الطلاق المطلق; لكنها هي نفسها التي قلبت الدنيا من أجل أن ابنها المدلل قد تزوج من ممثلة وها هي تحمل جنينا سيربط الأسرة العريقة بهذا النسب المخزي للأبد!.
ـ ها قد خرجت من داخلك يا هدي صورة المرأة المحافظة المنغلقة المتحجرة القاسية المتعالية بحقيقة علي أقبح ما يكون!.
وعلي من؟.. علي امراة مثلك تطالبين بحقوق مثلها وهي التي تحمل أول أحفادك؟!.. إخص!.
وصدر الأمر بلهجة حادة من الهانم يطلقها يعني يطلقها.
وأسدل الستار علي الفصل الثاني وإن الحماة القاسية لتقف ترمي بالشرر والزوجة المكلومة تجلس مستتكينة لقدرها والزوج اختفي من علي المسرح!.
أين ذهب الجبان؟!.
لكن أني للولد أن يقف في وجه أمه, فهو ذا قد صار أبا لكنه لم يواجه أمه المرأة قوية الشكيمة, فسافر وترك لزوجته خبرا بأن تلحق به في أوروبا وكان التنقل بين مدن أوروبا ميسورا له وكأنه يسير بسيارته بين أحياء القاهرة, فكان يسافر من مدينة إلي مدينة بين دول أوروبا وفي كل مرة يترك للزوجة المسكينة خبرا بأنه سبقها إلي مدينة أخري وأمر خادمه أن يصحبها ويكون طوع أمرها لأنها حبلي علي وشك الولادة, حتي التقت به في باريس وهناك سألها عن الإقرار, فأنكرت أنها أحضرته وأبدي مخاوفه من أن تلد في باريس فيتسرب الخبر إلي الملك فؤاد عن طريق القنصل زوج ابنة الملك, إذا ما سجلت المولود هناك, فغادرت فاطمة إلي فينا لتلتقي هناك مصطفي النحاس الذي كان هناك في زيارة وكان محاميا كبيرا في مصر, فنصحها بألا تعطي زوجها أصل الإقرار وأن تصوره صورة زنكوغرافية, إذ استشعر النحاس نذالة الفتي العابث الذي ترك زوجته تضع وليدها في بلاد غريبة, ووضعت فاطمة مولودتها من محمد علي شعراوي في اليوم السابع من سبتمبر1925 وجاءت ملامحها وكأنها صورة زنكوغراف منه, تمام مثل مطابقة صورة الإقرار للأصل الذي صورته أمها في العاصمة النمساوية, بناء علي نصيحة النحاس.
وكما خرجت صورة المرأة ذات القلب الحجري من والدته عندما رفضت اقتران ابنها بفلاحة خرسيسة ممثلة عاهرة, كذلك كشف ابن الباشا عن الصورة السيئة للصعيدي المنغلق, فقد صدم عندما التقي بفاطمة في القاهرة وهي تقدم له الطفلة الجميلة ليلي محمد علي شعراوي!
ـ يا نهار أسود.. وكمان بنت؟!.
وخرج محمد مسود الوجه وهو كظيم وهو يتحسس ورقة الإقرار الذي طلبه من فاطمة كدليل علي ثقتها ولم يكتشف ما ظن أنه اغتنمه لم يكن إلا صورة.. ووعد كذبا بالعودة ليأوي إليه زوجته وابنته.
لكنه فص ملح وداب!.
وبعد طول انتظار واتصالات أجابها بصوته عبر التليفون وهو يسب ويلعن وأعلي ما في خيلك اركبيه والإقرار في جيبي.
فماذا تفعل فاطمة بابنتها؟!.
ـ ولايهمك, فهناك سيدة عظيمة أخذت علي عاتقها مناصرة المراة المظلومة من نوعية مشكلتك وهي بالمناسبة أم زوجك وجدة رضيعك, اعرضي عليها مأساتك,فإن لم ينصرك عقلها, حن قلبها!.
أرسلت إليها رسالة تلمح في صدرها بأنها وإن كانت دون مستوي النسب, إلا ان هناك طفله لها حق الانتساب لأبيها.
فجاء نص رسالتها كالتالي:
سيدتي:
سلاما وبعد, إن اعتقادي بك وبعدلك, ودفاعك عن حق المرأة, يدفعني كل ذلك إلي التقدم إليك طالبة الإنصاف, وبذلك تقدمين للعالم برهانا علي صدق دفاعك عن حق المرأة, ويمكنك حقيقة أن تسيري علي رأس النساء مطالبة بحقوقهن, ولو كان الأمر قاصرا علي لما أحرجت مركزك, لعل أنك أم تخافين علي ولدك العزيز أن تلعب به أيدي النساء وتخافين علي مستقبله من عشرتهن, وعلي سمعته من أن يقال إنه تزوج امرأة كانت فيما مضي من الزمان تغني علي المسارح, ولك حق إن عجزت عن تقديم ذلك البرهان الصارم علي نفسك; لأنه يصيب من عظمتك وجاهك وشرف عائلتك, كما تظنون يا معشر الأغنياء, ولكن هناك طفلة مسكينة هي ابنتي وحفيدتك, إن نجلك العزيز, والله يعلم, وهو يعلم, ومن يلقي عليها نظرة واحدة يعلم ويتحقق من أنها لم تدنس ولادتها بدم آخر, والله شهيد, طالبت بحق هذه الطفلة المعترف بها ابنك كتابيا, قبل أن يتحول عني وينكرها وينكرني, فلم أجد من يسمع لندائي, وما مطالبتي بحقها وحقي كزوجة طامعة في مالكم, كلا! والله فقد عشت قبل معرفتي بابنك, وكنت منزهة محبوبة كممثلة تكسب كثيرا, وربما أكثر مما كان يعطيه لي ابنك, وكنت متمتعة بالحرية المطلقة, وأنت أدري بلذة الحرية المطلقة التي تدافعين عنها, ثم عرفت ابنك فاضطرني أن أترك عملي وأنزوي في بيتي, فأطعته غير طامعة بأكثر مما كان يجود به, وما كنت لأطمع أن أتزوج منه, ولا أن ألد منه ولدا, ولكن هذه غلطة واسأليه عنها أمامي, وهو الذي يتحمل مسئوليتها, فقد كنت أدفع عن نفسي مسألة الحمل مرارا وتكرارا, حتي وقع ما لم يكن في حسابي, هذه هي الحقيقة الواقعة وانتهي الأمر.
والآن يتملص ولدك من كل شيء, ولا يريد الاعتراف بشيء, وقد شهد بنفسه من حيث لا يدري بتوسيطه كثيرين في الأمر, وما كنت في حاجة لوساطة, ولو كان تقدم إلي طالبا فك قيده لفعلت, وكانت المسألة انتهت في السر, ولم يعلم بها أحد, فعرض علي في الأول قدرا من المال بواسطة علي بك سعد الدين( سكرتير عام وزارة الأشغال), وبواسطة الهلباوي بك( المحامي الكبير) وغيرهم ممن حضروا إلي ظانين أنني طامعة في مالهم, وأنه في إمكاني إنكار نسب ابنتي إذا أغروني! ولكنني أخاف إلها عادلا بأنه سيحاسبني يوما عن حقوقها ـ إن لم تحاسبني هي عليها ـ فلم يجد محمد مني قبولا للمال, وعندما وجد مني امتناعا عن إنكار نسب ابنته سكت عني تماما, فوسطت فهيم أفندي باخوم محاميه, فاجتهد في إقناعه بصحة حقوقي وعقودي واعترافه بابنته, وتوسط في أن ينهي المسألة علي حل يرضي الطرفين, فلم يقبل نجلك نصيحته بالمرة, وكان جوابه أن ألجأ برفع دعوي عليه ومقاضاته, وهو يعلم تماما أن نتيجة الدعوي ستكون في صالحي, فلا أدري ماذا يفيده التشهير في مسألة كهذه سيعلم بها الخاص والعام, وسنكون أنا وأنتم مضغة في الأفواه, وأنت أدري بجونا المصري وتشنيعه, خصوصا في مسألة كهذه, وهذا ما يضطرني إلي أن أرجع إليك قبل أن أبدأ أية خطوة قضائية ضده, وليس رجوعي هذا عن خوف أو عجز, فبرهاني قوي ومستنداتي لا تقبل الشك وكلها لصالحي, ولكن خوفا علي شرفكم وسمعتكم وسمعتي, ولو أنني كما تظنون لا أبالي, فربما كانت مبالاتي في المحافظة علي سمعتي وشرفي أكثر من غيري في حالتي الحاضرة, فهل توافقين يا سيدتي علي رأي ولدك في إنهاء المسألة أمام المحاكم؟ أنتظر منك التروي في الأمر, والرد علي في ظرف أسبوع; لأنني قد مللت كثرة المتداخلين في الأمر..
ودمت للمخلصة فاطمة سري.
لكن لا قلب ولا عقل مع الذين لايرون مخلوقات تستحق الوصف بالآدميين غيرهم, فليت الأمر اقتصر علي ثورة الثائرة هدي شعراوي والتهديد والوعيد, لكنها كلفت أحمد بك الهلباوي المحامي ذائع الصيت مرة أخري بالاتصال بالبت المغنية وشوفها بقرشين فمن هي فاطمة سري حتي تنال شرف الانتساب إلي طبقة هدي هانم بنت سلطان باشا حرم علي شعراوي, أتريد بنت المسارح التي تغني للسكاري, أن تنضم للطبقة العليا كواحدة منها وليست كمطربة تحيي لياليها.
الأمر وصل بالتهديد بتلفيق قضية دعارة والحكومة حكومتنا والملك معنا وأنت مطربة ممثلة مطلقة وكلها تصلح لحبك التلفيق!.
إلي هذا الحد؟!
نعم وأكثر..أفمن أجل دقة قلب ولد متهور مندفع, تريد فاطمة بنت سري أن تعيش دور الهانم برفع الساق علي الساق وهي تجلس تشعل سيجارة علي كرسي مدهب في صدر أرقي الصالونات في مصر؟!.
وليست هدي شعراوي وحدها التي التزمت الوعد والوعيد, فغالب الطبقة الأرستقراطية وقفوا مع ابنتهم الكبري هدي وتنكروا لابنتهم الصغري ليلي!.
وانقسم المجتمع كما حدث أيام الصراع بين سعد زغلول وعدلي يكن, فالباشوات الكبار والأمراء وفيهم أسماء دعاة الحرية والليبرالية وحرية المرأة والدستور; وقيل الملك كان موقفه كذلك; وقفوا بجانب هدي, أما الأفندية والباشوات من أصول فلاحيني, فوقفوا بجوار ابنة الشعب وها هو سعد زغلول يتخلي عن حيادة تجاه الموضوع في البداية لأنه موضوع لا يصح تداوله علي مستوي زعيم أمه فها هو يحن لأصله الفلاحي وينذر ويتوعد الحكومة بأنه سيطالب بإقالتها لأنه تردد أن هناك ضغوطا علي القضاء الشرعي الذي ينظر دعوي نسب الطفلة وكل الأدلة والمستندات والشهود في كفة فاطمة وابتها وضد هدي وابن هدي.
وخسرت هدي القضية فحكم القضاء الشرعي بعد فحص المستندات وسماع الشهود ومرافعة المحامي فكري أفندي أباظة, بإثبات نسب الطفلة ليلي محمد علي شعراوي لأبيها وإلزامه بالحقوق الشرعية كافة, المترتبة علي هذا النسب.
ماكان من الأول يا هدي هانم.. فما كان أغناك عن صفحة بهذا السواد.
وأسدل الستار علي الفصل الثالث والأخير علي مشهد دخول الحفيدة ليلي شعراوي بقوة القانون, إلي قصر جدتها الهانم التي فاجأت الجميع كعادتها في المفاجآت فإذا بها تتلقف الطفلة بلهفة الجدة لأول حفيدة لتحتضنها وتبل خديها بالدموع المتلهفة ثم تعترف بها أمام كل العالم!.
وانتهت المسرحية.. لكن لم يصفق الجمهور!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق