رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

من قلب الصحراء!

ربما تكون جذوري الريفية هي السبب الذي يجعلني دائما وأبدا أنحاز إلي الزراعة والمزارعين.. يسعدني اللون الأخضر، وأكره الصحراء الجرداء. وأنزعج بشدة حينما أري التعديات تزحف علي الأراضى الزراعية تغتصبها كما تغتصب الذئاب البشرية ضحاياها دون هوادة ولا رحمة، ونكتفي بالادانة ومصمصة الشفاه، والكارثة الأكبر أن التعديات علي الأراضي الزراعية باتت ضيفا ثقيلا علينا والحكومة تكتفي بالإدانة والإزالات الوهمية.

شريط طويل من الذكريات دار أمامي عن الزراعة ومستقبلها حينما رأيت الرئيس عبدالفتاح السيسي يذهب إلي قلب الصحراء في الفرافرة لتدشين مشروع إستصلاح المليون والنصف مليون فدان والذي من المقرر استكماله خلال عامين بعد إطلاق العمل في المرحلة الأولي والتي تتضمن 500 الف فدان والتي انتهي استصلاح 10 آلاف فدان منها دخلت الخدمة فعليا بعد أن إفتتحها الرئيس السيسي يوم الأربعاء الماضى.

الزراعة في مصر «مظلومة» و«مهملة» ويتم معاملتها معاملة أبناء البطة السوداء، فالفلاح يقف وحده في مواجهة تقلبات السوق والعرض والطلب، ويقف وحده في مواجهة أزمات لاتنتهي مع مياه الري، ومع الأسمدة، ومع تمويل زراعته، ووزارة الزراعة «غائبة» عن الوعي منذ فترة، والجمعيات الزراعية باتت «مهجورة» وموظفوها تحولوا إلي «خيال مآتة» يتقاضون مرتباتهم أول كل شهر بلا عمل فعلي، والأخطر أن المختصين بحماية الاراضي هم من يقومون بتدمير الاراضي الزراعية ويتاجرون فيها وتحولوا إلي مليونيرات من تقسيم الأراضي، وكل المخالفات تقع تحت أعينهم وبمساعدتهم، ولايتحركون إلا ضد من لايدفع فقط، والدليل كل هذه التعديات التي تحدث ليل نهار حتي باتت الأراضي الزراعية هي الاستثناء في الريف بعد أن حاصرتها المباني والتعديات من كل مكان.

بعض «المتنطعين» يرون في الزراعة «عورة» وأنهم لو قاموا بتقسيم الأراضي التي في حوزتهم وبيعها أفضل من الزراعة والفلاحة ووجع القلب، ونسوا أن الزراعة تعني الإنتاج، وإنه لاتعارض بينها وبين التقدم فنحن نستورد القمح من أمريكا وروسيا، ونستورد اللحوم من استراليا والدول الاوروبية المتقدمة، أما نحن فقد أهملنا الزراعة و «لوثنا» مياه النيل بالصرف الصحي والصناعي والنفايات البشرية والقمامة، وكل هذه الجرائم وقعت علي مدي فترات زمنية طويلة بدأت مع زرع المصانع في الأراضى الزراعية وتدمير مساحات كبيرة من أجود الأراضي في الستينيات، ثم جاء الزحف السكاني المدمر على ماتبقي من الرقعة الزراعية، ووزارة الزراعة والمحليات والأجهزة المعنية المختلفة تكتفي بتحرير المحاضر وترك التعديات تصبح أمرا واقعا لا فرار منه.

السيسي يحاول إصلاح الخلل وإعادة الأمل مرة أخري للشعب المصري، وذلك من خلال ان تعود مصر إلي التنمية الاقتصادية المستدامة، وأن تملك مصر مقدراتها وتكتفي ذاتيا من الغذاء، فلا تقدم ولا أمل دون أن نمتلك قاعدة إنتاجية ضخمة في الزراعة والصناعة تكفى لاحتياجات سكان مصر الذين بلغوا 90 مليون نسمة.

مشروع المليون ونصف المليون فدان سوف يسهم في تغيير خريطة مصر الزراعية وتعويض ما التهمته التعديات علي الرقعة الزراعية الضيقة، ويفتح باب الأمل في تنمية اقتصادية مستدامة تستثمر قدرات الانسان المصري وتستثمر إمكانيات مصر الجغرافية والخروج من الوادي الضيق الذي لم يعد فيه متسع لاستقبال المزيد، في وقت مازلنا نعيش علي مساحة لم تتجاوز 10% من مساحة مصر علي أقصي تقدير، وربما تكون أقل من ذلك بكثير.

هناك أكثر من 3 ملايين فدان في محافظة الوادي الجديد التي تستحوذ علي مساحة 38% من مساحة مصر، وهي أراض جاهزة للزراعة، لكنها تحتاج إلي الاستصلاح ومياه الري، كما أن هناك العديد من الملايين الأخري من الأفدنة منتشرة في طول البلاد وعرضها تنتظر من يمد لها يد الاستصلاح والتعمير، ومشروع المليون ونصف المليون فدان هو بداية الأنطلاق للخروج من الوادي الضيق، وإيجاد ريف مصري جديد يتناسب مع العصر والاشتراطات البيئية والصحية.

يبقي بعد ذلك هو أن تقوم الحكومة باعادة التفكير في نظام التمليك في الأراضي الجديدة وتحويلها إلي حق إنتفاع يمتد إلي 70 عاما كما في الصين ودول كثيرة أخري بحيث تبقي ملكية الأرضي للدولة، وتكون هناك شروط للتعاقد أهمها عدم مخالفة شروط التعاقد، فلايجوز أن تتحول الأراضي الزراعية إلى مناطق صناعية مثلا أو تحويل المناطق السياحية إلي مناطق سكنية، وهكذا نضمن الجدية في الاستثمار وعدم التلاعب في شروط التعاقد كما حدث في اراضي طريق مصر الإسكندرية الزراعي، وغيرها من المناطق التي تحولت فيها الأراضي الزراعية إلي منتجعات سكنية وسياحية ومناطق صناعية في مخالفة فجة لشروط التعاقد.

أتمني أن تدرس الحكومة ذلك الأمر بحيث يكون حق الانتفاع هو الأصل في التعاقد مع وضع الضمانات الكاملة للمنتفعين لطمأنتهم وعدم الجور عليهم.

[email protected]
لمزيد من مقالات عبدالمحسن سلامة

رابط دائم: