رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حواسنا الخمس التى نسيناها !

للخالق اسرار في صياغة الكون الذي منحنا الحياة فيه. نعم كثيرة تحيط بنا من كل حدب وصوب. بل أحيانا في النعمة الواحدة بضع ملايين نعمة. فالنظر مثلا يمنحنا امكانيات لا نهائية في فهم حياتنا والتعامل معها. نتعرف علي الأجسام والأماكن والألوان بأبصارنا. نتعرف علي المسافات والبحار والمحيطات والنسب والابعاد بأعيينا. العين مغارة عميقة تدخل من خلالها الي أعماقنا كنوز البشرية. كل التجارب المريرة والمشاعر العظيمة تمر عبر ناظرينا. ولا نستطيع اغلاق أعيننا الا عندما نخلد للنوم او نكون ضحية للإرهاق الكبير. حتى اذا قصدنا ان نأخذ قيلولة ودفعنا جفوننا عنوة إلي الارتخاء، سيظل مدار مقلتينا وهو يقظ ومتحفز يشعر بكل شيء اذا اقترب منا. اذا الشعور والإحساس مقترنان بنعمة البصر. ونعمة التذوق هى الاخري تمنحنا الارتواء اذا كنا عطشي والشبع عندما نجوع. والتمتع بخيرات الكون مما يخرج من باطن الأرض، فتتغير أمزجتنا وتنصلح وتصبح في أفضل حالاتها. البانوراما الضخمة للطعم الذي يعانق شفاهنا وألسنتنا تمنحنا مشاعر لا نهائية من الراحة والمتعة واللذة والاريحية والانسجام. طعم الشيكولاتة يختلف عن لحم الطاووس، ولسعة محار البحر تختلف حتما عن قطمة شطيرة لحم.أما عالم البهارات فحدث ولا حرج. الكاري الذي يلقينا من احلي جبل غير الجنزبيل بقدرته علي غسل كل ما يؤذينا من ميكروبات، والنعناع المنعنع يخلق لنا جناحا على الفور فنحلق من غير حاجة الي طيارة او طيار. عشقت البهارات منذ زمن بعيد، ومنحتني كثرة أسفاري ببلاد العالم فرصة تجربة مواد العطارة في كل ثقافة. فجربت قرن الشطة البرازيلي والكمون السوري والفلفل الكيني و عرق اللاورو الهندي. تخيلت نفسي كثيرا كتاجر بهارات في سالف العصر والأوان، يغزو البلاد والقلوب بما لذ وطاب وصعب وصفه من أصناف العطارة. وآمنت دائما بأن البهارات هى التى تصنع الطعم وليس متن الطعام نفسه من لحم او طيور او اسماك. تاملت كثيرا عملية تتبيل الطعام وهو يسمي في الغرب (مارينيتنج)، وكيف يمتزج اللحم مثلا بمنقوع البصل مع البهار المناسب، وكيف تمتزج انسجة الأسماك مع صلصة طماطم تنتظر ان تعانقها لتنجب طاجنا شهيا استوي من كثرة طهية وكأنه رقص في النار رقصة اعجازية ليرضي من سيتناولونه. حتى الدجاج وهو يسقط في الزيت كانه ينتحر من اجل إسعاد أكليه راضخا مضحيا مادام طعمه المقرمش سيصبح منتهى هوي عاشقيه. وطالما تأملت الطهى علي البخار وكانه درس لليوجا يمتلئ بمنتهى الحكمة والاقتصاد في المواد وفي التعبير للوصول لمنتهي الرقة والرقي، فتخلص الطبق من اى شحوم او دهون او زوائد تفسد متن الطعام ذاته. الطهى علي البخار كرقص الباليه، رشيق وصاف كانك تصب قسطاط حليب في كوب ، اي رائق ومنساب وجميل بدون شائبة تشوبه. 

الطهى بالدفن، احد الطرق التي طالما الهبت خيالى وجعلتني اعشق واؤمن بالقدرات اللا نهائية للارض وللطمى والطين والرمل. طالما امسكت بيدي دائما كل تلك العناصر من الارض وحاورتها وسألتها عن أسرارها وكيف انها قريبتنا واننا جئنا منها، وكيف اننا طين وكل خيرات الارض والكون تخرج من الطين. مازلت كطفل يبهرني ان الرخام والأحجار التي تخرج من الجبل هى تحورات جيوليوجية من التراب. احد دلائل عظمة الكون تتجلي اننا والخضراوات والأحجار الكريمة من أصل واحد. اما اذا تساءلت عن نعمة الشم. فحدث ولا حرج. لن أقول لك النسيم، فالكثيرون نسوا في غمرة زحمة الحياة و دوران عجلتها بشكل لا يرحم انهم لابد ان يستنشقوا عبير الصباح ويلتمسوا في اثيره الحاني امارات التفاؤل في يومهم القادم. فالشم يدلنا علي احبائنا ويربطنا بذواتنا. فكل الأشياء لها رائحة ولا تكتمل الحميمية الا بالتعود على رائحة منازلنا وفراشنا وملابسنا وابناؤنا. ورائحة البناية التي نسكن فيها وقهوتنا وعطرنا المفضل.

السمع عظيم هو الآخر. أسمع الموسيقي، فتدخل نغماتها في كيانى فتخترقه وتصبح كالدواء الذي يشفيني من اي أمراض. ضربات الأقواس على الأوتار طالما ما كانت هى الدواء. اما آلات النفخ فهي سحرية بمعنى الكلمة. اكثر من الدواء. بل قادرة علي تحويلنا الي كائنات لطيفة محبة. اسمع أكثر فأصبح إنسانا أكثر تحضرا. السمع يريحني ويرقي انسانيتي. حتى عندما اسمع أصوات انفاسي استمتع. ترتخي همومي. اشعر بكيونونتي مستريحة. اشعر ان العالم بسيط وغير شقي. اسمع الرعد والمطر ورقرقة الماء فاشعر بالطبيعة والكون، واحب الخالق اكثر واعانق الحياة أكثر.

اما اللمس فهو الحياة من لحم ودم. نلمس اشياءنا، نصافح الآخرين، نمارس الحب، ننجب للعالم اجمل الاطفال فتصير للحياة معني. نلمس انفسنا فنتاكد من عظمة الخالق، نتاكد ان الحياة حق وان الموت حق، وأننا مازلنا حياء ننعم بنعم الدنيا. نلمس الكون فنلتمس منه الحب والرحمة. نلمس النبات فنشعر ان لنا اشقاء في الوجود في منتهي الرقة. نلمس الدقيق فنشعر بالشبع ونلمس الصوف فنشعر بالدفء. وكأن اللمس قادر ان يضاعف الاحساس بعشرات بل وبمئات وملايين المرات. ويجسده.

اكتب هذا المقال لأذكر نفسي وإياكم بنعم الحواس التي قد ننسي قيمتها الكبيرة مع غلظة الحياة التكنولوجية. كل حواسنا مرتبطة بالإحساس. أحيانا يتبلد البعض فتتعطل حواسهم عن العمل او عن الاتجاه السليم الفطري. نحتاج الي ضخ دماء الإحساس دائما بحواسنا كي لا تخرب. اتذكر كل ذلك لأصبح اكثر إنسانية في هذا الزمن الصعب.


لمزيد من مقالات احمد عاطف

رابط دائم: