رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عن التفكك العربى.. عن الشر المستطير (٣)

كانت خلاصة المقالين الأخيرين هى أنه لا يمكن تفكيك الأوطان إلا بقدر ما هى قابلةٌ للتفكك. والآن ثمة حقيقة مؤكدة، وكل ماعداها تفاصيل وهوامش، هى أنه لن نمنع حدوث التفكك العربى ولن نوقف قطاره الداهم ما لم ننجح فى إدارة اختلافنا. هذا الاختلاف الذى لم نستطع حتى اليوم أن ندرك أنه قرين التنوع، وأن التنوعَ فرصةٌ لتطور المجتمعات الحيّة وتقدمها. فليس سوى العرب وحدهم الذين يرون فى الاختلاف خطيئة وربما خيانة وطنية.

الواقع الحاضر يؤكد أن مشتركاتنا القومية فى اللغة والتاريخ والجغرافيا والثقافة والمصلحة لم تمنع من وجود اختلافات وتنوعات سواء على المستوى القومى أو الوطني. فنحن مختلفون ومتنوعون على المستوى الدينى (مسلمون/ مسيحيون) والطائفى (سنة/ شيعة/ دروز) والعِرقى (عرب/ أكراد/ بربر/ أمازيغ) . وما لم يتم إدارة الاختلاف والتنوع الناشئين بين أكثرية (عربية ومسلمة) وتنوعات دينية وطائفية وعرقية بما يتيح كفالة حقوق وخصوصيات هذه التنوعات من ناحية والانضواء تحت سقف وطن واحدٍ موحّد فإن علينا أن نتوقع تطلع بعض الأقليات إلى خارج حدود الوطن . ولأن هناك دائماً قوى إقليمية وعالمية تتوافق مصالحها مع مطالب هذه الأقليات والتنوعات يصبح من السهل إدراك أن ما نشاهده فى أكثر من بلدٍ عربى ليس سوى حاصل جمع عوامل التفكك (الداخلي) حينما تتقاطع مع خطط التفكيك (الخارجى).

من هنا، من الوعى بهذه الحقائق البسيطة يتعين علينا تأمل التجارب العالمية الناجحة فى إدارة التنوع الدينى والطائفى والعرقى والثقافى واستخلاص أسباب نجاحها. ليست سلطات الدولة ومؤسساتها هى المُطَالبَة فقط بذلك كجهات مهمتها رسم السياسات وإنفاذ القوانين، بل يقع هذا الواجب أيضاً على عاتق أهل الفكر والرأي. لهذا كان الفكر العربى القومى مُطَالَباً اليوم بأكثر من أى وقت مضى بمراجعة طروحاته وتجديد نفسه فيما يتعلق بقضايا التنوع والاختلاف داخل المجتمع العربي. لكن لا نريده تجديداً إنشائياً بلاغياً بل نريده تجديداً يُعنَى بالوسائل انطلاقاً من تشخيص علمى بالأرقام والحقائق والمعطيات لواقع الاختلاف والتنوع فى المجتمع العربي. ولنتساءل لماذا تبقى أمريكا قويةً موحّدةً بينما يوجد فيها هذا الخليط من التنوع الدينى والعرقى واللغوى والثقافى ؟ كيف نجحت دول تقوم تركيبتها السكانية على التعدد اللغوى مثل بلجيكا وكندا وسويسرا؟ بل كيف استطاعت الهند ذات التنوع اللغوى (الهائل) والدينى والعرقى والثقافى أن تصبح أكبر ديمقراطيات العالم وها هى تمضى فى طريقها المرسوم بثبات ونجاح لأن تصبح قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية برغم ما يحدث فيها من فتن واضطرابات دينية صغيرة بين الحين والآخر؟ ولماذا لا نبدأ من أحدث وأنجح تجربة عالمية فى إدارة الاختلاف وتجاوز صفحة الصراعات والضغائن فى دولة جنوب إفريقيا؟

لن نواجه محاولات التفكيك من الخارج، وعوامل التفكك من الداخل بغير التحلى بقيم التسامح وقبول التنوع واحترام الآخر. المشكلة أننا نتحدث عن هذه القيم فى المساء وننتهكها فى الصباح. لطالما قال الزعيم الإفريقى نلسون مانديلا إننا لم نكن لننتصر على التفرقة العنصرية إلا بالتسامح والتطلع إلى المستقبل. ويروى مانديلا قصة مؤثرة عميقة المغزى حدثت أثناء قيامه بالوساطة بين قبائل التوتسى والهوتو إثر صراع دموى خلّف عشرات الآلاف من الضحايا. يحكى مانديلا ان وفد إحدى القوى المتصارعة كان يضم سيدة اختفى ابنها قبل شهور فسألت هذه السيدة رئيس الوفد الآخر خلال المفاوضات هل تقسمون على قول الحقيقة لكى نتجاوز هذا الإرث من الدماء؟ فرد هذا الزعيم بالإيجاب. فقالت له السيدة ماذا عن ابنى الذى اختفى ولم نعرف عنه شيئاً ؟ فقال الرجل لا أعرف. وبعد أن همس إليه أحد العسكريين من أعضاء وفده عاد الرجل ليقول لها نعم الآن أعرف. لقد ضلّت مجموعة من جنودنا الطريق فى الغابة مع ابنك. وحين أشرفوا على الموت جوعاً قاموا بقتله وأكل لحمه. أصيبت السيدة بصدمة وفقدت الوعى لدقائق. وحينما أفاقوها قالت لهم إذا كان لحم ابنى هو ثمن السلام فإننى موافقة على التوقيع على الاتفاقية غداً !  

 ما يدور اليوم فى أكثر من بلد عربى من اقتتال داخلى وصراعات دموية لا يختلف كثيراً عما حدث فى بعض الصراعات الأهلية المسلحة فى إفريقيا. فهل يملك العرب القدر نفسه من التسامح لطى صفحة صراعهم الدموى وحروبهم الأهلية؟ الواقع أنه لو اعتقد كل فريق أو جماعة أن المضى فى الصراع هو الطريق لتحقيق ما يريده فهذا يعنى المزيد من الصراع، وبالضرورة المزيد من الارتباط بالخارج، لتؤول الدولة الوطنية المتصارع عليها إلى التفكك. فكل فريق متصارع فى سوريا (وليبيا والعراق واليمن) يستقوى بطرف أجنبى سواء كان هذا الفريق المتصارع هو السلطة نفسها (أو ما تبقى منها) أو كان فريقاً آخر. إنه تاريخ سقوط الأندلس يُعيد نفسه حينما استقوى كل أمير متصارع بقوة أجنبية. وكانت النتيجة المعروفة هى خروج العرب من الأندلس. لكن صراع العرب اليوم هو الذى سيأتى بالقوى الاجنبية إلى ديارهم تحت أى تسمية أو شكل وسواء بطريق الأصالة أو الوكالة الداخلية.

بالطبع ثمة طريق آخر لإيقاف محاولات الاستقواء المتبادل بالقوى الأجنبية إقليمية كانت أم دولية، وبالتالى إيقاف عجلة التفكك وهو طريق إعلاء المصلحة الوطنية على ما عداها (مهما كانت المظالم) وتغليب العقل على العاطفة (مهما كانت الجراح). خرائط طرق السلامة وطرق الندامة واضحة المعالم. لم يبق على العرب سوى الاختيار.

قالوا.. «الذين لا يستطيعون تَذَكُر التاريخ محكومٌ عليهم بأن يكرّروه».


لمزيد من مقالات د‏.‏ سليمان عبد المنعم

رابط دائم: