رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فانتازيا صحفية خارج حدود الزمان!

حتي لا تتوه بنا الظنون.. وتتفرق بنا المسالك وتلعب بعقولنا الأوهام والخيالات.. ونحن نعيش وسط دوامة من المتاعب وغابة من المشكلات لا تنتهي بخطواتنا إلي واحة أمان.. أو حتي نبع حنان.. فهذا الذي احكيه هنا هو مجرد لون من ألوان الكتابة والتعبير يعرفه أساتذة علم القلم في بلاط صاحبة الجلالة باسم «فانتازيا صحفية» لا أكثر ولا أقل.. وهذه الفانتازيا العجيبة هذه المرة أنا صاحبها ومبدعها..>>

 لم يجد أحدا في انتظاره غيري أنا.. فأنا الذي اخترت كما تعودت دائما في حياتي الصحفية أن أعيش أغرب المواقف وأكثر المشكلات تعقيدا وسخونة واثارة.. وتطوعت طائعا مختارا وذهبت إليها بقدمي بكامل إرادتي.. التقي تارة العتاة من المجرمين وتارة أخري الاصفياء الأنقياء من المؤمنين الذين زهدوا في الدنيا وبلاويها.. وأثروا أن يخلو لأنفسهم ولربهم ركعا سجدا في صحراء بلا جليس وبلا ونيس.. ليعبدوا الله في مكان قصي بعيدا عن ألاعيب الإنسان وغدر الإنسان في زمان الغدر والقيل والقال وسفك الدماء أنهارا بلا رحمة ومرارا بلا توقف..

من هو يا تري هذا الذي لم يجد أحدا في انتظاره غيري.. اسمعكم تتساءلون؟

وجوابي: أنه ذلك الإنسان الذي تقاذفت به الأمواج وتلاعبت به في البر والبحر.

إنه ذلك الإنسان الذي غلبه الزمان ومرمطت به الأيام..حتي أصبح في عنقه 1212 حكما قضائيا تساوي في حساب السنين والأعوام 420 سنة.

يعني بصريح العبارة عمنا العزيز هذا لن يخرج إلي الشارع لتظلله أشجار الطريق لأول مرة في عام 2315 ميلادية.. «يا خبر».. اسمعكم ترددون الكلمة عجبا ودهشة واستغرابا.. علي أساس أن وزارة الداخلية قد تكرمت وتعطفت نتيجة لحسن سير صاحبنا داخل السجن.. قد خصمت من رصيده في سنوات الأحكام نحو 120 عاما.. ليخرج إلي الطريق إلي النور عام 2315!

..........

..........

لا تنسوا أننا نعيش معا أنا والسجين وأنتم مجرد فانتازيا صحفية تتخطي حدود العمر والأيام وحساب السنين.. والعقل معا..

احبسوا أنفاسكم.. نحن الآن أيها السادة في عام 2315 ميلاديه.. يعني بالحساب بعد 300 سنة من الآن بالتمام والكمال.. يخرج صاحبنا من باب السجن ليجدني في انتظاره..

ماذا جري لنا؟ ماذا شاهدنا؟.. ماذا حدث؟ تلك هي الفانتازيا الصحفية.

>> نحن الآن خارج بوابة السجن .. سجن أبوزعبل.. سألت صاحبنا الذي يرتدي بنطلون جينز أزرق اللون صرفته له إدارة السجن + تي شيرت أزرق نفس لون البنطلون وكاب أزرق برضه ليضعه علي رأسه حماية له من المطر.. فنحن في أواخر ديسمبر وهو شهر مطير عادة.. وعلي ظهره حقيبة ملابسه من القماش الأزرق ـ برضه ـ صناعة ورش السجن بأيدي السجناء.. وفي قدميه كوتشي أزرق في أبيض..

سألته: معاك فلوس يا عرب؟

قال: سلمولي حسابي كله.. وأنا كنت بأشتغل في ورشة الموبيليا..

أسأله: يعني معاك كام كده؟

قال: بالصلاة علي النبي كدة.. ييجي حسبة تلات تلاف جنيه!

قلت له: عال.. أهم يكفوك لحد أما »تترستأ كده« ـ وهي كلمة عامية تعني بالعربي الفصيح تستقر ـ وتشوف حتروح فين وتيجي منين؟

قال: أنا عاوز أروح لمراتي وأولادي وأهلي وبيتنا.. دول وحشوني قوي!

قلت له لأوقظه من أحلامه: يا عم.. اسميك أيه دلوقتي بس.. حا أقولك يا عم بشندي.. يا عم بشندي هو، فيه حد من دول لسة عايش.. دول ماتوا من سنين طويلة فاتت!

قال بعد لحظة تفكير: طيب خلينا نروح بلدنا.. يمكن هناك الاقي حد أعرفه.. أو من العيلة.

قلت له: حتلاقي أحفاد أحفاد أحفاد الناس اللي أنت عشت معاهم.. وعارفينك وخابزينك وبينك وبينهم نسب وصلة رحم ومودة ورحمة!

قال: عليك نور.. وديني هناك وأوعي تسيبني.. لحسن الناس هناك موش حتفهم أبدا مهما حلفت لهم.. ولو علي المصحف.. إن أنا لسه عايش بعد تلتميت سنة!

قلت له: امال عاوز تروح فين دلوقتي؟

قال: اسافر بلدنا أحسن.. يمكن الاقي حد يعرفني.. أو يعرف راحت فين عيلتي ومراتي وولادي حسن وحسنية وأعمامي واخوااني وأرضنا اللي كانت هناك وبيوتنا لسه موجودة واللا هي رخره في الباي باي؟

أسأله: هي بلدك كان اسمها إيه يا فريد عصرك وأوانك؟

قال: اسمها السنبلاوين.. وكان لينا بيت كبير في آخر البلد يطل علي الغيطان.. غيطان قمح وذرة وأرز وقطن.. وكان حوالين الغيطان كدة أشجار جميز وأشجار توت وسواقي وترع ودنيا ثانية مليانة خير ورزق وشبع!

اسأله: وأبوك يا تري كان بيشتغل إيه؟

قال: مابيشتغلش.. ده كان عمدة البلد بحالها.. عنده من الأطيان فدادين ماتعدش.. وكان متجوز أربعة غي عين العدو.. أصل سلو عيلتنا أن الراجل اللي اسمه راجل.. لازم يكون علي ذمته أربعة من جنس الحريم!

قلت: دي حاجة جميلة قوي.. ولازم كان عنده جيش من الأولاد اللي زيك.. وبنات قمامير آخر بغددة موش بنات حضرة العمدة!

قال: دا انت عارف كل حاجة أهوه.. هو أنت كنت من بقيت عيلتنا واللا إيه!

قلت: ولا كنت ولا حاجة.. أصل أعمامي في كفرالشيخ كانوا من عينة أبوك كده!

قال وهو يسحبني من يدي: ياللا بينا ناخد القطر وللا الأتوبيس ونروح بلدك هناك عدل ـ بكسر العين والدال وسكون اللام!

..........

..........

نحن الآن نتحرك أنا وصاحبنا الذي يعيد إلي الأذهان قصة أهل الكهف الذين اعادهم سبحانه وتعالي إلي الحياة بعد ثلاثمائة عام ازدادوا تسعة.. ولكنه يتفوق عنهم بأنه عاد بعد 320 عاما.. يعني بزيادة أحد عشر عاما!

أعود اذكركم حتي لا تنسوا.. نحن مازلنا نحكي وقائع »فانتازيا صحفية«.. مجرد فانتازيا لا أكثر.. تخرجنا ولو ساعة زمان واحدة.. من دوامات الحياة ومتاعبها ونكدها وأدرانها ومكائدها..

حاولنا أن نشير إلي تاكسي لكي يقف لنا ويأخدنا إلي محطة مصر.. ولكن لا أحد يقف.. حتي شكل التاكسي ولونه تتغير تماما.. أصبحت كل التاكسيات بلون رقعة الشطرنج مربعات سوداء وبيضاء + لمبة كهربائية تضوي وتضيء وتطفيء فوق ظهر التاكسي.. ومن الآخر.. طلبوا لنا تاكسي الله يكتر خيرهم العساكر الواقفين علي باب السجن الذي مازلنا نقف أمامهم.. جاء التاكسي وركبنا في المقعد الخلفي فتح السائق الزجاج الذي يفصل بيننا وبينه وسألنا: علي فين العزم يا أولاد العم؟

قلت له: عاوزين نروح محطة مصر؟

قال: قطر كهربائي.. وللا أتوبيس مكيف وللا هليكوبتر محافظات؟

احترنا.. برهة سألت خلالها صاحبنا تحب تركب ايه ما احنا بقينا في سنة 2315.. من الحاجات اللي قالهم حضرة البيه السواق؟

قال: أنا بخاف يابا من الطيران.. نركب أحسن القطر الكهربائي.. بس وحياتك تسأله الأول القطر ده بيقف في محطة السنبلاوين وللا لأ؟

سألناه.. وكان ردده علينا: لما تروحوا المحطة المكيفة اللي تحت الأرض.. تبقوا تسألوا هناك وانتم بتقطعوا التذاكر!

دخل بنا السائق نفقا طويلا مكيفا تحت الأرض.. لكن آخر نور وآخر نظافة.. كل شيء منظم كل شيء يفرح.. معقولة دي القاهرة المخنوقة زحاما ودخانا.. كل شيء جميل.. خرجنا من النفق الطويل المكيف.. لنجد أنفسنا في محطة مصر موديل 2315.. كأننا ذهبنا إلي محطة قطارات جزيرة مانهاتن في نيويورك.. لم نصدق أعيننا.. سألنا السائق: هي دي محطة مصر في القاهرة واللا في نيويورك؟

يقهقه السائق قائلا: نيويورك ايه يابا.. انتم شاربين حاجة.. أنتوا في محطة مصر.. اتفضلوا بقي انزلوا عشان آخد نمرة واقف عند دوري!

مشينا علي رصيف ناعم أملس والدنيا من حولنا تضوي وتضيء ولا ورقة علي الأرض.. وكل المصابيح مضاءة ولا واحدة بس توحد الله مطفأة أو مكسورة..

رحت افرك عيني وأحلم: ايه هو احنا في مصر وللا في نيويورك؟

اتأمل الخلق من حولنا.. ولا واحد واخد باله مننا.. إلا طفل صغير يمسك بيد أمه التي ترتدي برنيطة عريضة وبنطلون محزق ملزق.. شاور علينا وقال لأمه: شوفي يا ماما.. الناس دول لابسين لبس أيام زمان اللي بنشوفه في افلام الابيض والاسود.. والله بقينا عجبة يا صاحبي!

تنظر إلينا الأم وهي تدخن سيجارا عبر مبسم طويل وترفع حاجبها قليلا وتنفرج شفتاها عن ابتسامة دهشة واستغراب.. ايه دول.. يمكن يا حبيبي بيمثلوا فيلم قديم قوي من أيام محمود يس وحسين فهمي ومحمود مرسي وعادل إمام وشادية وفاتن حمامة؟

يزغدني صاحبنا في جنبي ونحن نقف أمام شباك تذاكر القطار الكهربائي الذاهب إلي مدينة السنبلاوين ويقول: غريبة يا أخي.. الستات لابسة لبس الرجالة.،. والرجالة لابسة حاجات كدة ما يعلم بيها إلا ربنا.. هي الدنيا انقلب حالها وللا ايه؟

وأخيرا وبعد دوخة وألف سؤال جلسنا في مقاعدنا المرقمة داخل قطار مكيف.. قالوا لنا إن اسمه: »الطلقة« بسم الله طلقة المسدس.. وليس طلقة الستات لأنه ينطلق بسرعة تزيد علي الـ100 كيلو في الساعة!

سألنا البيه الكمساري الشيك الذي يدخن سيجارة: هو القطر ده رايح وحياتك.. السنبلاوين؟

لم يرد علينا.. وانما كتر خيره.. اشار إلي شاشة تليفزيونية مضيئة أمامنا وقال: كل شيء مكتوب علي الشاشة.. دوس علي الزرار اللي علي مسند المقعد علي اليمين يظهر لك علي الشاشة كل ما تريد أن تعرفه وزيادة!

سألناه: يعني ايه وزيادة؟

قال: يعني حتشوف بلدكم علي الشاشة اسمها وكل شيء عنها بالصورة والكلام.. ده غير الأفلام والأغاني اللي انتم بتحبوها!

قلنا في نفس واحد: يا سلام سلم.. هي القيامة قامت واللا ايه؟

..........

..........

ومازلنا مع أحداث الفانتازيا الصحفية.. ونحن في طريقنا بالقطار الكهربائي المكيف إلي مدينة السنبلاوين.. بلد صاحبنا الهمام.. ولا تنسوا أننا نعيش الآن في أيام عام 2315 ميلادية.. ربنا يديكوا طولة العمر.. ولكن ذلك بإذن الله حديثنا القادم {!
 

Email:[email protected]

Email:[email protected]
لمزيد من مقالات عزت السعدنى

رابط دائم: