رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

استراتيجية الثقافة

يذهب المفكر وعالم الاجتماع العربى الأشهر عبد الرحمن بن خلدون، إلى أن جميع الحضارات تحيا كل مئة عام «دورة حضارية»، حيث تسمو إلى أعلى

مرتقاها، ثم تخبو وتفتر همتها وتتراجع، لتعود بعد مئة عام أخرى وقد استردت عافيتها وتألقها، ويبدو لى أن توماس أليوت تأثر بهذه النظرية، حيث أكد فى كتابه «تعريف الثقافة» أن الثقافة حين تبلغ ذروتها من التطور تعانى التفكك.

ونظرة يسيرة إلى واقع الثقافة المصرية توضح لنا صدق المقولتين، إذ عاشت ثقافتنا فترة توهج وازدهار منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وحتى أواخر القرن العشرين، وكان لها فضل ريادة عالمنا العربي، ثم انتقل الوهج الثقافى إلى مجتمعات عربية آخري، عبر طفرة بنيت على أسس فكرية نبعت فى مصر. وحين تغيب الثقافة عن المشهد الحياتى لمجتمع ما تتوارى معها التنمية، والدولة التى لا تعى الدور الحيوى للثقافة فى تقدم الشعب هى دولة لن تحظى أبدًا بأسباب التقدم والرقي.

وقد قامت الثقافة المصرية فى أوج ازدهارها على أكتاف أبناء الطبقة الوسطي، فلما تراجع دور هذه الطبقة خلال الأربعين سنة الماضية، وبالذات خلال العقود الثلاثة التى تولى فيها مبارك الحكم، تراجعت الثقافة وصارت تعنى عند كثيرين مناصب وسفريات وجوائز، بخاصة بعد نجاح فاروق حسنى فى إدخال الانتهازيين منهم إلى حظيرة السلطة، مما اضطر المرجعيات الثقافية الحقيقية إلى التوارى والعزلة احترامًا لذواتها وتاريخها، تاركة الساحة للطفيليين وأنصاف المثقفين وأرباعهم، والأدهى أن بعض هؤلاء الطفيليين قبلوا أن يكونوا عينًا على زملائهم، عبر تقارير يعدونها ويكيدون بها لغيرهم طلبا للحظوة.

وانتقلت هذه السلوكيات الهابطة إلى برامج التوك شو فى الفضائيات، والتى باتت أكثر الأمور دلالة على مدى التخبط الذى يحياه المثقفون، والدرك الذى هوت إليه الثقافة، إذ لم يكتف مقدمو هذه البرامج بالطعن فى وطنية بعضهم والتشكيك فيها وتأليب الدولة عليه، لكنهم أيضًا لوثوا البيئة المصرية بألفاظ سباب هابطة، وروجوا لخزعبلات ودعوات أباحية تتعارض وقيم المجتمع المصري، وتلوث عقول الشباب وأخلاقهم.

ووصل الأمر ببعض المحسوبين على الوسط الثقافى إلى ممارسة البلطجة الفكرية على الدولة، عبر محاولة فرض من يريدونه وزيرًا للثقافة، ويبدو أنهم حين فوجئوا باختيار الكاتب الصحفى حلمى النمنم وزيرًا - على غير توقع منهم - سعوا إلى حصاره عبر معسكرين، الأول سلفى يتهمه بالكفر ويطالب باسقاطه، فيما الرجل كما بلغنى يصلى ويصوم ويعبد الله، والفريق الآخر خليط من أهل اليمين واليسار، يسعى بخبث إلى دفع الوزير إلى معركة مع السلفيين، وإقناعه بتنقية الوزارة ممن يصفونهم بـ «بقايا الاخوان»، وهم لا يفعلون ذلك انتصارًا للحق، ولكن للتخلص من خصوم يخشونهم. وفى تقديرى أن الوزير يعى تمامًا ما يحاول الفريقان جره إليه، كما أنه ليس عليه فواتير يسددها لجماعة أو أفراد، وموقعه كوزير للثقافة يفرض عليه رفض الشللية والتعامل مع كل التوجهات، والترفع عن الرد على الصغائر، وما كان مباحًا له من كلام وهو كاتب صحفى يعبر عن نفسه، يختلف عما ينبغى أن يكون بصفته وزيرًا يعبر عن دولة. إن أمام النمنم عملًا شاقًا، لإعادة العقل المصرى إلى سابق تألقه، ولتكن البداية بوضع استراتيجية ثقافية شاملة للدولة بالتعاون مع الوزارات المعنية الأخري، كالتربية والتعليم والشباب والرياضة والتعليم العالي.


لمزيد من مقالات أسامة الالفى

رابط دائم: