رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

السياسة الخارجية .. فرص وتحديات ورؤى

منذ بدء مصر الحديثة على يد محمد على حتى الآن اختلفت سياسات الرجال الذين حكموها حسبما رأوه الأوفق فى حكم البلاد... وفرض موقع مصر

الاستراتيجى وسط القارات الثلاث أفريقيا وآسيا وأوروبا فضلا عن دورها الرائد فى العالم الإسلامى تأثيره وتفاعلت احتياجات مصر الداخلية وسياسات حكامها فى خارج حدودها... ولا تكاد هناك دولة فى العالم أكثر من مصر تكون فيها السياسات الداخلية والخارجية شيئا واحدا... ما بين نهر النيل الذى ينبع من خارج مصر وحدود مصر المترامية ووقوعها على البحرين الأبيض والأحمر وقناة السويس التى تربط بينهما مع ما تلعبه من دور فى سياسات الدول الكبرى... يجد الرجال الذين حكموا مصر عبر المائتى عاما الأخيرة أنفسهم مهمومين بالتوفيق بين احتياجات ومؤثرات الداخل والخارج فينعكس ذلك كله فى سياستهم الخارجية.

عبر هذه الأعوام اختلفت سياسة هؤلاء الرجال حسب الظروف السائدة والعوامل الضاغطة، ثم تأتى الأيديولوجيات لتضيف عنصرا جديدا إلى الأفكار التى سيطرت على هؤلاء الرجال... كان ذلك واضحا فى عهد عبدالناصر عندما تبنى فكرة القومية العربية وفى العهد المبتور أيام حكم الإخوان الذى أعلى من أيديولوجيته على حساب الوطن...

كانت السياسة الخارجية عاملا رئيسيا فى كل ما جرى طوال القرنين الماضيين... جاء زعماء ما بعد وقوع الاحتلال البريطانى لمصر فى ثمانينات القرن التاسع عشر فكانت غايتهم منحصرة فى تحقيق الاستقلال الوطني، والتخلص من الحكم الأجنبي، وجاء زعماء وطنيون يدعون بكل قواهم من أجل هذه المطالب من أمثال مصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس وغيرهم، وقد عاشت مصر فى هذه الفترة درجة لا بأس بها من الديمقراطية، والانفتاح الثقافى على العالم، وكانت السياسة الخارجية هنا أيضا عاملا حاسما فى مسيرة هذه الحقبة التى حققت أيضا درجة من الاستقلال أدخلها عصبة الأمم وألغيت فيها الامتيازات الأجنبية، وانتهت هذه الحقبة عندما ألغت مصر معاهدة 36، واحترقت القاهرة فى أحداث مازال الغموض يكتنفها حتى الآن، وجاء على أنقاض هذه الحقبة زعيم شاب هو جمال عبد الناصر، فكانت سياسته الخارجية هى مصدر قوته كما كانت سبب انكساره والنهاية الفعلية لحقبة القومية العربية فى هزيمة 67... كانت السياسة الخارجية مصدر قوته كما كانت مصدر انكساره.

ثم جاء السادات بعد عبد الناصر وارثا تركة الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية، ولكن عينه لم تكن على توحيد العالم العربى كما كان عبد الناصر، ولكنها كانت نظرة أحادية، فترك حلم عبد الناصر، وتركز جهده فى كسب معركة خطفت أنظار العالم وحقق من ورائها سلاما قد يُختلف عليه ولكنه أتاح لمصر فرصة لالتقاط الأنفاس وثلاثين عاما من السلام كان يمكن فيها بناء مصر من جديد.

وراح السادات ضحية للإرهاب وجاء حكم آخر كان يمكنه استغلال هذه الفترة لبناء مصر وإصلاح اقتصادها، إلا أنه كان نظاما فاقدا للرؤية كما كان فاقدا للهمة وترسخ الفساد فى عهده ... ولم تكن له سياسة خارجية تليق بمقام مصر وتلبى مصالحها الحيوية سواءً فى أفريقيا التى أهملها تماما أو حتى فى المنطقة العربية... ثم تزايد اعتماد مصر على الخارج وهجرة المصريين الناجمة عن الانفجار السكانى وانتفاء الكفاءة فى إدارة البلاد وكان انجازه الذى افتخر به هو إلغاء الديون العسكرية الأمريكية التى جاءت باقتراح من سفارة مصر بواشنطن وبإدارتها لهذه المعركة مستغلة شبكة العلاقات الواسعة التى كونتها آنذاك مع أعضاء الكونجرس الأمريكي.

ثم جاءت ثورتا يناير ويونيو وخرج من قاهرة المعز زعيم جديد وارثا أكبر كم من الركام الذى تربى مع حقبة الفساد... ولأنه كان يحلم بمصر ويعمل على خلاصها فلقد كانت ساحة حركته فى الخارج ممتزجة بحركته فى الداخل لأنه عرف بالفطنة أن أى تقدم لمصر لابد أن يكون الخارج عنصرا رئيسيا فيه فعمل فى الساحتين فى آن واحد، وبالرغم من أن سياسة الرئيس الخارجية لم تتبلور فى صورتها النهائية فإن ثمة ملامح لها تبدو ظاهرة لمن يحاول أن يسبر غورها، وفى تقديرى أنها سياسة براجماتية فى الأساس لا تنطلق من أفكار أيديولوجية مسبقة... وإنما تتشكل بحسب المصالح الحيوية المباشرة وتتأقلم مع تغير الظروف.

بالنسبة لأفريقيا يمارس الرئيس سياسة هجومية بالمعنى الإيجابى لهذه الكلمة... فهو قد اقتحم هذا الكنز المغلق الذى تجاهله مبارك رغم ما استثمر فيه عبد الناصر، وهو لا يترك فرصة إلا ويظهر فى أفريقيا... حتى فى اجتماع تقيمه الهند وتدعوه مع القادة الأفارقة الآخرين فإنه لا يتردد فى الذهاب.

بالنسبة للمنطقة العربية هو يمارس سياسة دفاعية قائمة على التوازنات ولا ينجرف إلى المغامرات... يقف بكل قوة مع الأشقاء العرب انطلاقا من إيمانه بالأمن القومى العربى كجزء رئيسى من الأمن القومى المصري، وهو يتحرك بدبلوماسية هادئة من أجل حل المشاكل وتقريب وجهات النظر ولا يستبعد إيران ولا يجارى عداء اردوغان، ويدعم الجهود المبذولة للقضاء على الإرهاب، وتلعب المصالح الحيوية وخاصة الاقتصادية دورا هاما فى سياسة التآلف مع الدول العربية فى الخليج، كما تلعب هذه المصالح والرغبة فى مقاومة الإرهاب دورا مماثلا فى التعامل مع الدول العربية فى شمال أفريقيا.

تمتد هذه البراجماتية والقائمة على التوازن إلى الدول القريبة فهو قد أقام علاقات صداقة مع روسيا، ويستفيد من هذه العلاقات فى مجال التسليح والاستثمار، بينما يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة حتى لو كانت باردة... لأنه يعرف أن هذا «الفيل» الكبير يحمل من طاقة الدمار بقدر ما يحمل من طاقة الإعمار فهو يعامله ببرجماتية ويعمل على تحييد عدائيته والإفادة من الهامش المتاح، شأنه فى ذلك شأن معاملته مع أوروبا وبالأخص دولها الرئيسية الثلاث ألمانيا وفرنسا وبريطانيا التى زارها أخيرا، واقتحم هناك معاقل كانت تعمل على بث الذعر فى قلبه حتى يتراجع عن هذه الزيارة ولكنه ذهب وواجه الإعلام المعادي، وعمل على كسب الأصدقاء هناك لأنه يعلم أن الدبلوماسية فى النهاية تكمن فى كسب الأصدقاء وتحييد الأعداء.

وهو يفتح طريقا إلى الشرق- ولا يتردد فى التوقف لثلاثة أيام لزيارة سنغافورة لكى يتعرف على تجربتها ومعجزتها الاقتصادية... ويزور اندونيسيا ويعيد أجواء باوندونج ويتعلم أيضا من هذا البلد الإسلامى والآسيوى الكبير والذى ينهض فى بناء ديمقراطى حديث.. كل هذا نابع من سياسة برجماتية متوازنة.... يبتعد فيها عن الصراعات.. يحاول جاهدا رغم كل الصعوبات أن يستعيد من فرص ضاعت فى حقب سابقة.

ستبقى أمامه مع ذلك مشاكل داخلية متفاقمة خاصة أنه حتى الآن لم يُقم المؤسسات التى يمكن أن تساعده... فهو ما زال مفتقدا لمجلس للأمن القومى بالمعنى المعروف دوليا لمثل هذا المجلس، وما زال مفتقدا لمجلس للمستشارين الاقتصاديين Council of economic advisors الذى يساعده فى بناء إستراتيجية للاقتصاد القومي.

هنا أيضا دور المجتمع المدنى ليس فقط فى الإسهام فى معالجة مشاكل الداخل، ولكن دور المجتمع المدنى مطلوب فى مجال السياسة الخارجية التى هى جزء من أمن مصر القومى .

تأخرنا عن غيرنا كثيرا فى إنشاء المؤسسات الفكرية البحثية، ثم جاء إنشاء المجلس المصرى للشئون الخارجية الذى حرصنا عند إنشائه على أن يكون ذا هوية وطنية وأجندة مصرية بحتة لا يقبل فى عضويته غير المصريين ولا يقبل تمويلا أجنبيا، وكان ذلك مما أكسب هذا المجلس مصداقيته لدى الرأى العام، واستجاب الناس للانضمام إلى هذا المجلس بأكثر من توقعاتنا ولكن المجلس تخلف عن البحث ووضع الرؤى المستقبلية, وإذ ندخل الآن إلى مرحلة جديدة بانتخاب مجلس إدارة جديد، فإننى أرجو أن يكون للشباب نصيب أوفر وأعظم مما كان فى الماضي.

سنعمل بعون الله على تطوير هذا المجلس الرائد بحيث يستطيع أن يلعب دوراً رئيسا فى مجال الدراسات الإستراتيجية وبحوثها ويكون مجال اهتمامه الرئيسى هو المصلحة الوطنية المصرية national interest والتواصل مع العالم فى أفريقيا والمنطقة العربية وقوى العالم الأخرى المتباينة؛ لتظل أعيننا على مصر فى مجالها الحيوى، وفى هذا المجال توجد تحديات ضخمة ذات أبعاد وجودية بالغة من خارج مصر كما هو المجال فى قضية المياه والتى يكوّن نهر النيل حوالى 96% من احتياجاتنا منها، وكما هو الحال أيضاً فى الأخطار الناجمة عن أسلحة الدمار الشامل وبخاصة التهديد النووى القادم من إسرائيل على حدودنا الشرقية.

أما فى المنطقة العربية فنحن أمام منطقة الشام (سوريا) التى كانت مصدر تهديد للأمن القومى عبر التاريخ، ولكن لم تعد منطقة الشام وحدها مصدر التهديد بل انضمت إليها ليبيا على حدودنا الغربية.

وظهرت المنظمات الإرهابية خاصة بعد الحرب الأمريكية على العراق 2003 وقبلها حرب السوفيت فى أفغانستان التى بدأت من 1979 وفرخت الإرهاب... ظهرت تلك المنظمات والجماعات التى تتمسح فى الإسلام وفتاوى من يدعَّون العلم، وهناك الآن مخاطر أن تتحول دول بأكملها إلى دول فاشلة كما هو الحال فى القرن الأفريقى ذى الأهمية الإستراتيجية لمصر.

مع ذلك فإنه كما توجد تحديات توجد أيضاً فرص كبرى فى التعاون فى مجالى الاقتصاد والطاقة وغيرهما مع دول المنطقة العربية وغيرها وخاصة فى أوروبا التى تحتاج الطاقة الشمسية وهى منطقة ذات أهمية حيوية كبرى لنا، ويرتبط الأمن القومى فى مصر بها بحيث أصبح هناك أمن قومى عربى على حافة الأمن القومى المصرى... وقد أصبحت هذه الدول أيضاً تعيش فى ظل تهديدات أمنية كبرى خاصة بعد أن أصبحت إيران ذات إمكانيات نووية تضعها فى منتصف الطريق إلى النادى النووي.

فى هذه المنطقة ايضاً أصبحت هناك قوى خارجية تعمل على تأليب الدول العربية والإسلامية بعضها على بعض وخلق العداوات فيما بينها تطبيقا لمبدأ «فرق تسد» حتى تدمر نفسها بنفسها من خلال بث أفكار الصراع المذهبى والتطرف الديني... كيف تستطيع مصر أن تكون هى الدولة الرائدة فى مقاومة هذه الأخطار وتلعب دوراً محوريا فى تكوين القوة العربية الشاملة حتى تكون المنطقة العربية أو ما كان يسمى عن حق «الوطن العربي» قوة إقليمية تتعامل مع القوى الإقليمية الأخرى مثل تركيا وإيران وأثيوبيا وإسرائيل من موقع قوي؟ وكيف لنا أن تتفاعل مصر الدبلوماسية واخوتها العرب مع أمريكا وروسيا وأوروبا، كما تتعامل مع الشرق الصاعد بإمكانياته الكبرى خاصة الصين.

ربما كان الحديث عن هذه التحديات والفرص من ضروب الخيال الآن ولكن إذا تمعنا موقعنا وإمكانياتنا وما تحمله هذه المنطقة من ثروات مادية وروحية فإننا على وجه التأكيد نحتاج إلى مراكز بحث لتفريخ السياسات والأفكار لتجد هذه المنطقة وفى قلبها مصر الطريق إلى العيش المشترك مع العالم الخارجى بندية وكفاءة من خلال التعاون وتبادل المصالح... إن المجتمع المدنى المصرى هو المطالب بأن يقوم بهذا الدور وإذا كنا قد نجحنا فى إقامه المجلس المصرى للشئون الخارجية فإن الطريق مازال طويلاً أمامنا ونحتاج فيه إلى أن تمتزج الأجيال وتتحالف خبرة العمر مع حماس وطاقة الشباب... والانتخابات التى ستجرى فى منتصف هذا الشهر فى المجلس ستكون اختباراً حاسما لنا، إلا أن الأهم هو أننى كغيرى كثيرين أثق فى إخلاصنا لبلادنا وشعبنا وقدرتنا واستعدادنا لأن نقدم لبلادنا كل ما نملك، فمصر تستحق منا كل حياتنا.


لمزيد من مقالات السفير/ عبد الرءوف الريدى

رابط دائم: