رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

دور القيم فى وقت الأزمات

تمثل القيم ركيزة أساسية في استمرار الحياة المجتمعية وانسيابها فضلا عن الحفاظ عليها من كل ما يمكن أن يهددها، والمقصود بالقيم هنا منظومة الأخلاق

المستقرة في ضمير المجتمع، كأثر ناتج عن الشرائع والأعراف الصحيحة المستمرة في واقع الناس والتي لم تخالف ما هو مستقر ومركوز في تلك الشرائع.

وهذا كله مرهون، في التطبيق العملي، بالوعى المجتمعي ومدى عمق إدراك الناس بقيمة هذه المنظومة الأخلاقية وقدرتها على حفظ المجتمع واستقرار الحياة فيه، ولا ريب أن هذه القيم لا تعمل وحدها بل تعمل في إطار منظومة متكاملة من النظم القانونية التي تتناغم معها وتضبط إطار حركة الحياة الإنسانية، بما يحقق مصلحة الناس في العاجل والآجل، ذلك أن النفس البشرية بما جُبِلَت عليه من شهوات ونزعات قد تتنازعها فيغلب عليها الهوى فتخالف الشرع والقانون، ومن ثَمَّ تأتي مخالفة القيم ومنظومة الأخلاق كنتيجة لزومية.

ومن كل ذلك لا يمكن الفصل بين منظومة الأخلاق ومنظومة القانون التي تساعد على استقرار الأولى (المنظومة الأخلاقية) وفاعليتها في المجتمع، لكن مجال تطبيق هذه المنظومة يكون موجودا بصورة فاعلة عند تعمق الإيمان في القلوب، مما يثمر في تعظيم دور الرقابة الذاتية المانعة من المخالفة.

وفي هذا الإطار يأتي التأسيس النبوي الشريف لتعميق الإيمان في النفوس، وأنه المحرك لكل أعمال المسلم الظاهرة والباطنة التي لا يطَّلع عليها أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وذلك في حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث يقول: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس وأسند ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد: أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسولالله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومرمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا«، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله، ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره«، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان،قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (صحيح مسلم/ 8).

وبهذا توضع اللبنات الحقيقية في بناء النفس الإنسانية التي تتحرك مع الحياة في تناغم حقيقي تقدم فيها كل الثمار الناتجة عن تفاعل الأخلاق والقيم مع القانون المنظم للعلاقات البشرية في المجتمع، مع إدراكها لمصلحة هذا المجتمع إدراكا حقيقيا وأنها الأَوْلَى بالعناية والرعاية، ومن ثم فإذا تعارضت مع المصلحة الفردية قدمت عليها؛ فإن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.

والوصول إلى هذه المرحلة من الفهم، إنما يكون عند ارتقاءالشعور والحس لدى الفرد بالمسئولية الأخلاقية الدافعة إلى الأداء والتنفيذ، انطلاقًا من الضمير الأخلاقي دون رقابة خارجية.

ومن المقرر أن تصرفات المرء تجاه وطنه وأمته إنما تقاس بمقدار ما عنده من قيم راسخة وأخلاق متجذرة، أثمر عنها الإيمان والعمل الصالح، فإذا وجدنا خللًا في الربط بين هذين الأمرين - خاصة في وقت الأزمات- بأن ادعى أحد أنه إنما يرتسم طريق القيم والأخلاق، انطلاقًا من إيمانه، ثم رأيناه يكيد لأمته ووطنه، أدركنا بداهة مدى التناقض بين تصرفه وما يقوله ويدعيه.

فقد كان الأولى به في المراحل الصعبة التي تمر بها أمته ووطنه أن يظهر من أخلاقه ما يدل على تدينه الصحيح، الذي لا ينبغي أن ينفصل عن منظومة القيم والأخلاق؛ لأن التعامل مع هذه المواقف هو جزء من اختبار الشخص باهتمامه بقضايا أمته، وأنه ينبغي أن يكون رشيدًا في التعامل معها؛ لأن في مثل هذه الأوقات يُعَدُّ اتخاذ الموقف المحايد في القضايا الأخلاقية الكبرى جريمة وخيانة للأمة وللوطن، ومن باب أولى ذلك الذي يتخذ موقفًا سلبيًّا معاديًا لمصالح بلده؛ فإنه يكون أشد جرمًا، ذلك لأن دفع غائلة الهوى والشهوات من واجبات الدين، فإذا غلبت الشهوات وغوائل الهوى ولم يقاومهما قوة القيم والأخلاق المثمرة للتقوى شاعت الأزمات والفوضى.

وهذه معان راقية ومقاصد منيفة أرشدت إليها شريعتنا الغراءوحثت عليها في نصوص كثيرة، من مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في تحذير المسلم من الانفصال فكريًّا أو شعوريًّا عن مجتمعه ووطنه، فقال: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهمب (المعجم الأوسط للطبراني/ 7473)، والاهتمام لا يكون فقط بمعرفة الأخبار والوقوف على الأحوال، وإنما يكون باتخاذ المواقف التي تنفع الأمة وتُعْلِي كلمتها.

وإن ما تمر به مصر في هذه الآونة يقضي بضرورة تضافر الجهود وتوحيد الصف وإعلاء مصلحة الوطن، وعدم اتخاذ مواقف مهزوزة فضلا عن أن تكون سلبية لتظل مصر كما عهدناها محروسة آمنة مستقرة .


لمزيد من مقالات د شوقى علام

رابط دائم: