رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منمنمات ثقافية
كـان معـلما‏..‏

عندما علم أبناؤه وزملاؤه بوفاته مضوا إلي داره, وغص الشارع بالناس, يعزي كل منهم الآخر, ويقومون بواجبهم نحوه.وعندما خرج نعشه من الدار مضي من ورائه موكب طويل يضم مئات الاطفال والرجال والنساء- إن الفرقة التي أحياها من العدم-يقصد فرقة معهد الأيتام الموسيقية- تودعه وافرادها يتناوبون العزف لان البكاء يحول دون مواصلتهم العزف, ويقول الناس في مدينتي انهم لم يحسوا ان الفرقة عزفت بهذه الطريقة من قبل ولا من بعد- وكانت الورود التي ساهم في غرسها بيديه تغطي نعشه والناس ينفضون ايديهم مما يعملون لكي يودعوا الرجل الذي اعطاهم انفاسه ودقات قلبه ونور عينيه- كان المصاب فيما يرون للجميع...
لقد عاش هذا المعلم عمره كله.. لم يمت قبله بلحظة واحدة. بل ظل يعطي وما نقص ما عنده بقدر عطائه, بل زاد. وظللت منذ ودعته منذ قرابة ربع القرن أتساءل: هل حقا مات؟!... لست ادري لماذا أحس دائما أن الحياة قد امتدت به بعد وفاته.. امتدت به في صورلا استطيع أن أحصيها.
لوهلة تصورت أن أستاذنا عبد التواب يوسف استشرف المشهد في سرادق عزائه الذي اكتظ بتلاميذه وأصدقائه ومحبيه, فالصورة التي رسمها عبد التواب يوسف- احد أهم رواد أدب الأطفال في مصر والعالم العربي- لوداع والده في بني سويف تتكرر أمامي في وسط القاهرة.. ثمة وجود محسوس وإن لم يكن مرئيا لصاحب السرادق وكأنه لم يبخل بصحبته علي من أحبهم وأحبوه فقدم لهم خلاصة التجربة عبر سطور كتاب, كان أبي معلما, الذي حرصت كريمته د. لبني أن يحتل مساحة علي منضدة تصدرت سرادق العزاء, يذكرهم بمعني الحياة وحقيقة الموت, وبغائبين أكثر حضورا من أشباه أحياء وبأن الذكري الطيبة والعطاء لا ينقطعان وإن واري الثري أصحابها وأن الموت يحل عندما يداهمنا النسيان..
فيما كنت أتصفح الكتاب اختلط علي الأمر, فقد تماهت شخصية الأب المعلم الذي لم يتخل عن السبورة والطباشير ورسالة المعلم لآخر لحظة وبين الابن الذي سطر السيرة واختار نفس الدور وحمل أمانة الرسالة أثناء عمله مشرفا علي برامج الإذاعة المدرسية بوزارة التربية والتعليم ومن خلال برنامج بابا شارو في خمسينيات القرن الماضي وآلاف من برامج الأطفال في كافة الإذاعات العربية, وفي كتبه التي تقدر بحوالي ألف كتاب منها595 كتابا للأطفال طبعت في مصر و125 كتابا للأطفال طبعت في البلاد العربية و40 كتابا للكبار,من أشهرها خيال الحقل- حكايات شهرزاد- حكايات غير شعبية جدا- الساعة الضائعة- سحر النغم- القط المثقف- سلام الشجعان-الكمبيوتر يحلل شخصية جدو- هيا بنا, وسلسلة( معجزات الأنبياء) وسلسلة( بطولات فلسطينية).
فمثلما حرص الأب المعلم الشيخ يوسف أحمد يوسف أن يتواصل مع تلاميذه في بني سويف ليبني شخصياتهم وينمي عقولهم, واصل الابن عبد التواب المسيرة بقلمه في حكايات جعل منها وسيطا تربويا يتيح للطفل اكتشاف نفسه وبيئته والوصول لإجابات عن أسئلته وبشحذ ملكة الخيال وحب الاستطلاع والتفكير والتحليل والنقد من خلال التواصل مع الراوي.
ولا أدري إذا ما كانت د.لبني باختيارها لهذا الكتاب قد ادركت أنها تلخص سيرة أبيها ومثل ارتضاها في مسيرة حياته أم أنها تدرك بحكم انتمائها لمهنة عشقها الأب والجد, وهي من بعدهما, أن ما جاء في سطور تلك السيرة هو أجمل وأخطر وصايا عمدة أدب الأطفال كما وصف نفسه عبد التواب يوسف في زمن ضاعت فيه هيبة العلم وباتت فيه العلاقة بين المعلم وطلابه أشبه بحرب ساخنة!!..
رحم الله الأب والجد وأستاذنا كمال بشر-الامين الأسبق لمجامع اللغة العربية- وجيلا من الأساتذة, بساطته ورحابته الانسانية سر عظمته..
تراجيديا ثقافية!!
كشف موت الكاتب الموهوب علي سالم سوءات الوسط الثقافي!!. فما بين شامت تناسي حرمة الموت وبين تعامل حذر ينفي تهمة التعاطف أو مجرد مناقشة الرأي, تاهت موهبة مبدع أغنية علي الممر وأنت اللي قتلت الوحش وبكالويوس في حكم الشعوب و..و..و الآلاف من مقالات تميزت ببراعة الاستهلال والانتقال بين الفقرات وبخاتمة تجبر القارئ علي التفكير والتطلع لما سيأتي به الحكاء الساخر الباكي الحالم المأزوم بتمرد الانسان علي حضارته وبعوالم فانتازيا سياسية تغازل المشاعر وتتلاعب بالكلمات دون مردود علي الأرض!!. ظل علي سالم محاصرا لمجرد أنه حلم مثلما يحلم المبدعون في كل زمان.. وعندما جاهر برأيه لقي ممن يتشدقون بحرية الفكر والإبداع مصير سقراط..

http://[email protected]


لمزيد من مقالات سناء صليحة

رابط دائم: