رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صعود اليسار فى حزب العمال البريطانى

قفزت تغطية حملة انتخاب رئيس لحزب العمال البريطاني وانتصار معارض لسياسة الحزب الحالية ولنظام الليبرالية الجديدة العالمية إلى صدارة اهتمام الصحافة في الغرب. فالتيار الرئيسي في تلك الصحافة يعادي كوربن الفائز في تلك الانتخابات بشدة، كما أن كوربن لا يلقى تأييد كثير من أعضاء برلمان حزب العمال المرموقين، وبعد فوزه هدد بعض نواب الحزب بعدم الانضمام إلى حكومة الظل تحت رئاسته.

وينتمي حزب العمال البريطاني تاريخيًا إلى التيار الأوروبي المسمى تيار الديمقراطية الاشتراكية، وهو تيار إصلاحي داخل النظام الرأسمالي لم تمسه الاشتراكية إلا مسًا خفيفًا، فهو يكرس معظم جهوده لتحقيق رأسمالية مستصلحة ذات اقتصاد مختلط. ولكن كوربن الذي انتخب في البرلمان مرات عديدة عن دائرة في شمال لندن يتجاوز تلك السياسة معارضًا السياسة الرسمية لحزب العمال على نحو ملحوظ بسياسة يقول خصومه إنها ثورية تتخطى النزعة الإصلاحية. فهو يصرح بأنه معارض للهيمنة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية، وبأنه مناصر لحقوق الشعب الفلسطيني، وفوق ذلك رافض لاقتصاد اللامساواة والفوارق الضخمة بين الأعلين والأدنين. ومن الواضح أنه معاد «لليسار الناعم» الحاكم في حزب العمال والذي يقدم دائمًا التنازلات والحلول الوسط حتى أمسى شبيهًا في مواقفه إلى حد كبير بمواقف المحافظين ويصعب تمييزها عنها. وهذا «اليسار الناعم» انفصل عن يسار «صلب» عام 1981 ثم صوت لتوني بليرعام 1994،الذي أقنع الحزب في عام 1995 بالتخلي عن المادة الرابعة من دستوره الخاصة باشتراكية الحزب عن طريق الملكية العامة لوسائل الإنتاج. ويومئ نجاح كوربن في الانتخابات إلى إمكان تحويل حزب العمال إلى حزب معاد للرأسمالية مما قد يؤدي إلى انقسام الحزب وخروج أنصار الرأسمالية ليشكلوا حزبًا جديدًا يواجه عصيان وتمرد كوربن وأنصاره.

وقد سبق لحزب العمال تشكيل أول حكومة أغلبية عمالية من 1945 إلى 1951، وهي حكومة أنشأت دولة الرفاه وطبقت برنامج تأميم ناجح. ومنذ ذلك الوقت ظل حزب العمال يتناوب مع حزب المحافظين في الحكم ولكنه صار أشبه سياسيًا بحزب المحافظين. فلكي يصل الحزب إلى الحكم عن طريق الانتخابات ويحصل على أغلبية تعيّن عليه أن يكون في أشد الحاجة إلى أصوات فئات اجتماعية كبيرة العدد مثل الطبقة الوسطى مما يفرض تنازلات تتعلق بهدف نهائي مفترض هو الاشتراكية وباليسارية عمومًا. وبعد الحرب العالمية الثانية غير الحزب دعايته ليصور نفسه حزبًا للشعب كله لا العمال وحدهم، حزبًا جماهيريًا قادرًا على أن يصل إلى الحكم باختلاف عن معظم الأحزاب الشيوعية في أوروبا التي ظلت أحزاب أقلية، إذ ينتشر بين الجماهير اعتبارها أحزابًا شمولية تدعو إلى حكم حزب واحد تندمج فيه الدولة أو يندمج في الدولة وتغلب عليه المركزية والأوامرية والبيروقراطية، فالجماهير متأثرة بدعايات الحرب الباردة.

وفي الشهور القادمة سوف يحمل كوربن تفويضه بأغلبية كاسحة كدرع تحميه، وسيخاطب مباشرة أعضاء الحزب من أجل الحصول على تأييد فهو لا يملك تأييدًا وسط النواب. وهو يعلم أن التحديات مضنية. فرغم انتصاره عكس كل التوقعات سيكون القادم أصعب. لأنه لا يواجه تحديات داخل حزبه فقط، بل هجومًا ضاريًا من وسائل الإعلام الرئيسية، فالإيكونوميست الوقور تعتبر أن محاولة بعث الاشتراكية من الموت على يد كوربن محاولة لإيقاف الزمن لأن الرأسمالية في عقائدية الجريدة تتوافق مع الطبيعة البشرية. وحتى جريدتا الجارديان والأوبزرفر اللتان تمثلان يسار الليبرالية تورطتا في اغتيال شخصية كوربن من قبيل الزعم بأنه متعصب للرجال ومعادٍ للسامية وليس وطنيًا. وجاء الهجوم من أجهزة الأمن، فهدد مسئول في إم آي 5 بأن الجهاز لن يتعاون مع كوربن لأنه معاد لهم وهدد جنرال في حديث صحفي بالتمرد العسكري إذا فاز كوربن برئاسة الوزارة ورفض تجديد التسليح النووي، مما اضطر وزارة الدفاع إلى الاعتذار عن مثل هذا التصريح في بلد لا يتدخل العسكريون فيها في السياسة.

ولكن كوربن أعاد الحيوية إلى الحياة السياسية فانضم لحزب العمال 62 ألفًا من الأعضاء الجدد، ومؤيدوه ينتمون إلى قطاع واسع من مجموعات عمرية مختلفة وله شعبية وسط الشباب الذين يعتبرون أن سياسته تبعث الأمل في مستقبل أفضل. وهو يتواصل مع الشعب عبر لقاءات جماهيرية ناجحة. وفي مساءلته الأولى لرئيس الوزراء كاميرون طرح كوربن الأسئلة التي وصلته من الشعب عن القضايا التي تشغلهم. ولكن أصواتًا كثيرة تعلو مؤكدة أنه ليس من الممكن لهذا اليساري أن يفوز حزبه في الانتخابات، فالمناخ الفكري في بريطانيا تسوده نزعة تجريبية عملية ويتفادى كل ما يعتبره نظريات مجردة كالنزعة اليسارية. وكل هذه الاتهامات كليشيهات تدفع بها الليبرالية الجديدة لمواجهة الخطر الناتج عن اندماج الجماهير الصامتة في السياسة وتتجاهل احتمال اتجاه المزاج العام إلى اليسار بحثًا عن حلول للتخفف من آثار الأزمة الاقتصادية العميقة.


لمزيد من مقالات ابراهيم فتحى

رابط دائم: