رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«صنعة السّرد» فى العراق.. محليّة وعربيّة

العراق اليوم، عبارة عن مشاهد دموية متكررة، يختلط فيها ميراث المقدس ـ أوعلى الأقل ما هو مقدس بالنسبة لأصحابه على اختلاف مللهم ونحلهم ومذاهبهم ـ بمدنّس الاحتلال وتفكيكه للجيش، وحماية المرجعيات للعبث والسفاهة، وما يترتب على ذلك من محاولات جادة للتقسيم، ترى دول عربية كثيرة أن نجاتها فى تأملها والحذر منها، أو على الأقل الخروج منها بأقل التكاليف، بل إن دولا عربية أخرى تنظر للعراق من زاية الوباء، ما يعنى انتهاء دوره الثقاقى والحضارى والتاريخي، فهل العراق على هذه الدرجة من السوء؟.

الواقع أن صُورة العراق،الظاهرة تكرّس واقعا مأسويا لا يجدى معه التحليل، الأمر الذى يجعل من اهتمام العراقيين بالثقافة والإبداع على المستوى المحلّى لا يمثّل أولوية ولا حاجة للتنفيس، بل هو أمر خارج الذّكر! غير أن العراقيين ـ وكما هى عادتهم منذ آلاف السنين ـ لم يتنازلوا عن الكتابة، بل كانت هى الملجأ والحماية بالنسبة لهم، حتى أن بعض المصادر تتحدث على أن أدباء العراق ـ تحديداً فئة الشباب ـ هم أكثر غزارة فى الأعمال الأدبية، ومنها الرواية، مقارنة بغيرهم من الأدباء العرب، لذلك من الضرورى أن تكون هناك متابعة نقديّة عربيّة للأعمال العراقية وعلى نطاق واسع، خاصة بعد أن أظهرت بعض الهيئات الثقاقية والأدبية اهتمامها بالأعمال العربية على غرار «اتحاد الأدباء والكتاب فى البصرة»، الذى نشر فى نهاية السنة الماضية دراسة نقدية للكاتب الدكتور سلمان كاصد، تحت عنوان « صنعة السرد»، وهو ما سنذكره تفصيلا فى نهاية هذا المقال.

متابعة الأعمال الإبداعية العراقية، يحقق فى نظرى عدة مكاسب قوية كثيرة، نذكر منها أربعة رئيسية، أولها: فكّ العزلة عن العراقيين، لجهة اخراجهم من الحديث اليومى عن الدماء والقتل، وثانيها مد الجسور مع العرقيين بحيث تصبح الثقاقة ـ والإبداع بشكل عام ـ أولوية، وثالثها: رد الجميل للعراقيين، فقد ساهموا أفراد وهيئات وحكومات ودولة على مر تاريخنا العربى فى اثراء لغة وثقافة وحضارة أمتنا، وهم فى حاضره لا يزالون يقاومون الجفاف الفكرى والقحط المعرفي، مُتحدّين الاحتلال والفساد وجماعات التكفير، والمُتابع للصحافة العراقية المكتوبة يدرك الإضافة النوعية التى تقدمها تلك الصحافة فى ظل تراجع مثيلاتها فى باقى الدّول العربية الأخري، التى هى أكثر استقرارا ومالاً، ورابعها: التنبيه إلى أن العراق، مهما واجه من صعاب ـ وما عرفه فى الماضى أشد مما هوعليه الآن ـ لن يحول دون مساهمته الإبداعية فى الحقل العربى للثقافة.

إذن الاهتمام بإبداعات العراقيين مدخل ليس فقط لاستعادة دروهم ومكانتهم، ولكن لجعل الأولوية للثقافة وحركة المجتمع، خاصة بعد الانتفاضة الوطنية الشاملة من كل الأجيال والطوائف والمذاهب للمطالبة بقيام دولة مدنية بعيدا عن حسابات المرجعيات الدينية والسياسية، وهو يعدُّ أمرا محلياًّ مجهولاً لكثير من العرب خارج العراق، ولمزيد من الفهم لابد من الجلوس لعناصر من النخبة تؤمن بوحدة العراق أولا، وبدولته المدنية ثانيا، وبانتمائه العربى ثالثا، وهوما أتيح لى فى لقاء جمعنى الأسبوع الماضى بالصديق الإعلامى والناقد سلمان كاصد(رفقة الشاعر ذياب شاهين)، وكان قد ترك الإمارات وعاد إلى العراق ـ البصرة تحديدا ـ منذ سنتين، إذ بصّرنى بكثير من خلفيات القضايا المطروحة على الساحة العراقية، والتى لايمكن فهمها إلا بالاستماع لأهل الذكر من العراقيين.

ما أثار انتباهى فى ذلك اللقاء، هو أمله فى الغد المشرق لبلاده رغم ما يرّوج لنهاية الدولة الوطنية فى العراق، مقارنا بين تجربة العراق وباقى التجارب العربية الأخري، وهو هنا لا ينطلق من مرجعية سياسية ـ وإن كان لا ينكر وجودها ـ وإنما يؤسس لفكرته على خلفية ثقاقية ومعرفية، وبناء على تلك الرؤية يمكن لنا هنا أن نشير إلى كتابه «صنعة السرد»، وفيه تناول بالنقد والتحليل أعمال روائية لعدد من الأدباء العرب.لقد حاول كاصد تقديم إجابة لسؤال طرحه فى مقدمة كتابه نصه: «كان لابد للنقد أن يتعامل مع المنتج العربى فى حقل الرواية بشيء من الوضوح والصرامة.. فهل تحقق ذلك؟»، والإجابة هنا طويلة ومركزة وعميقة يعصب ذكرها، وما يهمنا هنا أنها تناولت نصوصا عربية، هي: «نساء البساتين» للروائى التونسى الحبيب السالمي، و دروز بلغراد» للروائى اللبنانى ربيع جابر«، و«شريد المنازل» للروائى اللبنانى جبور الدويهي، و«دمية النار» للروائى الجزائرى بشير مفتى، و«عناق عند جسر بروكلين» للروائى المصرى شكرى فيشر، و«العاطل» للروائى المصرى ناصر عراق، وروايتا «القنبلة» و«الأقنعة» للكاتب القطرى أحمد عبد الملك، و«ترمى بشرر» للروائى السعودى عبده خال، و«من أنت أيها الملاك؟» للروائى الليبى إبراهيم الكونى، و«حليب التين» للروائية الفلسطينية سامية عيسى، و«مجنون زينب» للروائى العراقى جمعة للامى، و«أم الدّويس» للروائى الإماراتى على أبوالريش.

إنها نصوص عربية من عشر جنسيات، تمثل قرءاة النقاد العراقيين ـ من خلال سلمان كاصد ـ للمنتج العربى، وهو ما يتطلب معاملة عربية بالمثل من النقاد العرب لدراسة المنتج الإبداعى العراقى، وعلى النوادى والاتحادات والهيئات العربية مثل ذلك بالنشر، لتصبح الجهود مكملة وداعمة لما يقوم به مشكورا «اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين فى البصرة».


لمزيد من مقالات خالد عمر بن ققه

رابط دائم: