رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هل تدهورُ التعليم يُؤرِّق المعلمين؟!

وصل حماسُ بعض المعلمين إلى المطالبة بالحصول على أعلى أجر فى مصر، وعزَّزوا حجتهم، فى تظاهراتهم وإضراباتهم أخيرا، بأن الدول المتقدمة تضع معلميها على رأس كل المهن فى الأجر وفى مزايا أخري! ولم يسأل هؤلاء أنفسهم إذا ما كانوا على نفس مستوى المعلم الذى يطالبون بالمساواة معه، من حيث الشهادات الحاصل عليها، ومن حيث الحرص على تنمية المهارات عبر عمره المهني، ومن حيث التزامه بمهام وظيفته، ومن حيث الدأب والتفاني، ومن حيث النتائج التى يسفر عنها عمله وتتجلى واضحة فى المستوى العلمى لتلاميذه وتكوين شخصياتهم وتوازنهم النفسي، ومن حيث الرقابة الشديدة المفروضة عليه وعلى عمله، ومن حيث العقاب الصارم الذى يطاله إذا أخلّ بمقتضيات عمله..إلخ

ما هو المنطق الذى يستندون عليه فى المطالبة بالتمييز على بقية المهن الأخرى فى مصر، وعلى خريجى الكليات التى يتلقى فى بعضها طلبة متفوقون تعليماً آخر؟ هل ما يتعلمه الطلبة الأخرون، مثلاً، أدنى مما يتلقاه طلاب كليات المعلمين والتربية؟ هل هم أقل التزاماً وإخلاصاً فى عملهم من المعلمين؟

ولم يظهر صوت واضح من معلمينا يعطى أى مؤشر جاد عن إدراكهم للأثر التخريبى للدروس الخصوصية، التى أصبحت تبدأ من الحضانة وحتى الثانوية العامة، ولا عن تعهدهم بالتوقف عن هذا الانتهاك الصارخ للقانون الذى يُجرِّم الدروس الخصوصية، ولم تتحرك نقابتهم بشكل عملى ضد الحالات الصارخة التى تمارس هذا الانتهاك علناً، بل يبدو أن الاتجاه السائد فى صفوفهم هو السعى للقبض على المجد من طرفيه، بالضغط عن طريق الإضرابات والاعتصامات لتحسين ظروفهم بأفضل ما هو ممكن، مع استمرار الدروس الخصوصية التى صارت على أيدى هذا الجيل من المعلمين واقعاً كابوسياً للأسر المصرية لا أمل فى الخلاص منه، خاصة بعد أن صارت له قواعد مطبقة على الأرض يتقاسم فيها خطُ انتاج متكامل غلةَ الدروس، وصار الجميع يتكلمون عن أن المدرسة أصبحت مركز تجميع للزبائن، التلاميذ، وأن هناك آليات باتت محفوظة لجذب التلاميذ إلى الدروس الخصوصية، بل أحياناً بابتزازهم بسوء العاقبة إذا لم يُذعنوا.

ولم يعلُ صوتٌ يعلن القلق من التدهور الذى أصاب العملية التعليمية التى نكصت إلى درك باعث على الخزى يطال المعلمين قبل غيرهم، إلى حد اكتشاف أن الأمية لا تزال فى صفوف كثير من التلاميذ حتى بعد أن وصلوا إلى نهاية المرحلة الابتدائية! ولم يحدث أن قامت حركة احتجاجية من المعلمين تنبئ عن إدراك لخطر بعض الأحداث الكارثية، بأن يتضامنوا، مثلاً، مع الطالبة مريم ملاك، برغم أن ما أصابها هو طعنة فى سمعة نظام التعليم كله، كان يبرئهم من الشبهة أن يتحدد الجناة المزورون أصحاب السابقة المُستحدَثة فى تاريخ التعليم فى مصر.

هل حدث أن قدّمت مجموعة من المدرسين نقداً ذاتياً للعنف السائد ضد الأطفال فى المدراس، الذى يعانيه التلاميذ الصغار من معلميهم، والذى يمارس كظاهرة لا خلاف على أن بعضها يتجاوز أصحاب نظرية التربية بالضرب، إلى أن صار عَرَضاً لاضطراب حقيقى لبعض مزاولى المهنة، وأنهم يستغلون ظروف الطفل الفقير وتواضع مستوى أسرته، خاصة عندما تبعد عن المدن الكبرى وتدخل فى أعماق الريف، حيث لا حماية للأطفال الذين صارت المدرسة لهم عذاباً وتعذيباً. هل درست النقابة أثر هذا العنف فى تسرب التلاميذ وفى التشوهات النفسية التى ستضرب وجدانهم الغضّ؟

لم يحدث أى من هذا، بل إنه لاحت أخيرا وجهة نظر لبعض قيادات المعلمين تكوَّنت من متابعتهم لإضراب أمناء الشرطة وتوابعه (وهو ما يؤكد أن البلاد سوف تدفع الكثير من الأخطاء الجسيمة فى ازدواجية المعايير فى التعامل مع الأمناء) فقد استخلص هذا القيادى من الحدث أن الدولة لا تحترم إلا القوة، وناشد زملاءه المعلمين أن يتشدَّدوا فى التمسك بحقوقهم.

حتى لا تختلط الأمور، فإن للمعلمين حقوقاً مُهدَرة، وإنما الاعتراض على أن يعمل بعضهم على نشر أفكار، مثل أنهم فئة مضطَهَدَة دون غيرهم، ومثل أنهم متفانون ومضحون بالغالى والنفيس فى سبيل رسالتهم المهنية..إلخ، وهذا كله غير صحيح، بل إن هناك فئات كثيرة أكثر معاناة منهم، كما أن خراباً مخيفاً ضرب مهنتهم وأداءهم، هم مسئولون عن جانب كبير منه، إضافة إلى مسئوليات أخرى كبيرة تتحملها جهات أخرى فى الدولة والمجتمع. الخطر لا ينحصر فى تدهور الأبنية التعليمية كما يحاول البعض أن يوهم نفسه والآخرين.

حسناً، تقول الإحصاءات المتداولة إن عدد المعلمين فى مصر نحو مليون ونصف المليون معلم، يجعلون نقابتهم الأكبر عدداً فى مصر، وهذه الحقيقة وحدها كافية أن تهتم الدولة بهم باعتبارهم قطاعاً عريضا من المواطنين، فإذا أُضِيفَت الأهمية القصوى للتعليم، الذى هو مهنة هذا القطاع العريض، فإن أسباب الاهتمام تزداد. ولكن شريطة أن تُطبَّق القاعدة الخالدة، التى تقول إنه لا حقوق بلا واجبات، وهى قاعدة ألزم للتمسك بها، فى هذه المرحلة من تاريخ البلاد، مع مهنة المعلمين بالدرجة الأولي، مع ضرورة الانتباه دائماً إلى الحقائق الأخري، التى لا ينبغى المجادلة حولها، عن تدهور التعليم وعن مسئولية المعلمين وعن مسئولية الدولة..إلخ.

أولى الخطوات أن تتسم طلبات المعلمين بالمعقولية، وأن لا تُطرَح إلا الطلبات قابلة التنفيذ، وعلى أن يعلنوا عن طريق نقابتهم أنهم يدينون الدروس الخصوصية وأنهم يلتزمون، مثل زملائهم فى الدول المتقدمة، بالتفرغ للعمل الرسمي، الذى قد يقبل، فى مصر، أن تنشئ الوزارة نظاماً لفصول التقوية تحت مظلة المدرسة، يدفع فيه الرسوم فى خزينة المدرسة الطالبُ الراغبُ، وليس المُجبَر، وعلى أن يتولى المهمة المعلمون المهتمون بالمشارَكة فى هذا النظام، على أن يتم اختيارهم وفق نظام يتسم بالشفافية.

لقد رفع المعلمون فى إضراب سابق شعاراً مسجوعاً يقول: «هُمّا خمسة فى كل مية/ اللى بيدّوا دروس خصوصية»! فما الضرر، وما الصعوبة، فى أن يرضخ 5 بالمئة إلى نظام يتضرر منه بسوء السمعة 95 بالمائة؟

[email protected]
لمزيد من مقالات أحمد عبد التواب

رابط دائم: