رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الإرهاب.. أو الحرب فى عصر العولمة

الحرب ظاهرة قديمة جداً، قدمت لها مختلف التفسيرات الاقتصادية والنفسية والبيولوجية. من السهل أن نفهم لماذا تسهل تعبئة الناس للحرب بإثارة تعصبهم القبلى أو الدينى أو القومى، وإثارة مشاعر الكراهية والنفور لديهم ضد من كانوا من جنس مختلف، أو يعتنقون دينا مختلفا أو يحملون جنسية غير جنسيتهم، ولكن النجاح فى إثارة هذه المشاعر العدائية ضد الغير لا يتعارض مع كون الدوافع الأصلية للحرب دوافع اقتصادية.

هذه الدوافع الاقتصادية تتغير مع تغير الظروف وتطور التكنولوجيا فالاستيلاء على ماشية وأغنام الغير قد تكون دافعا كافياً للحرب فى عصر، وغير كافية فى عصر آخر، حين تصبح الزراعة هى النشاط الرئيسى بدلا من الرعى. وفى عصرالصناعة قد يصبح الدافع الرئيسى للحرب الاستيلاء على مزارع القطن أو مناجم الفحم والحديد، لتزويد المصانع بما تحتاجه من مواد أولية. وعندما يزيد فائض الإنتاج على حاجات السوق المحلية، قد تشن الحرب لفتح أسواق جديدة. إلخ.

ولكن فى جميع الأحوال، لا يقال للناس السبب الحقيقى للحرب، بل تبرر الحرب إما بالرغبة فى التخلص من عدو شرير، أو فى نشر مبادئ الدين الصحيح، أو تحويل أمم همجية إلى أمم متحضرة، أو الدفاع عن حقوق الإنسان، أو حتى القول إن الغرض من الحرب هو عكسها بالضبط وهو السلام. كل هذه التبريرات استخدمت عبر عصور التاريخ المختلفة، بما فى ذلك القرن العشرين، الذى شهد حربين عالميتين، فى فترة لا تزيدعلى 25 عاما، راح ضحية الأولى 17 مليونا من البشر، وراح ضحية الثانية ستون مليوناً. كانت أهداف الاستعمار الاقتصادية هى الدافع إلى كلا الحربين، ولكن استغل الاستعماريون فى الحالتين «حب الوطن»، لحث الناس على الحرب من الجانبين، وطالبوهم بالتضحية بالنفس والنفيس من أجل الانتصار فى الحرب، وعندما ألقيت فى نهاية الحرب الثانية القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكى فى اليابان، وراح ضحيتهما أكثر من 130 ألف قتيل، كانت أقوى حجة قدمت للتبريرهما هى أنه لو لم تلق القنبلتان لكان عدد الضحايا أكبر.

هاقد مر الآن، منذ أن ألقيت هاتان القنبلتان، سبعون عاما، حدثت خلالها أشياء كثيرة، من أهمها مايعرف بظاهرة العولمة، التى أحدثت تغيرات مهمة فى طبيعة العلاقات الاقتصادية بين الأمم، حل بسببها الاعتماد المتبادل بينها محل التنافس. لم تختف المنافسة الاقتصادية بالطبع، فاستمر الانفاق على التسلح، واستمر التلويح بالحرب يستخدم لخدمة المصالح الاقتصادية، ولكن أصبح من الصعب تصور نشوب حرب من نوع الحربين العالميتين، حيث يصطف جيش دولة أمام جيش دولة أخرى، وتستمر الدولة فى ضرب الدول المعادية لها حتى تعلن استسلامها، وتعتمد كل دولة على الشعارات القومية وعاطفة حب الوطن لحث الناس على تقديم مختلف التضحيات. فالتصور الذى حدث فى الأسلحة أصبح يهدد بفناء الجميع، الضارب والمضروب. كما أدى الاعتماد المتبادل وتشابك المصالح إلى أن أصبحت الخسارة الاقتصادية بدورها تشمل الجميع، إذ من الصعب فى عصر الشركات متعددة الجنسيات، تحديد جنسية الضارب والمضروب، وقصر الأضرار الاقتصادية على طرف دون آخر.

التنافس الاقتصادى مازال موجوداً، ولكن حدود المصالح الاقتصادية المختلفة لم تعد متطابقة مع الحدود الجغرافية المألوفة. الضرب والقتل والتدمير مازالت وسائل مفيدة لفرض إرادة على أخرى، ولكن هذه الوسائل كان لابد أن يتم تطويرها لتصبح مثل الشركات أى «عابرة للقارات». لم تعد الحدود السياسية للأمم هى التى تحدد متى تبدأ المصالح الاقتصادية ومتى تنتهى، ومن ثم فلابد أيضا أن تصبح أعمال القتل والتدمير خفيفة الحركة، قادرة على القفز فوق هذه الحدود، مثلما تقفز السلع والمعلومات.

ولكن هذا التغيير فى طبيعة القتل والتدمير كان لابد أن يستدعى أيضا تغييرا فى مفهوم «العدو». العدو لابد أن يظل بالطبع، كما كان دائما، مكروهاً ومحتقراً، ولابد أن تظل صورته فى أذهان الناس كصورة الوحش المفترس عديم الضمير. ولكن لم يعد ممكنا أن تتوحد هذه الصورة مع صورة دولة أو أمة بعينها. فما رأيكم فى «الإرهاب» كبديل ؟

«الارهابى» خفيف الحركة، قادر على القفز فوق الحدود، وعلى التنقل من موقع داخل أى دولة إلى موقع آخر فى دولة أخرى، وأن يستخدم مختلف أنواع الأسلحة، الخفيف منها والثقيل، حسب الحاجة فى كل موقع. وهو فوق ذلك «عديم الهوية»، لا يفصح اسمه (الإرهابى) عن أى جنسية أو هدف، فقد يكون الهدف دينيا تارة، وقوميا تارة أخرى، أو مجرد الحقد الدفين غير محدد السبب. وهو بعكس المحارب فى الحروب التقليدية، كثيراً مايكون «ملثما»، ولكنه مع ذلك ذو سيطرة مدهشة على وسائل الإعلام، وعلى مصادر الأسلحة والذخيرة، بل وعلى البنوك ومصادر التمويل.

وللإرهاب، فضلا عن وظيفة الردع لأى تهديد لمصلحة اقتصادية لدولة أو شركة، له وظيفة أخرى لا تقل أهمية، وهى تبرير الاستمرار فى إنتاج الأسلحة التى تمثل بذاتها مصدراً مهماً للأرباح، إذ يستخدم «الإرهاب» فى داخل الدولة المنتجة للسلاح لإقناع شعبها بجدوى (أو ضرورة) الإنفاق على التسلح، وفى داخل الدولة غير المنتجة للسلاح، لاقناع شعبها بضرورة شرائه من الخارج. وقد ثبت حتى الآن نجاح «الإرهاب» فى تأدية هذه الوظيفة الأخيرة، فى الدول المنتجة للسلاح والمشترية له، أما نجاحه فى الوظيفة الأولى، أى تحقيق مصالح اقتصادية محددة، فى كل موقع على حدة، فيستحيل علينا تقديره، إذن النادر أن تذكر لنا بأى وضوح أو صراحة، ماهى المصالح المطلوب تحقيقها بالضبط، من كل ضربة إرهابية.

خلال الثلاثين عاما الماضية، أى منذ بداية التفكك فى المعسكر الاشتراكى ثم سقوطه فى دولة بعد أخرى، زاد بشدة الحديث عن الإرهاب، حتى استقر فى أذهان الناس أنه هو العدو الجديد،بل يكاد يصبح هو العدو الوحيد، رغم أنه يتخذ صوراً مختلفة فى البلاد المختلفة : يدمر برجين شهيرين فى نيويورك، بسبب الغيرة من جمال نمط الحياة الأمريكية، ثم ينتقل إلى تدمير القطارات ووسائل المواصلات وتهديد ركابها فى إسبانيا وبريطانيا، دون توضيح الدافع بالضبط، ثم يهدد المدن العربية ويحرق القرى بهدف إنشاء خلافة إسلامية.. إلخ. وفى أثناء ذلك يستمر تفتيش الناس بطرق غريبة لدى ركوبهم الطائرات أو دخولهم الأماكن العامة، بما فى ذلك تحسس أجسامهم، وأن يطلب منهم رفع أيديهم إلى أعلى وخلع أحذيتهم والتخلى عن زجاجات الماء التى يحملونها، بحجة أن أحد الإرهابيين قد أخفى مرة بعض المتفجرات فى حذائه، وأن من الممكن علميا تحويل الماء إلى مادة متفجرة بعد إقلاع الطائرة.. إلخ. المهم أن يستمر هذا التخويف بمختلف الوسائل حتى يستقر فى أذهان الناس أن الإرهاب ظاهرة حقيقية، وأنها مستمرة حتى بعد قتل قائدها وإلقاء جثثه فى البحر، علي مرأى من مشاهدى التليفزيون فى العالم أجمع. إذ لا يمكن أن يكون للإرهاب اسم يتردد يوميا ودون انقطاع، عبر ثلاثين عاما، دون أن يكون له وجود حقيقى، أو هكذا يتصور الناس.


لمزيد من مقالات د‏.‏ جلال أمين

رابط دائم: