رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فتنة الأئمة

عندما تتابع عن قرب تفاصيل ووقائع «حرب التصريحات» الساخنة طوال الأسبوع الماضى بين وكيلى وزارة الأوقاف بالإسكندرية الشيخ صبرى عبادة، والشيخ محمد العجمى في أسيوط، ستظن للوهلة الأولى أنهما يختلفان حول قضية دينية شائكة تهم عموم المسلمين، وأنه مهما كان حجم اختلافهما وسجالهما فبالتأكيد سيكون فيه رحمة ومصلحة لعباد الله الضعفاء، لكن الطامة الكبرى أن خلافهما متعلق بشأن دنيوى، هو ترشح قيادات الأوقاف للانتخابات البرلمانية المقبلة بدون اضطرارهم لترك مناصبهم، فأحدهما يرفض القرار الصادر بهذا الخصوص من الوزير ـ عبادة ـ، بينما يؤيده ويباركه الأخر ـ العجمىـ.

حرب الشيخين، أو فتنة الأئمة، كانت كجمرة نار مشتعلة تطايرت شظاياها فى كل الاتجاهات بدون تمييز، واستخدمت فيها كل الأسلحة الخفيفة والثقيلة، من عينة اتهام عبادة للعجمى بتدريب الإخوان على حمل السلاح واطلاق النار، ورد العجمى باتهام غريمه بالتشهير بالوزارة والدعاة، واللهث خلف بريق الشهرة والشو الإعلامى، فلغة التنابز والتصعيد كانت حاضرة وبقوة، واستعان كل طرف بمحبيه وحواريه للمشاركة فى وقفات احتجاجية، افتح هنا قوسين للاشارة إلى صورة نشرت فى احدى صحفنا اليومية لوقفة حمل فيها المشايخ الأجلاء لافتات تنديد وادانة لعبادة كان من بينها واحدة كتب عليها « هزيان صبرى عبادة» فكلمة هذيان كتبت خطأ، وهو خطأ لا يجب تمريره، فهؤلاء أهل دين وعلم ولغة وغير مقبول وقوعهم فى مثل هذه الأخطاء البسيطة الساذجة.

لقد باتنا أمام مشهد عبثى يقف فيه الدعاة ضد بعضهم البعض بشكل يبعث على الحسرة والألم، وحملت صحفنا انباء عن عقد جلسة صلح فى الوزارة لاصلاح ذات البين بين الشيخين، واغلاق ملف خلافهما، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وإن اعتقدت وزارة الأوقاف أن تصالحهما أنهى القصة وكأن شيئا لم يحدث، وعدنا للوئام والانسجام، فإنها ستقع فى خطأ جسيم، لأن القضية تتجاوز بكثير فكرة خلاف عابر بين مسئولين وتتصل بجوانب جوهرية وفارقة ترتبط بالمجتمع بكامله وبجهود تشييد دولتنا الجديدة.

فالمصريون ثاروا على حكم الإخوان الاجرامى لخلطه المستفز بين الدين والسياسة، ولا يجوز لمسئول فى الأوقاف، أو غيرها التحايل على هذا الجانب ولا رفض جانب تنظيمى يحول دون استغلال الداعية للمنبر والمسجد فى الدعاية الانتخابية، فالمبدأ لا يتجزأ والفصل واجب بين السياسة والدين، حتى لو قدم مرشحو الأوقاف تعهدات بعدم استغلال مواقعهم ومنابرهم، فعلميا لن يتم الالتزام بهذه القاعدة، وقد أصاب وزير الأوقاف بقراره رفض عودة قيادات الوزارة المرشحة لعملها مستقبلا، إذا خسرت الانتخابات، ونذكر بأن القواعد المتبعة فى قطاعات كالشرطة والقوات المسلحة والقضاء.. الخ توجب الاستقالة عند الترشح.

ولا أفهم الداعى وراء سعى بعض الدعاة للتنازل عن دورهم الحيوى ومهمتهم المقدسة فى تبصير الناس بصحيح الدين لحمل لقب سيادة النائب تحت قبة البرلمان، فما تمر به مصر الآن يزيد من أهمية دور ومكانة الدعاة الثقاة فى وقت يتصاعد فيه المد المتطرف والإرهابى، فتأثير الداعية سيكون أقوى وأفضل من تأثير السياسى بدون التقليل من قيمة الأخير ولا جهده وما يقدر على تقديمه من تشريعات واجراءات قانونية وسياسية واجتماعية للحد من الإرهاب والعنف، وتدعيم مسيرة التحديث والتقدم للحاق بقافلة الدول الناهضة، ودعوتى تلك غير هادفة للحجر على الدعاة وبخسهم حقهم الدستورى فى الترشح والعمل السياسي، لكن تأهيلهم ومسيرتهم العملية هل تمنحهم القدرة على القيام بالعمل السياسى كما ينبغى وبشروطه واستحقاقاته، أم سنرى مشاهد مماثلة ومكررة لما حدث فى برلمان الإخوان؟. ثم ألم يكن داعية كالشيخ محمد متولى الشعراوي مؤثرا فى زمنه ـ ولا يزال ـ لالتزامه بحدود عمله واستيعابه لحيويته وخطورته، وكان باستطاعته الترشح للبرلمان والفوز بسهولة شديدة استنادا لشعبيته الطاغية ولن يستطيع أى مرشح الصمود أمامه، لكنه احجم لادراكه وتقديره طبيعة عمله وأهميته.

وأتساءل لماذا لا يركز الدعاة على تحسين وتطوير أدواتهم وقنوات تواصلهم مع المواطنين، ألن يكون ذلك أحسن وأجدى لهم وللمسلمين الذين يتم التلاعب بعقولهم ويتركون نهبا لدعاة التطرف والتكفير واستباحة الأموال والاعراض؟

كذلك لا أفهم التناقض بين الدعوات التى لا تتوقف من الأزهر والأوقاف لتقديم خطاب الاعتدال على خطاب التشدد، فما رأيناه أن مشايخنا فى التراشق المتبادل بينهم فضلوا الشدة على الاعتدال، وغاب عن أذهانهم أن أي حديث لاحق لهم عن الاعتدال ومزاياه وجدواه لن يجد الآذان الصاغية، ولا العقل المتقبل لها، فكما نقول فاقد الشىء لا يعطيه. فالعامة سيقولون انظروا لافعال وأقوال الدعاة لدى اختلافهم وطغيان التشدد على لغة الخصام، حينئذ ستقل الثقة فيما يصدر عنهم وسيصبح من الصعب استعادتها سريعا مع أننا أحوج ما نكون إليها لمواجهة جحافل المكفرين والمحرضين على العنف وتقسيم الأوطان.

ثم ألم يفكروا فى أن مثل هذه التصرفات لا تشوه فقط صورتهم كدعاة، وإنما صورة الإسلام برمته، وتفتح مساحات واسعة للجماعات المتشددة والمتطرفة للنمو والازدهار باعتبارهم الاحرص على الدين وصورته؟ فقبل أن نلوم الغرب على تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ونصب اللعنات على رأسه لننظر أولا لأفعالنا وأقوالنا التى تلحق به وبنا أبلغ الضرر والأذى.


لمزيد من مقالات محمد إبراهيم الدسوقي

رابط دائم: