رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قصص من قناة السويس

أمـل الجيـار

نبوءة كهنوتية توقف العمل فى حفر القناة عام ٦١٠ قبل الميلاد


عمر بن الخطاب يرفض المشروع خوفاً على سلامة مكة والمدينة


كشف حساب القناة : ديون مصرية .. وإزاحة إسماعيل عن الأريكة الخديوية


 ٦ آلاف مدعويشاركون فى ولائم وحفلات أسطورية على ضفاف القناة

 

هل يمكن لإرادة شعب أن تحول مشروعاً كان فى البداية استعمارياً الى مشروع وطن وحلم أمة وطوق نجاة ؟ وهل مازلنا نعيش فى عصر المعجزات والمشروعات القومية الضخمة التى تضاهى فى أهميتها بناء الاهرامات والسد العالى ؟ وهل يمكن للأحلام أن تتواصل وتتشابك لتصبح سلسلة ثمينة تُزين عنق الوطن ؟ الإجابة ودون تردد أوتفكير «نعم» هذا ما أكدته الأيام الماضية وبالتحديد الـ٣٦٥ يوما الفائتة منذ أطلقت الحكومة المصرية فى شهر أغسطس من العام الماضى مشروعها الجديد لإنشاء قناة جديدة بطول ٧٢ كيلومترا متفرعة من قناة السويس لزيادة حركة الملاحة الدولية للمجرى الملاحى وتقليص زمن عبور السفن وحددت عاماً لإنجاز المشروع .. وبالفعل وسط ذهول ودهشة وتشكك العالم وفى الموعد المحدد أنجز المصريون المهمة فقد التفوا حول قائدهم ومشروعهم القومى وشمروا عن سواعدهم وقرروا بناء مصر وتحقيق الحلم . ولقناة السويس القديمة حكاية نحكيها من البداية .. وقد تضاربت الآراء حول هذا المشروع الذى يرجع تاريخه لأكثر من ١٥٩ عاماً فالبعض يؤكد أن كل من كان يحمل فى قلبه ذرة حب لمصر وأفكارا تقدمية لتطورها ورفعتها رفض مشروع حفر القناة القديمة بحجة أنه يفتح الباب أمام الأطماع الاستعمارية ، ففى العصر الفرعونى توقف العمل فى هذا المشروع بسبب نبوءة من أحد الكهنة تحذر الفرعون من الاستمرار فى هذا المشروع الذى قد يلفت نظر الأعداء الى أهمية مصر ، كما رفض عمر بن الخطاب هذا المشروع عندما عرضه عليه عمرو بن العاص بسبب اعتقاده أنه سوف يقّصر المسافات ويسبب التهديد لمكة والمدينة المنورة ، أما فى العصر الحديث فقد رفض الداهية محمد على باشا حفر هذه الترعة فى داخل بلاده بحجة أن السفن التجارية والحربية سوف تسير فيها رافعة أعلام دولها المختلفة وبذلك يتعرض القطر المصرى لطوارئ ليست فى الحسبان قد تؤدى الى استيلاء إحدى الدول العظمى الغربية عليها ، وهوما حدث بالفعل بعد ما يقرب من ١٣ عاماً من افتتاح القناة للملاحة البحرية عام ١٨٦٩ بوصول الأسطول البريطانى الى الإسكندرية عام ١٨٨٢ وضرب المدينة واستولى عليها ثم بداية الاحتلال البريطانى لمصر.. ويؤكد عبد الرحمن الرافعى أن هذا المشروع أكبر غلطة فى تاريخ سعيد باشا لأنه فتح باب التدخل الإستعمارى فى مصر على مصراعيه وجعلها هدفاً للمطامع الأوروبية. أما مؤرخو أوروبا فى القرن التاسع عشر وخاصة الفرنسيين فيعتبرون أن مشروع قناة السويس هومفخرة سعيد باشا وأنه بهذا العمل قد أدى أعظم خدمة للإنسانية والحضارة والتجارة الأوروبية.

نبوءة كهنوتية توقف حفر القناة فى العصر الفرعونى

يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعى فى كتابه تاريخ مصر فى عهد الخديو إسماعيل إن فكرة إنشاء ترعة تصل بين البحرين الأبيض والأحمر فكرة قديمة جداً فهيرودوت المؤرخ اليونانى يقص أن نيخاؤبن بتاه متيك الأول ٦١٠ ق.م كان ممن أقدموا على إخراج تلك الفكرة الى حيز الوجود فشغل فى العمل الوف الفلاحين فمات منهم تعباً حوالى ١٢٠ الفاٍ ثم أوقف الأشغال بغتة لأن أحد كهنته أخبره بنبوءة مفادها أن الفرعون يشتغل للغير وأن منفعة الترعة تكون للأجانب لا لمصر وعندما أراد دارا الأول ملك الفرس إتمامها ( ٥٢١ - ٤٨٥ ق.م ) قيل له من مهندسيه إن منسوب البحر الأحمر أعلى من سطح الأرض المصرية وإن مياه البحر سوف تغمر القطر فيما لوحفرت تلك القناة ، بينما يقول «سترابون» أن الذى بدأ فى تحقيق هذه الفكرة هوسيزوستريس أكبر فراعنة الأسرة الـ١٢ أو رمسيس الثانى ثالث فراعنة الاسرة الـ١٩ وأن ثانى الحكام البطالمة قد قطع البرزخ السويسى وسد الترعة عند مدخلها فى القلزم خوفاً من أن تفسد المياه المالحة عذوبة مياه النيل ، ومن المعروف كما يقول الرافعى أن عمروبن العاص أراد حفر ترعة تذهب من الفرما الى السويس فمنعه عمر بن الخطاب بحجة أن وجودها يفتح طريقاً لمراكب الروم لتتمكن من تهديد مكة والمدينة فعدل عمروعن فكرة الترعة المستقيمة الى الترعة الواصلة بين البحرين عن طريق النيل الذى عُرف باسم «خليج أمير المؤمنين» وبقى مفتوحاً ١٣٢ سنة .ثم تعاقبت السنوات حتى اكتشف الرحالة “ فاسكودى جاما “ طريق رأس الرجاء الصالح ولم تعد السفن القادمة تمر على مصر بل تدور حول قارة إفريقيا ، وبعد ضمّ بريطانيا العظمى الهند إلى ممتلكاتها أصبح طريق رأس الرجاء الصالح حكراً على بريطانيا وحدها لذلك فقد كان على فرنسا أن تفعل شيئاً يعيد لها مجدها وهيبتها لذا ظهرت الحاجة لحفر قناة السويس. وإذا بالحملة الفرنساوية البونابرتية تظهر فى الآفاق وكان من باكورة الأعمال التى أقدم عليها الجنرال بونابرت أن ذهب بنفسه الى السويس وجاب برزخه وفحص مسألة إعادة الاتصال بين البحرين فحصاً شخصياً وكلف لجنة من علماء حملته بدرس الموضوع وتقديم تقرير واف بذلك وتحديداً فى 14 نوفمبر 1799م، كُلّف أحد المهندسين الفرنسيين ويدعى «لوبيير» كبير مهندسى الرى والطرق والجسور بتشكيل لجنة لدراسة منطقة برزخ السويس لبيان جدوى حفر قناة اتصال بين البحرين وتقول بعض المصادر إن التقرير الذى رفعه كان خاطئاً وذكر أن منسوب مياه البحر الأحمر أعلى من منسوب مياه البحر المتوسط بنحو9 أمتار بالإضافة لوجود رواسب وطمى النيل وما يمكن أن يسببه من سد لمدخل القناة مما أدى لتجاهل تلك الفكرة.

فى 15 أبريل 1846 أنشأ السان سيمونيون بباريس جمعية لدراسات قناة السويس وأصدر المهندس الفرنسى بولان تالابو تقريرا فى أواخر عام 1847 مبنياً على تقرير لينان دى بلفون أكد فيه إمكانية حفر قناة تصل بين البحرين دون حدوث أى طغيان بحرى، ولكن الداهية محمد على باشا رفض بتاتاً التصريح بأى عمل من هذا النوع وأبى أن تحفر ترعة دولية لوصل الغرب بالشرق الأقصى فى داخل بلاده فتسير فيها السفن التجارية والحربية رافعة أعلام دولها المختلفة وبذلك يتعرض القطر لطوارئ ليست فى الحسبان قد تؤدى الى استيلاء إحدى الدول العظمى الغربية لا سيما بريطانيا عليه.

حلم القناة يقترب من التحقيق

وبوفاة محمد على وابنه إبراهيم باشا وتولى عباس باشا الأول الحكم تحولت الفكرة من إنشاء «ترعة إتصال دولية» الى مشروع رصف الطريق ما بين مصر والسويس الذى كانت تسلكه عربات الترانزيت بحيث يصبح صالحاً للسير بسهولة ويسر فجعل عرضه ٣٠ متراً وسواه بالرمل ووضع عليه طبقة من الحجر الدبش سمكها ١٥ سم وهرسها بمرور صخرة جرانيتية عليها تجرها اربعة ثيران ثم طبقة أخرى من الدبش وهرسها ثم جعل على جانبى الطريق ممراً لسير المشاة عرضه متران وعمل سكة جانبية لتصريف مياه الأمطار .


وبعد وفاة عباس الأول تولى محمد سعيد باشا حكم مصر فى 14 يوليو1854 فتمكن مسيو ديليسبس ــ والذى كان مقرباً من سعيد باشا ــ من الحصول على فرمان عقد امتياز قناة السويس الأول وكان مكونا من 12 بنداً كان من أهمها حفر قناة تصل بين البحرين، ومدة الامتياز 99 عاما من تاريخ فتح القناة، وقد اعترضت إنجلترا بشدة على هذا المشروع خوفاً على مصالحها فى الهند.

وقد عهد سعيد باشا الى المهندسين لينان دى بلفون بك وموجل بك كبيرا مهندسى الحكومة المصرية أن يرافقا ديليسبس لزيارة منطقة برزخ السويس فى 10 يناير 1855 لدراسة المشروع وتطبيقه على طبيعة الأرض، فأصدر المهندسان تقريرهما فى 20 مارس 1855 والذى أثبت سهولة إنشاء قناة تصل بين البحرين وإمكانية أن تنشأ القناة مستقيمة فى أضيق نقطة فى البرزخ بين موقع (بيلوزة) بورسعيد الآن على البحر المتوسط والسويس على البحر الأحمر، ثم جمع ديليسبس ١٠٠ من أصدقائه وحملهم على أن يكتتب كل منهم بحصة ثمنها ٥٠٠٠ فرنك واستخدم هذا المبلغ لاستقدام لجنة هندسية دولية مشكلة من ٧ من المهندسين (هولندى - انجليزى - بروسيانى - اسبانى - نمساوى - ايطالى - وفرنساوى) وطلب منهم دراسة المشروع والإطلاع على التقرير الذى وضعه لينان بك وموجيل بك فذهب رجال اللجنة الى البرزخ ووقفوا على الأماكن التى تقرر أن تجتازها الترعة فى منطقة برزخ السويس وبورسعيد وبعد إجراء عمليات هندسية وأبحاث طبوغرافية قررت اللجنة أن سطح البحرين واحد وصدر تقريرها فى ديسمبر 1855 والذى أكد إمكانية شق القناة وأنه لا خوف من منسوب المياه لأن البحرين متساويان فى المنسوب وأنه لا خوف من طمى النيل لأن بورسعيد شاطئها رملي.

فلما فرغت اللجنة من أعمالها عرضها ديليسبس على محمد سعيد باشا فأصدر أمراً عالياً فى 5 يناير 1856 بوثيقتين هما عقد الامتياز الثانى وقانون الشركة الأساسى وكان من أهم بنوده قيام الشركة بكافة أعمال الحفر وإنشاء ترعة للمياه العذبة تتفرع عند وصولها إلى بحيرة التمساح شمالاً لبورسعيد وجنوباً للسويس ووجوب تحويل بحيرة التمساح الى ميناء داخلى لإيواء أعظم السفن حجماً ، وأن حجم العمالة المصرية أربعة أخماس العمالة الكلية المستخدمة فى الحفر ، وأن تحصل الحكومة المصرية على حصة قدرها 15 فى المائة من صافى الأرباح السنوية مقابل الأراضى والامتيازات الممنوحة للشركة .

غير أن محمد سعيد باشا قد اشترط لصحة الامتياز برمته أن يُصدق عليه سلطان تركيا فذهب ديليسبس الى القسطنطينية لينال الموافقة فوجد الحكومة العثمانية منشرحة الى المشروع والسلطان ميالا الى تنفيذه وإذا به يفاجأ بسفير انجلترا السير ستراتفورد دى ردكليف يقوم لمناهضته بإيعاز من اللورد بلمرستن وزير الخارجية الإنجليزية ودخل المشروع فى دور سياسى لم يكن ديليسبس يتوقعه هوأنه مشروع خيالى وأن نفقات المحافظة على الترعة وصيانتها ستفوق بكثير أرباحها الاحتمالية وأن هذه الترعة سوف تفصل مصر عن تركيا فصلاً تاماً وأن هذه القناة خطر جسيم على مصالح بريطانيا العظمى فى الهند وأن تحقيق هذا المشروع سوف يجبر إنجلترا على إمتلاكها - أى مصر - بينما هى لا تريد ذلك ولا يهمها من مصر الا أن تكون الطريق التى تجتازها نحوالأملاك البريطانية الأسيوية آمنة وسليمة وقد عبر اللورد «بلمرستن» عن ذلك فى رسالة كتبها للورد «كولى» قال فيها : نحن لسنا فى حاجة الى مصر ولا نريدها لأنفسنا أكثر مما يريد رجل عاقل له مُلك فى شمال انجلترا بينما مُقامه فى جنوبها ، أن يمتلك جميع الفنادق القائمة على الطريق الموصلة للشمال وأن تكون الفنادق مُعتنى بها اعتناء حسنا وأن تكون مفتوحة له فى كل وقت يريدها ومستعده تمام الاستعداد لأن تقدم له لحماً حنيذاً لأكله وخيلاً بريدية تحل محل خيله المتعبة.

وقد دحض ديليسبس كل هذه المزاعم بتقرير الخبراء الدوليين ومنهم إثنان من الإنجليز عن نفقات القناة والأرباح المتوقعة لها والتأكيد على ولاء سعيد باشا للسلطان وعدم وجود مصلحة للانفصال عن تركيا وأكد أن حفر الترعة شرقى مصر يخرج مصر من طريق بريطانيا الى أملاكها وقد أدى ثبات ديليسبس وشجاعته وكون الحق الفنى والمنطق فى جانبه الى فوز المشروع على خصومه وإقبال الناس على الإكتتاب فى أسهم هذه الشركة العالمية .

فى الفترة من 5 إلى 30 نوفمبر 1858 تم الاكتتاب فى أسهم شركة قناة السويس وبلغ عدد الأسهم المطروحة للاكتتاب 400 ألف سهم بقيمة 500 فرنك للسهم الواحد وتمكن مسيوديليسبس بعدها من تأسيس الشركة وتكوين مجلس إدارتها. وقد وقف محمد سعيد باشا بجانب صديقه ديليسبس وساعده على تنفيذ مشروعه والتغلب على كل الصعوبات حتى أنه قدم له كل المتوافر عنده من مال عام ١٨٥٤ وقدره ٥٠٠ الف ريال وأقدم على إنشاء ترعة الماء العذب التى كان المفروض أن تقوم بها الشركة بأيد مصرية من ماله الخاص ولولا شراؤه بـ ٣ ملايين جنيه الأسهم الباقية المعروضة للبيع فى أيام بؤسها الأولى لأخفق المشروع .. وعلى الرغم مما ذكره الرافعى عن تعضيد سعيد باشا لصديقه ديليسبس فإن بعض المراجع القديمة قد ذكرت أنه فى وقت من الأوقات فكر سعيد باشا فى التراجع عن المشروع فما كان من الماكر ديليسبس الا أن أخبر سعيد باشا أن الإمبراطور الفرنسى يرى أن يرسل سعيد باشا ابنه الأمير طوسون لتلقى تعليمه فى فرنسا ففرح الباشا وبالفعل أرسل ابنه وما أن وصل حتى أخبره ديليسبس إن ابنه شبه محتجز - بالمعنى المجازى - فى فرنسا لحين تنفيذ المشروع وكضمان لعدم نكوث الباشا فى عهوده وإن كنت أشك فى صدق هذه الرواية . يُعد طبق المكرونة الذى تناوله سعيد باشا فى منزل القنصل الفرنسى ماتيوديليسبس فى باريس هوأشهر وأغلى طبق مكرونة فى تاريخ البشرية فقد لعب دوراً تاريخياً فى حياة مصر وهونفس الطبق الذى دفعت فيه مصر غالياً .. فقد حصل الفرنسيون فى مقابل هذا الطبق على إمتياز حفر قناة السويس وهوكلام مجازى وهزلى بالطبع وقد دفع الالاف من المصريين حياتهم أثناء الحفر فى ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها غير آدمية ، ولكن المأساة أن بعض الكتاب والكتب التاريخية روجوا لهذه المزحة السخيفة والحكاية وإن كانت غير صحيحة إلا أن لها جذورا يرويها بيير كرابيتس فى كتابه «إسماعيل المفترى عليه» فيقول إن الأمير سعيد كان فى صباه سمين الجسم وكان أبوه محمد على يكره السمنة ويريد أن يكون جسم ابنه كأجسام أهل الرياضة، فأصدر الأوامر المشددة بأن يقضى البرنس سعيد كل يوم ساعتين يتسلق فيهما صارى أحد المراكب الراسية على ضفاف النيل ثم يقفز من الصارى الى الماء ليسبح حتى يصل الى البر ثم يجرى بعدها فترة حول أسوار المدينة ، كذلك أمره بالتزام نظام غذائى بسيط للمحافظة على وزنه ومنعه من زيارة أى منزل من منازل العامة فيما عدا منزل «ماثيوديليسبس » الذى كان قنصل فرنسا فى وقت من الأوقات وكان يُشرف على تعليمه وكان له ابن هوفرديناند الذى سرعان ما استحكمت عرى الصداقة بينه وبين الأمير خاصة أن كليهما كان شغوفاً بأكل المكرونة، فما يكاد الأمير يفرغ من تناول طعامه على المائدة الملكية حتى يهرع الى بيت صديقه ليلتهما سوياً طبقهما المفضل ، وبعد زمن نقل الأب الى باريس فى نفس الوقت الذى سافر فيه الأمير الى هناك لاستكمال دراسته فقاده قلبه ونهمه الى بيت صديقه الفرنسى حيث جددا سوياً قصة عشقهما للمكرونة ... هذه بالضبط هى قصة مزحة الطبق الشهير .

 

قفزة خيل تمنح ديليسبس امتياز قناة السويس

أما كيف حصل ديليسبس على امتياز حفر القناة فتلك رواية أخرى يحكيها عبد الرحمن الرافعى فيقول " عندما مات عباس باشا وتولى سعيد باشا الحكم استبشر فرديناند ديليسبس خيراً بتحقيق حلمه على يد صديقه القديم فأرسل اليه يهنئه بارتقاء العرش ويبلغه عزمه على الحضور وسرعان ما وصل الى الإسكندرية فى نوفمبر 1854 وقابله الباشا بحفاوة كبيرة ثم اصطحبه فى رحلة حربية على رأس جيش مؤلف من 10 الاف مقاتل من الإسكندرية الى مصر عن طريق الصحراء الغربية ، فاغتنم ديليسبس الفرصة ليفاتحه فى أمر المشروع وكان لمهارته فى ركوب الخيل أثر فى تمهيد السبيل لنجاح مسعاه فقد امتطى صهوة جواد اهداه له الأمير ووثب على حاجز من الأحجار على مرأى من حاشية سعيد وقواد الجيش فأعجبوا به وبمهارته وفروسيته ، وفى اليوم التالى فاتحه فى المشروع وزين له أنه بذلك المشروع سيخلد ذكره ويكتسب ثناء العالم بأسره وبالرغم من أن سعيد باشا كان يصرح بأنه لا يخالف وصايا أبيه فى الإعراض عن فتح القناة الا أنه ضعف أمام إغراء صديقه الفرنسى وقبل المشروع ووعد بمساعدته وقد كتب ديليسبس عن هذه القصة فى مذكراته فقال: «جمع سعيد باشا قواد جنده وشاورهم فى الأمر ولما كانوا على استعداد لتقدير من يجيد ركوب الخيل ويقفز على الحواجز والخنادق أكثر من تقديرهم للرجل العالم المثقف فقد انحازوا الى جانبى وبادروا بالقول إنه لا يصح أن يرفض طلب صديقه وكانت النتيجة أن منحنى الباشا ذلك الامتياز العظيم» .

ديليسبس هتف «باسم شركة قناة السويس البحرية الكونية نفتح مداخل الشرق على تجارة الغرب ومدنيته»

الإمبراطورة أوجينى تتقدم موكب أسطورى لافتتاح القناة ٢٥ ابريل ١٨٥٩ أول ضربة معول فى قناة السويس

فى 25 أبريل 1859 ذهب مجلس إدارة الشركة بزعامة ديليسبس وزمرة من المهندسين الى برزخ السويس من جهة البحر المتوسط حيث احتشد جمهور يربوعلى ١٥٠ما بين نوتى وعامل ونهض الرئيس خطيباً بينهم وبيده فأس وقال: باسم شركة قناة السويس البحرية الكونية نضرب الآن أول فأس على هذه الأرض لفتح مداخل الشرق الى تجارة الغرب ومدنيته ونحن متحدون هنا فى إخلاص واحد لمصالح مساهمى الشركة ومصالح الأمير النبيل محمد سعيد .. ثم ضرب مسيو ديليسبس بيده أول معول فى الأرض إيذاناً ببدء الحفر بدون انتظار ورود الفرمان السلطانى المؤذن بالتصديق على الامتياز الممنوح وفى هذا اليوم كان معه 100 عامل حضروا من دمياط وفى أكتوبر ١٨٥٩ وصل المندوب السلطانى مختار بك الى سعيد باشا حاملاً معه الأمر السلطانى بوقف الأعمال الجارية فى برزخ القناة وبالتالى لم يتمكن العمال من استكمال الحفر بسبب معارضة إنجلترا والسلطان العثمانى (الباب العالي) لذلك ولكن الحفر أسُتكمل فى فى 30 نوفمبر 1859 بعد تدخل الامبراطورة أوجينى لدى السلطان العثمانى بناء على طلب ديليسبس الذى كانت تربطها به صلة قرابه شجعه على أن يطلب منها التوسط لدى السلطان لإنقاذ المشروع وبالفعل استجاب السلطان للطلب الفرنسى واستكمل العمل فى المشروع ووصل عدد العمال المصريين إلى 330 عاملا والاجانب 80 عامل، بعدها تم الاستغناء عن فكرة الاستعانة بعمال اجانب لعدة أسباب من ضمنها ارتفاع اجورهم وارتفاع درجة الحرارة واختلاف عاداتهم عن العمال المصريين.

فى أوائل عام 1860 بلغ عدد العمال 1700 عامل ولم يكن ذلك العدد كافياً على الإطلاق فقامت الشركة بتشكيل لجنة لجمع العمال خاصة من منطقة بحيرة المنزلة ( وهى التى أُطلق عليها السُخرة حيث كانوا يجمعون الأنفار ويسوقونهم لموقع الحفر بالقوة وبأجر هزيل ) وواجهت الشركة كذلك مشكلة مياه الشرب فقامت باستيراد 3 مكثفات لتحلية مياه البحر.

 

فى عام 1861 ركزت الشركة على إنشاء ميناء مدينة بورسعيد، فأقامت منارة لإرشاد السفن وكوبرى يمتد من البحر إلى الشاطئ لتفريغ شحنات السفن والمعدات اللازمة للحفر وأنشأت أيضاً حوضاً للميناء وأقامت الورش الميكانيكية مثل الحدادة والخراطة والنجارة وأقامت مصنعاً للطوب وكانت الشركة ما زالت تواجه مشكلة نقص مياه الشرب فاتفقت مع أحد أصحاب مراكب الصيد على نقل مياه الشرب من المطرية إلى بورسعيد. ثم قام الخديوسعيد فى 12 أبريل 1861 بزيارة الميناء الذى حمل اسمه فيما بعد وزار الورش وأثنى على العمل وتسببت تلك الزيارة فى رفع عدد العمال اللازمين لحفر القناة.

 

إسماعيل باشا والتحكيم الفرنسى

وبمجرد إرتقاء الخديوإسماعيل العرش أظهر ارتياحه الى المشروع ورغبته فى أن يتم هذا العمل المجيد فى عهده وأبدى إستعداده للوفاء بالتعهدات التى قطعها سلفه للمشروع ولكن ما أن عرف حجم هذه التعهدات ومدى فداحتها وإجحاف بعضها حتى امتعض بشدة فقد تيقن أن القناة يتعمل بأيدى فلاحى مصر وأن معظم النقود المنفقة عليها نقود مصرية فود لوتنحت الشركة عن المشروع له وتركته يقوم وحده بها فتعود الفائدة الى القطر المصرى ، ولمعرفته أن ديليسبس لن يتخلى عن مشروعه أبداً فحصر فكره فى إزالة ما فى الامتياز من جور على حقوق الحكومة المصرية السيادية

ولكن لا يمكن أن ننكر أن الفضل فى إتمام مشروع القناة يرجع الى تعضيد الخديوإسماعيل الذى تولى حكم مصر فى يناير 1863 وأنشأ محافظة القنال فى مارس 1863 برئاسة إسماعيل حمدى بك ، وفى 15 ديسمبر 1863 بلغت الترعة الحلوة مدينة السويس ، وكانت مشكلة مياه الشرب ما زالت مستمرة خاصة فى بورسعيد فقد بدأت الشركة فى 10 أبريل 1864 فى مد خط أنابيب المياه العذبة من التمساح إلى بورسعيد .

ولكن مشروع القناة ظل يشغل بال الخديوإسماعيل فقال جملته المشهورة «أريد أن تكون القناة لمصر لا أن تكون مصر للقناة» وسعى لتخفيف شروط الامتياز الذى حصل عليه ديليسبس والذى رأى فيه إجحافاً للمصريين خاصة السخرة التى أتبعتها الشركة مع العمال وطالب بتخفيض عدد العمال الذين تلتزم الحكومة بتقديمهم للشركة من 20 الف عامل الى 6 الاف مع زيادة أجورهم الى فرنكين فى اليوم والنظر فى ملكية الشركة لترعة المياه العذبة والغاء امتياز ملكية الشركة للأراضى التى ترى أنها فى حاجة اليها لحفر القناة مما يدفع الحكومة الى نزع ملكية الأراضى من الأفراد إذا احتاجت اليها الشركة، وقد فاوض إسماعيل باشا لألغاء هذه الشروط وبالطبع رفضت الشركة، واشتد الجدل وأخيراً ارتضى الخديوتحكيم الإمبراطور نابليون الثالث للفصل فى النزاع ليصبح الخصم حكماً باعتبار أن المشروع ذاته سيعود بالنفع على فرنسا وكانت النتيجة مجحفة لمصر فقد حكم بإبطال حق الشركة فى مطالبة الحكومة بتقديم عمال مصريين على أن تدفع الحكومة المصرية تعويضاً للشركة وأن تتنازل الشركة للحكومة عن كل حق فى ترعة المياه العذبة مع دفع تعويض وتحديد الأراضى اللازمة للشركة وإعادة الأراضى المتبقية وقد بلغت جملة التعويضات التى دفعتها الحكومة للشركة 3 ملايين و360 الف جنية مع الأخذ فى الاعتبار أن العقد المبرم بين الحكومة والشركة لا يتضمن التزام الحكومة بتقديم العمال بل ينص أن أربع أخماس العمال من المصريين فقط وبالتالى فقد خسرت مصر من هذا التحكيم الذى وافق عليه الخديوإسماعيل .

 

الإعداد للاحتفالات

وقد أعلن ديليسبس رئيس مجلس إدارة شركة القنال فى 2 أغسطس 1869 أن إفتتاح الترعة للملاحة العالمية سوف يكون يوم 17 نوفمبر من نفس العام كما يقول الياس الأيوبى فى كتابه " تاريخ مصر فى عهد الخديوإسماعيل باشا " وعليه فقد تم إزالة الحاجز الذى كان يمنع تدفق مياه البحر الأحمر فى البحيرات المالحة وبدأ العمال فى القيام باللمسات الأخيرة من قياس الأعماق ورفع العوائق وتطهير الترعة من كل الرمال التى وصلت اليها .

وفى نفس الوقت بدأ الخديوإسماعيل فى وضع الرتوش الأخيرة على حفل أحلامه والحدث الذى أراد أن يبهر به العالم ليبدو فى مظهر ملوك الف ليلة وليلة وليعلن فيه استقلال مصر عن السلطنة العثمانية وهوما لم يحدث ، فطرح فى المزاد أمر القيام بالشئون التى تحتاجها الإحتفالات الراقية وأرسل يستدعى 500 طاه والف خادم من تريستا وجنوه وليفرنو ومارسيليا ليقوموا على خدمة ضيوفه بالإضافة الى طهاته وخدمه المصريين وبعث يرجوالمسيوديليسبس بأخذ الاستعدادات اللازمة لضيافة 6 الاف مدعو، وبالفعل أجاب دعوته كل من الامبراطورة الفرنسية أوجينى وفرانز جوزيف إمبراطور النمسا وملك المجر وفريدريك فلهلم ولى عهد التاج البروسيانى وقرينته بنت الملكة فيكتوريا وهنرى أمير هولندا وقرينته .


وكان الخديو إسماعيل قد سافر يوم 17 مايو1869 لدعوة أباطرة وملوك العالم وقريناتهم لحضور حفل إفتتاح الترعة – كما كان يُطلق عليها - فبدأ بإيطاليا حيث التقى بصديقه الحميم الملك فيكتور عمانوئيل الثانى وبعدها اليونان ثم فيينا ومنها الى المانيا فالتقى بملكها غليوم الأول ثم باريس حيث لقى مقابلة رائعة من الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الجميلة أوجينى وبعدها لندن حيث التقى الملكة فيكتوريا وبالغت فى الترحيب به وتكريمه لمدة زادت عن عشرة أيام .. على أن الخديوإسماعيل تعمد عدم دعوة السلطان العثمانى ليظهر بمظهر الملك المستقل ببلاده مما أوغر صدر السلطان عليه باعتبار أن الدعوة لاحتفالات افتتاح ترعة السويس كان يجب أن تكون باسم السلطان العثمانى سيد البلاد الحقيقى .

حينما قالت أوجينى " يا الله .. لم أر فى حياتى شيئاً أجمل من هذا "

والذى تم فى 16 وما تلاه من أيام نوفمبر 1869 كان أسطوريا ووصلت الحفلة إلى مستوى فاق ما نسمعه عن حكايات ألف ليلة وليلة.

كان طبيعيًا أن تكون البداية هى الاهتمام بزى العسكر خاصة العاملين بالجوازات والصحة لأنهم فى طليعة المستقبلين للملوك كما روعى الاهتمام بنظافة الأماكن التى سيزورها الضيوف وبالطبع لم تكن بحاجة للتنظيف حيث كانت مدن وليدة جديدة كل شبر فيها يشع جمالاً وأناقة ونظافة ، وتم حث التجار على توريد الخضروات واللحوم والأسماك كبيرة الحجم محددة الأنواع لبورسعيد لمواجهة الطلبات المتزايدة كما روعى إحضار الثلج والخمور من القاهرة ، كذلك جُهز عدد من السفن لإحضار المدعوين من الإسكندرية الى بورسعيد.


 

وفى أوائل نوفمبر 1869 أخطر ديليسبس محافظة بورسعيد بأن الخديو أذن فى بدء إعداد الزينات وعلى الفور تم إخلاء الشوارع وترتيب العساكر اللازمين لحفظ الأمن وامتلأت بورسعيد بالمدعوين، وكان الخديو قد طلب من مديرى الأقاليم أن يحضروا عدداً من الأهالى بنسائهم وأطفالهم لحضور حفل الافتتاح فانتشروا على خط القناة من فلاحين ونوبيين وعربان بملابسهم التقليدية حتى أن الإمبراطورة أوجينى أبرقت إلى الإمبراطور نابليون الثالث بأن الاحتفال كان فخماً وأنها لم تر مثله فى حياتها ومما زاد الأمر أبهة اصطفاف الجيش والأسطول المصرى فى ميناء بورسعيد بالإضافة لفيالقه على ضفاف القناة.

أما عن الاحتفال نفسه الذى أقيم يوم 16 نوفمبر فقد أقيمت 3 منصات خضراء مكسوة بالحرير خصصت الكبرى للملوك والأمراء، والثانية إلى اليمين لرجال الدين الإسلامى ومنهم الشيخ مصطفى العروسى والشيخ إبراهيم السقا، والثالثة إلى اليسار وخصصت لرجال الدين المسيحي، وجلس بالمنصة الكبرى الخديو إسماعيل ومسيوديليسبس والإمبراطورة أوجينى وإمبراطور النمسا وملك المجر وولى عهد بروسيا والأمير هنرى شقيق ملك هولندا وسفيرا إنجلترا وروسيا بالآستانة والأمير محمد توفيق ولى العهد والأمير طوسون نجل محمد سعيد باشا وشريف باشا ونوبار باشا والأمير عبد القادر الجزائرى .

وكانت المراكب الحربية قد اصطفت على شكل نصف قوس داخل ميناء بورسعيد فى منظر بديع، وبعد أن تناول الجميع الغداء على نفقة الخديو صدحت الموسيقى بالغناء وعُزف النشيد الوطنى وألقى الشيخ إبراهيم كلمة تبريك ثم قام القساوسة من الدين المسيحى وأنشدوا نشيد الشكر اللاتيني.

وفى المساء مُدت الموائد وبها شتى أنواع الأطعمة والمشروبات وانطلقت الألعاب النارية والتى تم استيرادها خصيصاً لهذا الغرض وتلألأت بورسعيد بالأضواء وأنغام الموسيقي. ويقول محمد يوسف أحمد فى كتابه الخديو والامبراطورة أنه من المؤكد أن ديليسبس قد خدع إسماعيل باشا عندما أوهمه انه بإقامة حفلات أسطورية لافتتاح القناة يستطيع إقناع العالم بأنه ملك دولة غنية وقوية.

وقد تم تقسيم المدعوين إلى درجتين ، الأولى هم الملوك والأمراء كأوجينى إمبراطورة فرنسا وفرنسيس جوزيف إمبراطور النمسا وغيرهم ، أما الثانية فكانوا كبار الشخصيات السياسية والعلماء والأدباء والفنانين وكبار التجار ورجال الاقتصاد وكلهم من الأوربيين وكل هؤلاء أقاموا على نفقة الحكومة المصرية ....وكانت منطقة القناة قد ضاقت المدعوين الذى وفدوا إليها من شتى أنحاء العالم ، كما قام الخديو إسماعيل بالإيعاز إلى مديرى الأقاليم لإرسال أعداد من الأهالى بنسائهم وأطفالهم وحيواناتهم وأدوات المعيشة الخاصة بهم ... وبذلك انتشروا على طول قناة السويس من عربان وفلاحين وصعايدة وسودانيين وسمح لهم بالإقامة فى الأكواخ والخيام والعشش وبذلك تم تمثيل جميع أطياف المجتمع المصرى حتى ان الإمبراطورة أوجينى قد سُحرت عند رؤية هذا المشهد.

الشائعة التى كادت أن تُفسد الاحتفال

ويحكى محمد يوسف أحمد فى كتابه الخديو والإمبراطورة قصة مثيرة فيقول : إنه عندما أشارت عقارب الساعة الى الثامنة .. بدأت الأنوار والزينات فى مدخل القناة الشمالى عند بورسعيد التى وقفت أمامها السفينة المصرية المحروسة تُطلق بين آونة وأخرى طلقة مدفع تحية من 21 طلقة حتى إذا كانت الطلقة الأخيرة أنارت الميناء كله بنورها بين صياح الجماهير، وقد وصفها أحدهم بقوله " تفجرت فى كبد السماء كأنها بركان ... ولكنه بركان فرح وجذل وابتهاج " ولكن أتت الرياح بما لم تشته السفن حيث انتشرت إشاعة مفادها أن الإمبراطورة الفرنسية ركبت السفينة (الإيجل) وعادت الى بلدها وكذا فعل الإمبراطور فرانسوا جوزيف وإن بقية الضيوف على وشك الرحيل حيث أن صخرة هائلة سدت القناة ولن يستطيع الموكب مواصلة السير فيها الى السويس ، وبالطبع لم تكن هذه هى الحقيقة ... أما المصدر فكان أن ديليسبس رأى قبل ليلة الافتتاح أن تُجرى المقاييس على المجرى الملاحى للتأكد من خلوه من كل عائق ، وكانت الشركة قد عملت مقاييس قبل ذلك كل مائه متر حيث كانت التعليمات أن تعمل المسوح كل عشرة أمتار وحين بُدأ فى تنفيذ التعليمات صادفتهم صخرة أزيلت فى الحال وانتهى الأمر عند هذا الحد ، ثم رأى ديليسبس أنه زيادة فى الاطمئنان أن تقوم سفينتان حربيتان بالإبحار فى مجرى القناة حتى السويس كطليعة لموكب الملوك ..لكن إحدى هاتين السفينتين واسمها (لطيف) جنحت فى المجرى وسدته عن القنطرة شمال الإسماعيلية، وكان إسماعيل باشا قد سافر الى الإسماعيلية لكى يُشرف على الترتيبات النهائية للحفل ، وعندما وصله خبر جنوح السفينة سارع تحت جنح الظلام أحضر ألف جندى بحرى من بورسعيد استطاعوا سحب السفينة بمحاذاة الساحل الشرقى للقناة والجميل فى الأمر أن موكب الملوك والأباطرة عندما وصل الى منطقة القنطرة فى اليوم التالى أطلقت السفينة (لطيف) عدة طلقات جعلتهم يعتقدون أن وقوفها فى هذا المكان ضمن ترتيبات الاحتفال بغرض تحيتهم. وكان إسماعيل الذى وصل الى موقع جنوح السفينة فى الساعة الثالثة صباحا قد صرح بأنه على استعداد أن يفجر السفينة إذا لزم الأمر لإزاحتها عن المجرى الملاحى .

 

احتفالات أسطورية فى بورسعيد والإسماعيلية

ويقول محمد يوسف أحمد إنه فى صباح يوم 17 نوفمبر 1869 أصبح فى مقدور الأسطول الصغير دخول قناة السويس وعلى رأسه السفينة الإيجل تتبعها سفينة إمبراطور النمسا ثم أربعين سفينة أخري...وفى هذا اليوم كان هناك أكثر من 6 آلاف من المدعوين جاءوا الى الإسماعيلية فى ضيافة الخديو إسماعيل ضاقت بهم رحبات قصره فأقام لهم أكثر من 1200 خيمة ملكية ليقيموا فيها بينما نام الآخرون فى الذهبيات الواقفة فى بحيرة التمساح وفى مبنى إدارة شركة قناة السويس والباقى داخل العربات.. وفى الساعة الثامنة والنصف صباحاً كانت (السفينة إيجل) وعليها الإمبراطورة أوجينى وبمعيتها فرديناند ديليسبس تجتاز ميناء بورسعيد لتدخل مدخل القناة حيث أقيمت أقواس النصر وبوابات للزينة على شكل أهرامات شاهقة الارتفاع وبعد ساعة وربع وصلت الى منطقة رأس العش على بعد 14 كيلومترا جنوبى بورسعيد وفى الساعة الثانية عشرة ونصف كانت السفينة تمر أمام القنطرة قاطعة 44 كيلومترا فى حوالى أربع ساعات حيث قامت السفينة الحربية المصرية بإطلاق مدافعها تحية للإمبراطورة بينما أقام عمال شركة القناة زينات رائعة الجمال على ضفاف القناة كُتب عليها بأوراق الشجر كلمات فى تحية الامبراطورة وعندما وصلت ( إيجل) الى الإسماعيلية صعد الخديو إسماعيل على متنها ليهنئ الإمبراطورة أوجينى بسلامة الوصول، وبمجرد نزول أوجينى الى رصيف التمساح بدأت الأفراح بينما إمتطت هى جواداً عربيا مطهما وذهبت الى قصر الخديو إسماعيل على ضفاف بحيرة التمساح لتهنئته. وتعاقبت قافلة السفن والمراكب على ميناء الإسماعيلية حتى بلغ عددها ثمانين سفينة. وفى مساء هذا اليوم تم إنارة مدينة الإسماعيلية بشكل مبهر فأضيئت الشوارع والميادين والسفن والدهبيات الراسية على ضفاف بحيرة التمساح وترعة المياه الحلوة كما تلألأت أنوار قصر الخديو الذى تم بناؤه خصيصاً لهذه المناسبة . وقد قال احد أمراء أوروبا فى وصف الخديوى إسماعيل " ما أغناه من أمير" بينما شكا احد الوزراء المصريين إسراف الخديو لأحد أمراء أوروبا قائلا: إننا نأكل أحجار الأهرام..حجرا حجرا ..فرد عليه الأمير ضاحكا " لا تهتم ... سنقرضكم المال اللازم لتشتروا منا الاسمنت اللازم لإعادة بنائها ".

 

وليمة آخر فخامة

 

وقد أسهبت الكثير من المراجع التاريخية فى وصف العشاء التاريخى الذى أقامه الخديوإسماعيل لضيوفه فى قصره بالإسماعيلية ليلة 18 نوفمبر منهم محمد يوسف أحمد والياس الأيوبى وغيرهم كثيرون فقالوا " وفى تمام التاسعة بدأ العشاء الأسطورى أوحتى يمكن القول أكبر ولائم التاريخ حيث مُدت الموائد لآلاف المدعوين والتى كان فى صدرها المائدة الرئيسية التى ضمت الخديوإسماعيل الى جوار أوجينى وعن يمينها فرانسوا جوزيف وعن يسارها فردريك ويلهلم ولى عهد بروسيا والى يمين الإمبراطور فرانسوا جوزيف عقيلة السير إليوت سفير انجلترا بالآستانة ثم الجنرال اجنابتف سفير بروسيا فى الآستانة والى يسار ولى عهد بروسيا عقيلة سفير بروسيا ثم السير هنرى اليوت وأمامهم جلس الخديو إسماعيل والى يمينه أمير هولندا فالأمير مورا والى يسار الخديو مدام بواز ثم فردينان دى ليسبس.

ثم وصفوا القائمة التاريخية التى كانت تضم أطباقا رئيسية فاخرة مكونة من اسماك البحر المتوسط ، لحم بقرى مسلوق مطهى على الطريقة الانجليزية ، لحم على قاعدة هلامية على الطريقة الفرنسية ، فخذ الخنزير المملح والمدخن، خبز باللحم الشامى العصاج ، فطائر محشوة لحم بتلوعلى الطريقة الانجليزية ، لحوم طائر السمان .. أما السلطات فكانت متنوعة وملوكى مثل الجمبرى السويسى المسلوق مع الجرجير ، مخلل لفت مع الشامبانيا ، سلطة روسية ، هليون ايطالى مع زيت حار .. بالإضافة الى أطباق متنوعة من المشويات من الظباء والديوك والنعام والسمان ... إنتهاءا بالحلو المكون من بودنج الكريز، بسكويت بالشيكولاتة البيضاء ، فخفخينة تركى ، عصائر مثلجة ، قوالب حلوى ، تورتات مختلفة... ولن تنسى الإسماعيلية هذه الليلة وموائدها العامرة التى أُريقت فيها مئات اللترات من الخمور الفاخرة والتى تم استيرادها خصيصا لهذه المناسبة . وبعد احتساء الخمر ... دارت القهوة العربية ، ثم بدأ (البالو) أوالحفل الراقص فتقدم الخديوإسماعيل من أوجينى طالبا منها أن تفتتح الرقص بردائها الرائع من الحرير الشفاف باللون الفوشيا ، وقد قبلت الإمبراطورة وأذنت ببدء الحفل ورقص الجميع ورقص الخديو ولكن الوحيد الذى لم يرقص كان الأمير عبد القادر الجزائرى بزيه الأبيض المميز.

وفى أثناء حفل البالوانطلقت الألعاب النارية تم استيرادها خصيصاً من أوروبا لهذا الحفل فى السماء بينما كانت العاب البرجاس تدورعلى ظهور الخيول العربية المطهمةخارج القصر ...وقد دام الرقص والغناء والفرح والانشراح حتى الصباح.

 

الاحتفالات الخديوية تتوالى

وفى مساء يوم 19 نوفمبر 1869 تحركت السفن التى تحمل الملوك وكبار الضيوف من بحيرة التمساح الى الجنوب حيث مدينة السويس تتقدمه السفينة الملكية (إيجل) وعلى متنها الإمبراطورة أوجينى حتى وصل الركب الى منطقة جبل مريم الواقعة على بعد ثمانية كيلومترات جنوبى الإسماعيلية ، وفى أثناء مرور الركب فى هذه المنطقة تحدث الجميع كيف كان (جبل مريم) ضمن طريق دخول العائلة المقدسة الى مصر... وكيف جلست العذراء مع طفلها المقدس تحت إحدى الأشجار فيها ، واستمر الموكب فى الإبحار جنوبا مجتازا منطقة (طوسون) ومنها الى منطقة تعرف الآن باسم (الدفرسوار) وقد حصلت هذه المنطقة على اسمها هذا فى هذه الليلة فترجمة هذا الاسم من الفرنسية يعنى ليلة حالكة الظلام والسبب فى ذلك كما يقول محمد يوسف أحمد أن الإمبراطورة أوجينى لاحظت عند مرورها بتلك المنطقة ذلك الظلام الدامس فقالت أن هذه الليلة (دفراسوار) ..فتم اطلاق الاسم عليها.

وشهدت البحيرات المرة فى هذه الليلة واحدة من ليالى ألف ليلة وليلة حيث أقام صديق باشا وزير المالية المصرى فى إحدى هذه الدهبيات حفلا تنكريا كبيرا حضره كبار الضيوف من الملوك والأمراء والوزراء والسفراء وقد ارتدى الجميع ملابس تنكرية نسجت من الأساطير المصرية والأوروبية ونشرت العديد من الصحف الأوروبية تفاصيل هذا الحفل الأسطورى فى صدر صفحاتها الأولى .

وفى صباح يوم 20 من نوفمبر 1869 وصل اليخت الى مدخل السويس لتنزل إمبراطورة فرنسا والملوك فى القصر الشهير الذى تم إعداده بمناسبة هذه الاحتفالات . وقد تخلفت الإمبراطورة أوجينى فى السويس لزيارة المنزل المتواضع الذى أقام فيه بونابرت حين زار مدينة السويس فى خلال أحداث الحملة الفرنسية على مصر كما اجتازت بوغاز السويس حيث زارت منطقة عيون موسى وركبت الجمل فى هذه الرحلة وكان من المقرر أن تزيح الستار عن التمثال الذى أقامته شركة القناة فى بور توفيق للضابط الانجليزى (واجهورن) اعترافا من الشركة بجهوده فى تنظيم طريق السويس البرى ... ولكنها عادت متأخرة من رحلتها فى منطقة عيون موسى ...وفى يوم 22 نوفمبر 1869 استدار اليخت الإمبراطورى استعداداً لرحلة العودة فأقلع فى نفس اليوم من السويس بعد أن أمضت فى مصر شهرا ممتعا فى ضيافة الخديو إسماعيل وكرمه. أما ديليسبس فقد عينته فرنسا كعضوبالأكاديمية الفرنسية حيث استقبله المؤرخ الفرنسى الكبير أرنست رنيان الذى قال كلمة تاريخية عندما وجه حديثه لديليسبس قائلا: " كان مضيق البسفور حتى اليوم موقعا كافيا لإثارة الاضطرابات فى العالم ... وقد أقمت أنت ممراً جديداً أخطر منه شأنا...ليكون موقع معارك الغد الخطيرة ".

 

الخاتمة السعيدة وبداية جديدة ...

وهكذا عاد الملوك والأباطرة الى بلادهم بعد أن عاشوا ليالى من الف ليلة وليلة فى ضيافة أهم حكام الشرق «الخديوإسماعيل» .. وراحوا يفكرون ويدبرون الخطط للسيطرة على هذا المجرى الملاحى المهم ، وحصل ديليسبس على أرفع الأوسمة والدرجات وأصبح أشهر أسم على مستوى العالم بين العلماء ، وباتت الخزانة المصرية خاوية تئن من وطأة الديون والمصاريف التى تجاوزت الملايين التى تكبدتها فى هذا المشروع وما تبعه من احتفالات وتكالبت تركيا مع الدول الأوروبية على الخديوإسماعيل حتى أزاحوه عن الأريكة الخديوية عام 1879 ونسى الجميع فى غمرة هذه الأحداث العامل والفلاح المصرى الذى كان وقود هذا المشروع الذى نقل مصر نقل كبيرة فى عالم الدول وعلى الخريطة العالمية .. ولن ينسى التاريخ أنه وفى عام 1882 أى بعد 13 عاماً من افتتاح القناة وفى عهد الخديوتوفيق إبن إسماعيل وقعت مصر تحت الإحتلال البريطانى بسبب كثرة الديون والصراع على من يمتلك القناة ولكن تمكن المصريون من التخلص من الاحتلال الإنجليزى بعد كفاح دام 70 عاماً ليخرج الإنجليز وتعود القناة الى أحضان مصر بعد تأميمها.... واليوم وبعد أكثر من 145 عاماً يعود المصريين ليبهروا الجميع بحفر قناتهم الجديدة لتكون حلقة فى سلسلة إنجازات المصريين التى تبهر العالم لتعود لمصر مكانتها الرائدة بين دول العالم .

 

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق