رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بعد تعديل المادة 18 من قانون الإجراءات الجنائية «التصالح» يثير الجدل

تحقيق: سيد صالح
حالة من الجدل أثارها التعديل التشريعى الذى يسمح بالتصالح فى جرائم اختلاس المال العام، والاستيلاء عليه بغير حق، أو تسهيل ذلك للغير،

المعارضون من بعض فقهاء القانون يعتبرونه بابا خلفيا يشجع على الفساد، ويحذرون من أنه قد يسمح للمسئولين من ذوى الضمائر الميتة بالعبث فى المال العام، والاستيلاء عليه، سواء كان ذلك لأنفسهم أو لغيرهم.. فيما يصف المؤيدون التصالح بأنه «ليس اختراعا»، وإنما هو أمر عادي، بدليل أنه معمول به فى قوانين البنوك .. وفيما بين المؤيدين لمبدأ التصالح فى تلك الجرائم الخطيرة، والرافضين لها، أجرينا هذا التحقيق، وإليكم التفاصيل:

التعديل التشريعى صدر بالقرار الجمهورى رقم 16 لسنة 2015، فى 12 مارس من العام الجارى ، بشأن تعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، بإضافة المادة 18 مكرر (ب) ..

فى البداية تقول الدكتوره فوزية عبد الستار أستاذة القانون الجنائى بكلية الحقوق جامعة القاهرة ورئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب سابقاً - إن المادة 18 مكرر (ب) ، تنص على أنه» يجوز التصالح فى الجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات، ويكون التصالح بموجب تسوية بمعرفة لجنة من الخبراء، يصدر بتشكيلها قرار من رئيس مجلس الوزراء، ويحرر محضر يوقعه أطرافه، ويعرض على مجلس الوزراء لاعتماده، ولا يكون التصالح نافذا إلا بهذا الاعتماد، ويعد اعتماد مجلس الوزراء توثيقا له وبدون رسوم، ويكون لمحضر التصالح فى هذه الحالة قوة السند التنفيذي، ويتولى مجلس الوزراء إخطار النائب العام سواء كانت الدعوى مازالت قيد التحقيق أو المحاكمة، ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية محل التصالح بجميع أوصافها، وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين فى الواقعة، إذا تم الصلح قبل صيرورة الحكم باتا ، وكان المحكوم عليه محبوسا نفاذا لهذا الحكم، جاز له أو وكيله الخاص أن يتقدم إلى النائب العام بطلب لوقف التنفيذ مشفوعا بالمستندات المؤيدة له، ويرفع النائب العام الطلب إلى محكمة النقض مشفوعا بهذه المستندات، ومذكرة برأى النيابة العامة، وذلك خلال 10 أيام من تاريخ تقديمه، ويعرض على إحدى الدوائر الجنائية بالمحكمة منعقدة فى غرفة المشورة لنظره، لتأمر بقرار مسبب بوقف تنفيذ العقوبات نهائيا إذا تحقق من إتمام التصالح، واستيفائه جميع الشروط والاجراءات المنصوص عليها فى هذه المادة، ويكون الفصل فى الطلب فى خلال 15 يوما من تاريخ عرضه، وبعد سماع أقوال النيابة العامة والمحكوم عليهم، وفى جميع الأحوال يمتد أثر التصالح إلى جميع المتهمين أو المحكوم عليهم، دون المساس بمسئوليتهم التأديبية، ويقدم طلب التصالح من المتهم أو المحكوم عليه أو وكيله الخاص، ويجوز للأخير اتخاذ كل الاجراءات المتعلقة بإعادة المحاكمة فى غيبة المحكوم عليه فى الأحكام الصادرة غيابيا.

نأتى إلى جرائم الباب الرابع المنصوص عليها فى الكتاب الثانى من قانون العقوبات، ومن أبرزها جرائم اختلاس المال العام ، وتقع من الموظف العام على المال الذى يوجد تحت يده، وعقوبتها السجن المشدد وقد تصل إلى السجن المؤبد ( الماده 112) ، وكذلك جرائم الاستيلاء بغير حق على المال العام أو تسهيل ذلك للغير، وعقوبتها السجن المشدد أو السجن المؤبد أو المشدد( المادة 113)، وكذلك طلب ما لا يستحق أو ما يزيد على المستحق مع العلم بذلك إذا وقع من موظف عام له شأن فى تحصيل الضرائب أو الرسوم أو العوائد أو الغرامات أو الأحوزة وعقوبته السجن المشدد أو السجن( المادة 114).

كما تتضمن جرائم الباب الرابع جريمة التربح من الوظيفة العامة وعقوبتها السجن المشدد، وكذلك جريمة تعدى الموظف العام على أرض زراعية أو فضاء يعتبر مالا عاما، أو سهل ذلك لغيره، والعقوبة هى السجن وقد تصل إلى السجن المؤبد أو المشدد( المادة 155 مكررا)، ثم جريمة إضرار الموظف العام عمدا بالمال العام أوالمعهود به إليه، وعقوبتها السجن المشدد ( المادة 116 مكررا) ، وكذلك التخريب أو الاتلاف أو وضع النار عمدا من الموظف العام فى أموال الجهة التى يعمل بها والعقوبة هى السجن المؤبد أو المشدد وقد تصل إلى المؤبد ( المادة 117 مكرر).

التصالح ليس اختراعا

ومن حيث المبدأ، - والكلام هنا للمستشار محمد عيد محجوب رئيس لجنة التقاضى والعدالة باللجنة العليا للإصلاح التشريعي- فإن تعديل أى نص أو مادة فى القانون هو أمر وارد ولا شيء فيه، فالمادة التى تم تعديلها تتعلق بالتصالح فى جرائم الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات، ويتم التصالح عبر تشكيل لجنة من مجلس الوزراء، وتمارس هذه اللجنة عملها وفقا لقرار يصدر من رئيس مجلس الوزراء بتشكيلها وتشكيل الأمانة الفنية لها وكيفية عملها، ويجوز للمتهم أو المحكوم عليه بحكم نهائى أو بات فى قضية من قضايا المال العام أن يتقدم بطلب للتصالح، وتقوم اللجنة بفحصه، وإذا قبلت اللجنة الطلب، فعلى المتهم أو المحكوم عليه أن يعيد ما قام باختلاسه للدولة، أويدفع قيمته بسعر السوق وقت تقديم طلب التصالح، وفى هذه الحالة تنقضى الدعوى الجنائية بالصلح.

والموضوع ببساطة، أن هذه القضايا تتعلق بمستثمرين، والاعتداء على أراضى الدولة، ومن خلال هذا التعديل، يمكن إيجاد حل حاسم للكثير من النزاعات القضائية، بحيث يكون أمام المتهم خيارات محددة إما إعادة الأراضى التى استولى عليها، أو يدفع ثمنها بسعر السوق، أو يتم تقديمه للمحاكمة، تجنبا لقضايا التحكيم الدولى التى تواجهها مصر فى لندن ونيويورك، وعددها 6 قضايا وتبلغ قيمة التعويضات المطلوبة فيها نحو 16 مليار جنيه، ومن ثم فإن هذا التعديل يهدف إلى تجنيب الدولة مليارات الجنيهات التى قد تدفعها إذا خسرت قضايا التعويضات.

والتصالح فى حد ذاته ليس اختراعا، فهناك قانون البنك المركزى الذى يجيز التصالح فى قضايا البنوك، ومن يهاجم هذا التعديل لم يطلع على المذكرة التفسيرية الخاصة بالمادة المعدلة، والحكم على مادة من عدمه يكمن فى التطبيق على أرض الواقع، ولا يشجع على الفساد كما يرى البعض.

جوازيا وليس وجوبيا

ومن حيث المبدأ، - كما يقول المستشار رفعت السيد رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق- فإن المادة 18 من قانون الاجراءات الجنائية كانت تجيز التصالح فى مواد المخالفات والجنح التى يعاقب عليها القانون بعقوبة الغرامة، ثم أضيف فى عام 1998 القانون 174 لسنة 1998، تحت بند 18 مكرر ، ويترتب على هذا التصالح انقضاء الدعوى الجنائية، ثم أضيفت إليها المادة 18 مكرر ( ب) من القانون رقم 16 لسنة 2015 ، والذى يجيز التصالح فى الجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات، وهى الخاصة باختلاس المال العام، والعدوان عليه، والغدر، والتى تشملها المواد 112 وحتى 119 مكرر.. كما سبق للمشرع المصرى ضمن قانون البنك المركزى أن أجاز التصالح مع المقترضين من البنوك، والمتقاعسين عن السداد، حال وفائهم بقيمة القرض وتصالحهم مع البنك الذى أقرضهم، وقد تمت من خلال هذا القانون تسوية العديد من النزاعات والمديونيات التى كانت تعيق أنشطة البنوك، الأمر الذى يستشف معه أن المشرع المصري، قد انحاز إلى إنجاز القضايا عن طريق التصالح كوسيلة لحسم المنازعات سواء فى قضايا الاعتداء المادى مثل قضايا الضرب والاتلاف وغيره، وكذلك قضايا المال مثل التبديد، والشيكات بدون رصيد، وغيرها، وانحاز لأن يكون التصالح وسيلة لحسم المنازعات، ولإنجاز التقاضى من خلال تراضى الأطراف، كما انحاز أيضا لتسوية منازعات البنوك من خلال التصالح، حتى تتمكن البنوك من استرداد أموالها، بدلا من السير فى إجراءات التقاضى التى تطول كثيرا، مما يكون معه استرداد المال بعد ذلك وقد يكون قد فقد الكثير من قيمته.

ثم جاء التعديل الأخير ليجرى التصالح على الأموال العامة التى يتم اختلاسها والاستيلاء عليها شريطة أن تتم تسوية المنازعات بشأنها من خلال لجنة من الخبراء، تعرض هذه التسوية على مجلس الوزراء لإقرارها واعتمادها، ولا يكون لهذه التسوية من أثر إلا بهذا الاعتماد، الذى يكون لها قوة السند التنفيذي، ويكون من شأنها انقضاء الدعوى الجنائية، ووقف تنفيذ العقوبات إذا صدرت قبل الحكم البات وإخلاء سبيل المتهمين المحكوم عليهم بأحكام باتة غير قابلة للطعن بقرار من محكمة النقض، بناء على طلب من النيابة العامة.

وهذا التصالح جوازى وليس وجوبيا، بمعنى أنه من حق الدولة قبول التصالح، أو عدم قبوله، ومن ثم الاستمرار فى الإجراءات القانونية المعتادة، كما أن النيابة العامة ليست ملزمة بقبول التصالح ، وإنما هو أمر جوازى ترى فيه السلطة العامة استخدام حق المواءمة والملاءمة والصالح العام .

يشجع على الجريمة

وبشكل عام، فإن الهدف من أى تعديل تشريعى كما يقول الدكتور أنس جعفر الفقيه الدستوري- ينبغى أن يكون لمسايرة تقدم المجتمع وتحقيق تطلعاته، وتحقيق المصلحة العامة، ولابد أن يتفق التشريع مع الدستور، وأن يقيم توازنا بين حقوق القوى الاجتماعية فى المجتمع.. وهنا نسأل: هل هذا التعديل يحقق ذلك؟.. الإجابة لا.. فالتصالح ليس عيبا فى حد ذاته، وهو كفكرة لا بأس بها من حيث المبدأ، لأن السجن لم يعد وسيلة ناجعة ، ولكن كان يجب النص على أن يرد الجانى أو شركاؤه ضعف أو ثلاثة أضعاف المبلغ المختلس وليس قيمة المبلغ المختلس نفسه كما هو الحال فى النص الحالي، كما أنه لم يبين قيمة ما سيدفع المتهم وإنما تركه كسلطة تقديرية للجنة المختصة المخولة بالتصالح.

وإذا كان القانون يجيز التصالح فى قضايا التهرب الضريبى والجمركي، فالمتهرب هنا شخص عادي، أما فى جرائم اختلاس المال العام ، فمرتكبها موظف عام، كان مؤتمنا على المال العام وخان الأمانة.. ومن ثم لا وجه للقياس على مسألة التصالح فى الحالتين.. كما أن القانون قد أعطى سلطات مطلقة لرئيس مجلس الوزراء وإذا كنا لا نشكك فى نزاهته وحيدته وحرصه على المال العام- إلا أننا نخشى أن يساء استخدام هذا الحق فى المستقبل من قبل مسئولين آخرين.لذا فإنه يجب تطبيقه على الحالات السابقة على صدوره ، وتحديد القيمة المالية التى يدفعها المتهم أو المحكوم عليه بحيث لا تقل عن ثلاثة أضعاف المبلغ محل الواقعة، ولكن بشكل عام، فالتعديل التشريعى محل النقاش- لا يحقق المصلحة العامة، بل يشجع ذوى الضمائر الميتة على ارتكاب الجرائم معتمدا على التصالح كمخرج للإفلات من العقوبة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق